الدرس في تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 112، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح المقطع أن الإضرار بالشهود والكتاب في العقود يعد فسوقاً يخرج صاحبه عن طاعة الله، وأن الفسوق يزيد وينقص مقابل الإيمان. كما يبين أن تقوى الله تورث العلم والفرقان، وأن العلم النافع يشمل أمور الدين والدنيا معاً.
يبيّن المقطع جهل بعض أهل البادية الذين يقتصرون الدين على العبادات ويحتكمون إلى عرف القبائل ظانين أنه أعلم من الشرع. وينقل عن ابن تيمية تكفير من يعتقد فضل حكم القبيلة على حكم الله مع عذر الجاهل.
يبيّن المقطع شرعية توثيق الحقوق بالوثائق والرهون لحفظها بين البر والفاجر، ويستشهد بقصة الإسرائيلي الذي ائتمن الله على دينه. ويؤكد أن التوثيق أولى عند انعدام الأمانة أو المعرفة بالطرف الآخر.
أشار الشيخ إلى أن تمام صحة الرهن يتوقف على كون المرهون مقبوضًا، ثم أعلن تأجيل بقية مسائل الرهن إلى الدرس القادم. مختتمًا المجلس بذلك البيان.
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فتلاوزنا في الفوائد التي ذكرها العلامة السعدي في آية المداينة. قالوا: منها أن الإضرار بالشهود والكتاب فسوق بالإنسان؛ فإن الفسوق هو الخروج عن طاعة الله إلى معصيته، وهو يزيد وينقص ويتبع، وهو عكس الإيمان؛ لأن الإيمان في المسلم يزيد وينقص ويتبع، وكذلك الفسوق: الفسوق يزيد وينقص ويتبع. فهناك من فسوقه أكبر، وهناك من فسوقه أقل، وهكذا. مثل الإيمان يزيد وينقص، فكلما زاد إيمان العبد نقص إن كان فاسقًا نقص فسقه، وكلما زاد فسوقه نقص إيمانه. الفاسق هو الذي يرتكب الكبائر ويصر على الصغائر، اعتبر فاسقًا عند جمهور العلماء. قالوا: لهذا لم يقل "فأنتم فساق" أو "فاسقون"، بل قال: "فإنه فسوق بكم"؛ أن يؤدي إلى الفسوق. الإضرار بالشهود والكتاب، فلا يجوز للمسلم أن يضر بالشهود أو بالكاتب الذي يكتب هذه المبايعات، فيمكر عليه أو كذا. قد ذكرنا بعض الأمثلة في الإضرار بالشهود وكذلك الكتاب. قال: "فبقدر خروج العبد عن طاعة ربه فإنه يحصل به من الفسوق بحسب ذلك". واستدل بقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾، أن تقوى الله وسيلة إلى حصول العلم. وأوضح من هذا قوله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾، أي: علمًا تفرقون به بين الحقائق، والحق والباطل. أنا بين الحقائق: أي في بحثها وفي تمييزها، أو في معرفتها معرفة حقيقة الشيء، وكذلك أيضًا بين الحق والباطل. فهذا إذا اتقى العبد ربه جل وعلا، فإن الله عز وجل ينور قلبه. وأيضًا العلم يجر إلى التقوى، والتقوى تجر إلى العلم والمعرفة. لهذا يرفع الله عز وجل ويكرم أهل العلم وأهل التقوى. وأهل العلم هم الذين اتقوا الله، الذين عندهم حقيقة العلم. عندهم حقيقة العلم: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾، فالعلم هو الخشية، والخشية هي العلم. قال: ومنها أنه كما أنه من العلم النافع تعليم الأمور الدينية المتعلقة بالعبادات، فمنه أيضًا تعليم الأمور الدنيوية المتعلقة بالمعاملات؛ فإن الله تعالى حفظ على العباد أمور دينهم ودنياهم. فليس الدين متعلقًا بأمور العبادات فقط كما يزعمه