التعليق على كتاب السيرة النبوية من تاريخ الإسلام للذهبي 5

التعليق على كتاب السيرة النبوية من تاريخ الإسلام للذهبي 5

الدرس في التعليق على كتاب السيرة النبوية من تاريخ الإسلام للذهبي 5، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

رعاية النبي صلى الله عليه وسلم للغنم وحكمة بعث الأنبياء رعاة

يبيّن المحور أن يتم النبي صلى الله عليه وسلم لم يمنعه من الكمال بل ربّاه الله بأحسن تربية، وأن رعايته للغنم على قراريط كانت إعداداً إلهياً لصبر الأنبياء على مشاق الدعوة ورعاية الأمم. كما يستعرض أحاديث رعي الغنم المتفق عليها ويناقش سند حديث سفره مع عمه أبي طالب مبيناً ضعف راويه.

نقد رواية لقاء النبي ﷺ بالرهبان بحيرة في رحلة الشام

يناقش المحور رواية خروج النبي ﷺ مع عمه أبي طالب إلى الشام ولقائهما بالرهبان بحيرة، مبيناً علل الحديث من حيث ضعف راويه قراد وتناقضات متنه كوجود أبي بكر وبلال صغاراً. وينفي أن يكون النبي ﷺ عرف نبوته قبل الوحي استناداً إلى سيرته عند نزول الوحي.

رحلة النبي صلى الله عليه وسلم إلى الشام ولقاؤه بالرهبان بحيرة

يسرد المحور تفاصيل سفر النبي صلى الله عليه وسلم في صغره إلى الشام مع عمه أبي طالب، ولقائهما بالرهبان بحيرة الذي تعرف على علامات النبوة فيه وحذر أبا طالب من اليهود فعاد به إلى مكة. ويذكر اتفاق الروايات على صحة الرحلة وقصة بحيرة وتصحيح جمع من العلماء كالشيخ الألباني لها.