العلمانيون، ويريدون أن يقرروا هذا في الناس، وأن الدين فقط في العبادة وليس له في الحكم، ولا في الأمور الاجتماعية، ولا كذا. وإنما هذه الأشياء يحدثها الناس من عند أنفسهم. وهذا إنما أتوا به أعداء الله عز وجل؛ لأنهم عجزوا أن يضعوا بين الناس سياسات وأمورًا اجتماعية واقتصادية تحكم الناس، وكذلك ترشدهم إلى الحقائق مثل ما فعل الإسلام. لهذا خربوا على أهل الإسلام، وكذلك شوشوا على ضعاف الأنفس وضعاف الدين، شوشوا عليهم أمور دينهم. حتى أنك تجد أن المسلم يعتقد أن الدين لا دخل له في الحكم، أي في الحكم بين الناس. بل أيضًا كذلك حتى كثير ممن يعيش في البادية وغيره، تجد أنه يعتقد أن الدين ليس فيه أحكام، وإنما فيه صلاة وصيام فقط. وإذا أراد الحكم ذهب إلى شيخ القبيلة يريد الحكم. تقول له: أو اذهب إلى أهل العلم، يقول لك: لا، أهل العلم ما يعرفون هذه الأشياء، هذه الأشياء ما يعرفها المشايخ القبائل. يظن أن حكم الشيخ هو الحكم الذي يجب أن يتبع في الأسلاف والعراف عندهم. لهذا تجد معناه تركيبًا عجيبًا عندهم، واقتناعًا عجيبًا أن هذا لا يعرفها إلا أولئك، وأما أهل العلم وكذلك المحاكم التي تحكم أيضًا بالدين، عندهم هذه الأشياء ما يعرفون. يقول لك: هؤلاء ما يعرفون ما بيننا. وأظن أن هذا ما يعرفه إلا هم. وهذا جهل عظيم. ولهذا لما ذكر العلماء ما كان عليه الناس من العراف والأسلاف، وما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أنها كفر بالله؛ لماذا؟ لأنها تغيير لحكم الله جل وعلا. لهذا لما ذكر هؤلاء قال: "إن كانوا يعتقدون أنها أفضل من حكم الله عز وجل وحكم رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فهم كفار، وإلا كانوا جهالًا". قال: "فهم كفار وإلا كانوا جهالًا". أي: إذا كان عن جهل، مثل هذا الجهل المطبق الآن في كثير من أهل العراف والأسلاف، فهذا يعتبر جهلًا. من استطاع أن نكفرهم لجهله؟ فمن علم أن هناك أحكامًا لله عز وجل ولرسوله، وهو يدين بدين الإسلام، ثم يقول: "ها أنا ما أقبل هذا"، فهذا لا شك في كفره. ويعتقد أن حكم القبائل أو حكم مشايخ القبائل أفضل من حكم الله وحكم رسوله صلى الله عليه وآله وسلم. لكن إن كان جاهلًا لا يعرف هذا، معناه من دون عومة أظفاره قام وهو لا يعلم أن الأحكام إلا عند هؤلاء، فهذا معذور. قالوا: منها أنه كما أنه من العلم النافع تعليم الأمور الدينية المتعلقة بالعبادات، فمنه أيضًا تعليم الأمور الدنيوية المتعلقة بالمعاملات، سواء كان معاملات البيع والشراء أو المداينات أو غيرها من هذه الأمور. قال: فإن الله تعالى حفظ على العباد أمور دينهم ودنياهم، وكتابه العظيم فيه تبيان لكل شيء. وإنما ذلك لأجل أن الله عز وجل أعرف بمصالح الناس من أنفسهم. والله، أو كما قال الله عز وجل أنه سبحانه وتعالى يعلم مصالح العباد، ويعلم أيضًا كذلك ما تأول إليه هذه الأمور. لهذا كما قال جل وعلا: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾، وهو يعلم من خلق، ويعلم أيضًا مصالحهم. لهذا رتب ربنا جل وعلا مصالح العباد في دينهم وفي دنياهم، وأيضًا ذكر الأحكام والمعاملات. فهذه آية الدين، آية عظيمة، رتب الله عز وجل فيها كيف تكون المعاملة في الديون، كيف تكون المعاملة في الديون. آية كبيرة من أكبر آيات القرآن، بين الله عز وجل فيها هذه الأحكام العظيمة. وقد شرع، وقد استنبط المؤلف رحمه الله هذه الأحكام التي يذكرها في هذه الفوائد. قالوا: منها مشروعية الوثيقة بالحقوق، وهي الرهون والضمانات التي تكفل العبد حصول حقه، سواء عامل برًا أو عامل فاجرًا، برًا أو فاجرًا، أمينًا أو خائنًا. فكم في الوثائق من حفظ حقوق وانقطاع منازعات. فإذا كان يريد أن يحفظ ما لا يحفظه بهذه الوثائق، تكون وثيقة عنده: دين فلان يقول: "أقر على نفسي أني قد استدنت من فلان دينًا كذا وكذا". وإن كان مثلًا أخذ بالأمانة يعرفه وأنه أمين، فهذا لا بأس. وقد ذكر النبي عليه الصلاة والسلام، بل الله عز وجل يقول: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾. وقال أيضًا: قال النبي عليه الصلاة والسلام في ذاك الرجل الذي أخذ دينًا عند رجل آخر: "كان فيمن كان قبلكم رجل من بني إسرائيل، استدان من رجل من بني إسرائيل...". رجل من بني إسرائيل، رجل أخذ دينًا من بني إسرائيل، فقال له: "اجعل بيننا شهيدًا". قال: "الله شهيد بيننا". قال: "فاجعل بيننا كفيلًا". قال: "الله كفيل". قال: "الله عز وجل شهيد على ما نقول". فرضي هذا الرجل بشهادة الله، وأيضًا بكفالة الله جل وعلا. فذهب إلى بلاده، أي ذلك المدين الذي أخذ الأموال، وذهب إلى بلاده. فلما حل الأجل، أراد أن يرسل هذا المال إلى صاحبه الذي أخذ منه الدين، فبحث عن سفينة فلم يجد. فأخذ خشبة فنقرها، ووضع الدراهم في هذه الخشبة، ثم أرسلها في البحر. فخرج هذا الرجل، ذاك الدائن، ينتظر هذا المدين الذي أخذ منه المال حتى يوفيه إياه. فانتظر في البحر، في ساحل البحر، فانتظر يريد سفينة تأتي، لم تأت سفينة. قال: فوجد الخشبة، قال: أخذ هذه الخشبة حطبًا لأهلي. فأخذ هذه الخشبة، فلما فلقها دقها، خرجت هذه الدراهم. فعدها فوجدها مائة درهم، أو مائة دينار، مثل ما أعطاها لذاك الرجل. فعلم أنه منه، وأن الله عز وجل أدى دينه، وأدى ما عليه. ثم أن الرجل ذاك صاحب الدين تأسرت له سفينة، فطلع معها وجاء إلى هذا الرجل الذي أخذ منه الدين، وقال له: "خذ دينك". قال: "قد أدى الله عنك". قال: "لا، لم أبعث أحدًا يعطيك الدين". قال: "فالخشبة التي أرسلتها قد أخذتها، وأردت أن أجعلها حطبًا، فوجدت فيها هذا المال". فهذه القصة فيها عبر كثيرة، لكن شاهدنا منها أن النبي عليه الصلاة والسلام ذكر أنهم لم يجعلوا بينهم وثيقة، لم يجعلوا بينهما وثيقة، لكن ائتمن بعضهم بعضًا، ائتمن بعضهم بعضًا. وإن كان هذا شرعًا من قبلنا، لكن فيها هذه العبر. وقد جاء ما يدل على هذا في هذه الآيات: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾. ثم العفضل: إذا كان ليست هناك أمانة، أو لا يعرف هذا الشخص، فالعفضل أن يجعل بينه وثيقة. كتاب يكتبه أنه: "فلان أخذ مني كذا"، أو المدين يكتب: "أقر أني أخذت من فلان بن فلان كذا وكذا من المال، على أن أؤديه بعد سنة، أو بعد خمسة أشهر، أو بعد كذا". طيب. قال: ومنها أن تمام الوثيقة في الرهن أن يكون مقبوضًا. طيب، إن شاء الله مسائل الرهن هذه نتركها في الدرس اللاحق. فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.