موقع بحيرة صومعة الراهب في بصرى الشام وختام الدرس

يحدد المحور موقع بحيرة صومعة الراهب في بصرى التابعة لبلاد الشام مشيراً إلى أنها ليست على الطريق المعتاد. ويختتم المتحدث الكلام بهذا القدر مكتفياً بما ذُكر في هذا السياق.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد، قال علامة الذهب رحمه الله: قالوا: قد رعى الغنم. وبعدما ذكر يُتمى النبي عليه الصلاة والسلام، وهذا يدلنا على أن الله عز وجل له الحكمة البالغة، فجعل نبيه عليه الصلاة والسلام يتيماً، وهذا يدل على أدلة كثيرة أو له فوائد كثيرة، وهو أن الإنسان متى ما اتجه إلى الله عز وجل فلا يؤثر فيه التربية، سواء كان رباه أبوه أو أمه أو كلاهما أو غيرهما. أهم شيء أن الرجل يسلك مسلكاً صحيحاً، فوفق الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وآله وسلم إلى الخير مع أنه ولد يتيماً. وأيضاً فيه أن اليتم ليس مذمة وليس عاراً، فهذا شيء كتبه الله عز وجل على بعض أبناء آدم. وأيضاً كذلك مما هو مشهور عند الناس أن اليتم ينقصه الرحمة، ينقصه الشفقة، فلهذا يكون غالباً قاسياً في معاملاته وفي تصرفاته. لكن هذا الذي حصل للنبي صلى الله عليه وسلم غير ذلك، وكان النبي صلى الله عليه وسلم من أرحم الناس، صلوات الله وسلامه عليه، حتى قال الله عز وجل: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ﴾ [الأنبياء: 107]. وكذلك كان حيياً عليه الصلاة والسلام، وله أخلاق عظيمة، حتى زكاه الله عز وجل فقال: ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾ [القلم: 4]، صلوات الله وسلامه عليه. فلهذا فليس العبرة بالتربية أو كذا أو بوجود الأبوين، فالعبرة بنشأة هذا الطفل أو هذا الولد. وأيضاً إذا نشأ وكبر فإنه يتوجه إلى الطاعة وإلى الخير، وهذا كما قلنا يحصل، وإن كان غالباً اليتيم لا يجد من يرعاه، لكن النبي عليه الصلاة والسلام يسر الله له من يرعاه. نبينا عليه الصلاة والسلام مات أبوه، ثم ماتت أمه، فرعاه جده عبد المطلب، ثم مات، فرعاه عمه أبو طالب. فهكذا كان هؤلاء، جعلهم الله عز وجل وسخرهم لرعايته. عنهم غفار أن ماتوا على الشرك، مات أبو طالب والنبي عليه الصلاة والسلام قد بُعث، وكان يقول له: يا عم، قل كلمة أحاج لك بها عند الله، حتى مات وهو مشرك. قال: وقد رعى الغنم. أي: النبي عليه الصلاة والسلام. قال: فرعى عمر بن يحيى بن سعيد عن جده عن سعيد الأموي، وهو من بني أمية قريش، وله عدة أحاديث، وهو ثقة. وروى له البخاري حديثين فقط. وسعيد هذا يقال له: ابن أبي أحيحة. قال: عن ويكن عمر بن يحيى بن سعيد بأبي أمية، بأبي أمية القرشي، وجده أبو أحيحة. قال: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «ما من نبي إلا وقد رعى الغنم». فقالوا: وأنت يا رسول الله؟ قال: «نعم، كنت أرعاه على قراريط لأهل بكة». رواه البخاري. فهذا الحديث أخرجه البخاري كما ذكر المؤلف، وفيه رعاية النبي عليه الصلاة والسلام للغنم. فقد رعى النبي صلى الله عليه وسلم بقراريط، والقراريط: مال يسير كان يدفع له لأجل هذه الرعاية. وقال أبو سلمة عن جابر: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بمر الظهران، وأنا مضيقاي. قال: لها مر الظهران. قال: نجتني الكباث. الكباث: هو ثمر الأراك، ثمر الأراك يسمى كباثاً. فقال: «عليكم بالأسود منه فإنه أطيب». عن الكباث: هذا يأتي مثل العنب، بل هو صغير، وفيه أحمر، وفيه أسود. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «عليكم بالأسود منه فإنه أطيب». وهذا يطلع في شجر الأراك. قالوا: قلنا: وكنت ترعى الغنم يا رسول الله؟ قال: «نعم، وهل من نبي إلا قد رعاها؟» متفق عليه. ورعي النبي عليه الصلاة والسلام، بل الأنبياء جميعاً، أخذ العلماء منه، كما ذكر السهيلي وغيره، أن هذا يدل على أن رعي الغنم من أصعب الرعي. قالوا: إن الغنم رعاتها أصعب من رعي الإبل والبقر، لأن الغنم دائماً تتفرق وتذهب هنا وهناك، بخلاف الإبل والبقر. فلذا كان أصعب في رعيها. فقالوا: هذا يدل على أن من رعى الغنم فإنه عنده صبر عظيم، وما دام أنه استطاع أن يرعى الغنم فإنه سيرعى ما هو أسهل من ذلك. ومن ذلك أيضاً الناس، فرعيهم الغنم يجعلهم من أصبر الناس. فلذا يحتاج أيضاً الناس إلى رعاية، الناس يحتاجون إلى رعاية. فلذا الأنبياء جعل الله عز وجل عندهم الصبر العظيم، جعل لهم صبراً يصبرون على الأذى، يصبرون على الكلام، يصبرون على بل، بعضهم يصبر حتى على الاعتداء، كما كان النبي عليه الصلاة والسلام. بل أنبياء بني إسرائيل كان يعتدى على أحدهم، فكان عيسى قد اعتُدي عليه، وكذلك يحيى بن زكريا حتى ذُبح عليه الصلاة والسلام، ذبحه اليهود. وكما قال الله عز وجل: ﴿ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ ﴾ [البقرة: 87]، فكان بعضهم يقتل هؤلاء الأنبياء. وهذا من أشد الأذية. فلذا فرعاية الغنم هي تهيئة لرعاية الأمة. قال: سفره مع عمه. إن صح. وهنا قوله: «إن صح» يدل على أنه تشكك في هذا السفر. قال: قراد أبو نوح. قراد هو عبد الرحمن بن غزوان أبو نوح، وهو من مشايخ الإمام أحمد رحمه الله، وهو ثقة إلا أن فيه شيئاً من اللين، أنا له منكرات أتى بها، أي لم يتابعه عليه أحد، وهذا منها. لكن هذا قد توبع في أصله كما سيأتي. قال: حدثنا يونس بن أبي إسحاق، وهو السبيعي. ويونس أيضاً صدوق لكنه كثير الأوهام، عنده أوهام. ولهذا قال الحافظ: صدوق يهم. وهذا غالباً يكون في المشيخة، في الشواهد والمتابعات، أما ما تفرد به فلا يعتبر. قال: عن أبي بكر بن أبي موسى الأشعري، وهو ثقة من أبناء الصحابة، عن أبيه. قال: خرج أبو طالب إلى الشام، ومعه محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأشياخ من قريش. فلما أشرف على الراهب بحيرة، أنا يقال بفتح الباء: الراهب بحيرة، نزلوا. فخرج إليهم، أنا لما أشرف على مكانه، فخرج إليهم، وكان قبل ذلك لا يخرج إليهم. فجعل يتخلل لهم، وهم يحلون رحالهم، حتى جاء فأخذ بيده صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقال: هذا سيد العالمين، هذا رسول رب العالمين. وسيأتي أن المؤلف ينكر مثل هذا الشيء. قال: هذا يبعث الله رحمة للعالمين. فقال أشياخ قريش: وما علمك بهذا؟ قال: إنكم حين أشرفتم من العقبة لم يبقَ شجر ولا حجر إلا خر ساجداً. أنه كيف رآها الراهب ولم يرها من كان مع النبي عليه الصلاة والسلام؟ قالوا: لا يسجدون إلا لنبي. وعرفه بخاتم النبوة أسفل غضروفه في كتفه مثل التفاحة. وهذا مشهور، قد جاء في أحاديث كثيرة أن خاتم النبوة لحمة فيها شيء من الشعر أسفل الغضروف، ومعنى الغضروف: الكتف. قال: ثم رجع فصنع لهم طعاماً. فلما أتاهم به، وكان صلى الله عليه وعلى آله وسلم في رعيه الإبل، قال: فأرسل إليه، فأقبل، وعليه غمامة تظله. فلما دنى من القوم وجدهم قد سبقوه، يعني: إلى الفيء، في شجرة. فلما جلس مال فيه الشجر عليه. فقال: انظروا إلى فيء الشجر مال عليه. قال: فبينا هو قائم عليه يناشدهم ألا يذهب به إلى الروم، فإن الروم لو رأوه وعرفوه بصفته لقتلوه. قال: فالتفت فإذا بسبعة نفر قد أقبلوا من الروم. فاستقبلهم الراهب فقال: ما جاء بكم؟ قالوا: جئنا، إن هذا النبي خارج في هذا الشهر، فلم يبقَ طريق إلا قد بعث إليه الناس. أنا يقول هنا: في هذا الشهر، مع أن هذه الحادثة ذكرها في سفره مع عمه، ذكر أصحاب السير كابن إسحاق وغيره أنه إنما خرج في الثانية عشرة من عمره، وهو صغير، وهؤلاء يقولون: إنه في هذا الشهر. قال: وإنا قد أخبرنا، فبعثنا إلى طريقك هذا. فقال لهم: هل خلفتم خلفكم أحداً هو خير منكم؟ قالوا: لا، إنما أخبرنا خبره بطريقك هذا. قال: فرأيتم أمراً أراد الله أن يقضيه، هل يستطيع أحد من الناس رده؟ قالوا: لا. قال: فتابعوه وأقيموا معه. قال: فأتاهم فقال: أنشدكم الله، أيكم وليه؟ أنا يقول لقريش. قال أبو طالب: أنا. فلم يزل يناشده حتى رده أبو طالب. وبعث معه أبو بكر وبلالاً، وزوده الراهب من الكعك والزيت. أنا أبو بكر كما سيذكر أن أبا بكر كان صغيراً، دام النبي عليه الصلاة والسلام كان سنه اثنتي عشرة، فأبو بكر سيكون تسع سنوات، تسع سنوات وعشر. وكذلك بلال لم يكن موجوداً في ذلك الوقت. قال: تفرد به قراد، أو قد يكون موجوداً لكنه صغيراً. قال: تفرد به قراد، واسمه عبد الرحمن بن غزوان، ثقة، احتج به البخاري والنساء، ورواه الناس عن قراد، وحسنه الترمذي. أنا حسن الحديث، لكن الحديث كما سيذكر المعلق فيه نكارة شديدة، قال: وهو حديث منكر جداً. وأين كان أبو بكر كان ابن عشر سنين، فإنه أصغر من رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بسنتين ونسب؟ وأين كان بلال في هذا الوقت؟ فإن أبا بكر لم يشتره إلا بعد المبعث، ولم يكن ولد بعد. وأيضاً فإذا كان عليه غمامة تظله، كيف يتصور أن يميل فيء الشجر عليه، والدام أنه عنده غمامة تظله، لا يحتاج إلى فيء الشجرة التي نزل تحتها؟ قال: لم يرَ النبي عليه الصلاة والسلام ذكر بأبي طالب قط قول الراهب، أو ذكره. أن لو كان هذا صحيحاً لذكره بقول الراهب هذا، ولا تذاكرته قريش، ولا حكته أولئك الأشياء مع توفر هممهم ودواعيهم على حكاية مثل ذلك. أن لو كان هذا حصل لانتشر. وأيضاً لو عرف النبي صلى الله عليه وسلم أنه له شأن وأنه نبي، قال: فلو وقع لاشتهر بينهم أيما اشتهار، ولبقى عنده صلى الله عليه وعلى آله وسلم حس من النبوة. أن النبي صلى الله عليه وسلم لما جاءته النبوة لم يكن يعرف أنه نبي، ولهذا تفاجأ بالملك. قالوا: لما أنكر مجيء الوحي إليه، ولما أنكر مجيء الوحي إليه أولاً بغار حراء، وأتى خديجة خائفاً على عقله، ولما ذهب إلى شواهق الجبال ليرمي نفسه، هذا جاء في قصة الزهري لما حكاها في قصة بدء الوحي في حديث عائشة. الزهري عن عروة عن عائشة. لكن هذه الفقرة ذكرها الزهري مرسلاً، أن النبي عليه الصلاة والسلام لما فتر الوحي عنه كان يذهب إلى الجبال ليرمي نفسه، فيناديه جبريل. لكن هذا ليس صحيحاً أبداً، والنبي عليه الصلاة والسلام كان من أصبر الناس، وقد صبرته خديجة. وما دام أنه قد عرف أنه نبي، فكيف يلقي بنفسه من فوق شاهق؟ قال: وأيضاً فلو أثر هذا الخوف في أبي طالب ورده، كيف كان يطيب نفسه أن يمكنه من السفر إلى الشام تاجراً لخديجة؟ قالوا: في الحديث ألفاظ منكرة تشبه ألفاظ الطرقية. مع أن ابن إسحاق قد روى معناه في مغازيه، دون قوله: وبعث معه أبو بكر وبلالاً إلى آخره. فقال: قال حدثنا الوليد بن مسلم، وهو أبو العباس الدمشقي. قال: أخبرنا أبو داود سليمان بن موسى، وهو أيضاً الدمشقي الأشدق، سُمّي الأشدق، وهو ثقة أيضاً. فذكره بمعناه. وهذا الظاهر أنه معضل. لكن قصة رحلته إلى الشام الظاهر أنها صحيحة، فقد ذكرها غير واحد. لكن هذه الأحداث التي حصلت، وبروز بحيرة وكذا، فهذا فيه شيء. وأيضاً قصة بحيرة قد جاءت من عدة أوجه، وصححها بعض العلماء، كالشيخ الألباني في فقه السيرة. وقال ابن إسحاق في السيرة: إن أبا طالب خرج إلى الشام تاجراً في ركب، ومعه النبي عليه الصلاة والسلام وهو غلام. فلما نزلوا بصرى، وبها بحيرة الراهب في صومعته، وكان أعلم أهل النصرانية. هذا كلام ابن إسحاق في السيرة، ولم يسنده. قالوا: لم يزل في تلك الصومعة قط راهب يصير إليه علمهم عن كتاب فيهم فيما يزعمون، يتوارثونه كابرا عن كابر. عن هذه الصومعة كان كلما مات واحد منهم جاء وحل مكانه رجل آخر من أعلم النصارى. وكان هذا في بصرى، وبصرى هي منطقة من مناطق الشام، من مناطق الشام معنا في قرب فلسطين. قالوا: لم يزل في تلك الصومعة قط راهب يصير إليه علمهم عن كتاب فيهم فيما يزعمون، يتوارثونه كابرا عن كابر. قال: فنزلوا قريباً من الصومعة، فصنع بحير طعاماً، وذلك فيما يزعمون عن شيء رأوه حين أقبلوا، وغمامة تظله من بين القوم، فنزل بظل شجرة. فنزل بحير من صومعته، وقد أمر بذلك الطعام فصنع، ثم أرسل إليهم، فجاءوه. فقال رجل منهم: يا بحير، ما كنت تصنع هذا، فما شأنه؟ كانوا يمرون عليه ولا يفعل هذا. قال: نعم، ولكنكم ضيف، وأحببت أن أكرمكم، فاجتمعوا. أنا لم يذكر لهم أن هذا رسول. قال: وتخلف رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لصغره في رحالهم. فلما نظر بحير فيهم ولم يره، قال: يا معشر قريش، لا يتخلف عن طعام هذا أحد. قالوا: ما تخلف أحد إلا غلام هو أحدث القوم سناً. قال: فلا تفعلوا، ادعوه. فقال الرجل: واللات والعزة، إن هذا اللؤم بنا. أنا هناك وراء شيء يتخلف ابن عبد الله، أو قال: إن هذا اللؤم بنا أنا في تخلف النبي عليه الصلاة والسلام، يتخلف ابن عبد الله بن عبد المطلب عن الطعام بيننا. ثم قام أحفظنا، وأقبل به. فلما رآه بحير جعل يلحظ لحظاً شديداً، وينظر إلى أشياء من جسده قد كان يجدها عنده من صفته. حتى إذا شبع وتفرق، قام بحير، فقال: يا غلام، أسألك باللات والعزة ألا أخبرتني عما أسألك عنه. فزعم أنه قال له، أي: النبي عليه الصلاة والسلام: لا تسألني باللات والعزة، فوالله ما أبغض إلي شيء قط، معنا: ما أبغض شيء مثل ما أبغضهما. فقال له: فبالله إلا ما أخبرتني عما أسألك عنه. فجعل يسأله عن أشياء من حاله، فتوافق ما عنده من الصفة. ثم نظر في أثر خاتم النبوة. فأقبل على أبي طالب فقال: ما هو منك؟ قال: ابني. قال: ما ينبغي أن يكون أبوه حياً. فإنه قال: فإنه ابن أخي. قال: ارجع به، وأحذر عليه اليهود، فوالله لئن رأوه وعرفوا منه ما عرفته ليبغنه شراً، فإنه كائن لابن أخي شأن. فخرج به أبو طالب سريعاً حتى أقدمه مكة، حين فرغ من تجارته. وهذا يوافق ما كلامه صحيح، ليس فيه مغالاة في الكلام وأشياء منكرة. وكما قلنا: أن حادثة، أو أن سفر النبي صلى الله عليه وسلم إلى الشام صحيح، وخبر بحيرة أيضاً صحيح، جاء من عدة طرق. وقال معتمر بن سليمان: قال: حدثني أبي عن أبي مجلز، أن أبا طالب سافر إلى الشام، ومعه محمد، فنزل منزلاً، فأتاه راهب، فقال: فيكم رجل صالح. ثم قال: أين أبو هذا الغلام؟ قال أبو طالب: ها أنا ذا وليه. قال: احتفظ به، ولا تذهب به إلى الشام، إن اليهود قوم حسد، حسد، وإني أخشاهم عليه. فرده. وقال ابن سعد: أخبرنا محمد بن عمر، وهو الواقدي، وهو ممن يعتمده بعض أهل العلم في السيرة، لكن إذا تفرد كما ذكرنا لا يعتمد، وأما في الحديث فهو متروك. قال: حدثني عبد الله بن جعفر وجماعة، داود بن حسين، أن أبا طالب خرج تاجراً إلى الشام، ومعه محمد، فنزلوا ببحيرا. وهذا يدل على أن خبر خروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى الشام مع عمه صحيح. وروى يونس عن ابن شهاب حديثاً طويلاً فيه: فلما ناهز الاحتلام ارتحل به أبو طالب تاجراً، فنزل تيماء، فرآه حبر من يهود تيماء. أنا هنا الزهري ذكر أنه حبر من يهود، وفي الروايات التي تقدمت أنه من النصارى. قال: فقال لأبي طالب: ما هذا الغلام؟ قال: هو ابن أخي. قال: فوالله إن قدمت به الشام لا تصل به إلى أهلك أبداً، ليقتلنه اليهود، إنه عدوهم. فرجع به أبو طالب من تيماء إلى مكة. قال ابن إسحاق: كان رسول الله فيما ذكر لي يحدث عما كان الله تعالى يحفظه به في صغره. طيب. فهنا خلاصة ما يذكر بهذا الباب: أن النبي صلى الله عليه وسلم سافر إلى الشام مع عمه، وقد بلغ الشام، ثم رجع، ولم يحصل له شيء في ذلك. وقصة بحيرة أيضاً صحيحة، والظاهر أنها بعد الرجوع من الشام، وقيل: أنها قبل الرجوع. وبحيرة صومعته كانت في الشام، ليست في الطريق، وإنما كانت ببصرى، وهي من بلاد الشام. فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.