التعليق على كتاب السيرة النبوية من تاريخ الإسلام للذهبي 9

التعليق على كتاب السيرة النبوية من تاريخ الإسلام للذهبي 9

الدرس في التعليق على كتاب السيرة النبوية من تاريخ الإسلام للذهبي 9، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

بناء الكعبة قبل قريش ومشاركة النبي صلى الله عليه وسلم

كانت الكعبة قبل بناء قريش رضمًا يابسًا بلا سقف، واستُخدمت أخشاب سفينة رومية منكسرة في بنائها، وشارك النبي صلى الله عليه وسلم في نقل الحجارة حيث سُترت عورته، وتذكر الروايات تعاقب الأمم على بنائها حتى انتهت إلى قريش.

إخراج خزاعة لجرهم وعبادة إساف ونائلة

أخرجت قبيلة خزاعة جرهم من البيت الحرام بسبب فسادهم، ومن مظاهر ذلك زنى إساف ونائلة في الكعبة فمسخا حجرين، فعبدتهما قريش لاحقًا لجهلهم وضلالهم في الجاهلية.

إعادة بناء قريش للكعبة وحكم النبي في الركن

احترق ستار الكعبة فهدمتها قريش وأعادوا بناءها، فلما بلغوا الركن اختصموا فيه فاحتكموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن خمس وثلاثين سنة، فأمر بوضعه في ثوب وحمله الزعماء ثم وضعه بيده، فسموه الأمين لصدقه قبل الوحي.

تاريخ الحجر وابن الزبير ورواية الزهري في حرق الكعبة

لم تبنِ قريش الكعبة على قواعد إبراهيم لنقص المؤنة فبقي الحجر جزءًا منها، وتمنى النبي هدمها وبنائها على أسس إبراهيم فحقق ذلك ابن الزبير ثم نقضه عبد الملك، ومنع الإمام مالك الوليد من هدمها مجددًا، كما نوقشت رواية الزهري المرسلة عن حرق الكعبة في الجاهلية وبيّن ضعفها.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. بعد: قال العلامة الذهبي رحمه الله: حديث الحمس، ففيما ذكر المؤلف رحمه الله بناء الكعبة، وأن كل قبيلة أخذت بناحية من الثوب، ورفعوا الحجر، ووضعه النبي صلى الله عليه وسلم بيده. وأيضًا من الأمور المهمة في هذا: أن قريشًا لم تبنِ البيت على قواعد إبراهيم، وإنما نقصت بهم المؤنة؛ لأنهم اجتمعوا على أن لا يضعوا في الكعبة إلا مالًا حلالًا، فنقصت بهم المؤنة، فتركوا بعض البيت وبنوا بعضًا. وهذا الذي يسمى الآن الحجر، هذا الحجر من البيت، تركته قريش لأجل أن المؤنة نقصت بهم. ولهذا كان النبي عليه الصلاة والسلام يقول لعائشة: «لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية، لهدمت الكعبة وبنيتها على أسس إبراهيم، وجعلت لها بابين، بابًا يدخل منه الناس، وبابًا يخرج منه الناس». وفعلًا أن عبد الله بن الزبير لما سمع هذا الحديث من عائشة رضي الله عنها فعل مثل ما تمناه النبي عليه الصلاة والسلام. لكن لما مسك زمام الأمور عبد الملك بن مروان، نقض البيت وبناه على ما كان في عهد النبي عليه الصلاة والسلام، ثم ندم بعد أن أخبره عروة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال هذا، قال: «لو أخبرتني قبل أن أفعل لما فعلت». ثم بعد ذلك في عهد الوليد أراد أيضًا أن ينقض البيت ويجعله على ما تمنى النبي عليه الصلاة والسلام، لكن الإمام مالك منعه من ذلك، قال: «حتى لا يكون البيت عرضة للملوك»، يعني من جاء كسره وهدمه. فبقي البيت على ذلك النقص، يعني على أنه ترك بعضه لم يُبنَ، وهذا الحجر منه. ولهذا إذا أراد إنسان أن يطوف لا يدخل مكان الحجر، لأن مكان الحجر يعتبر من الكعبة. هذا حجر الكعبة، ويسميه الناس حجر إسماعيل، ولا علاقة له بإسماعيل عليه السلام، وإنما هو حجر الكعبة؛ أي لأنه من الكعبة. قال رحمه الله: وقال ابن وهب عن يونس عن الزهري: قال: لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم الحلم، اجتمعت امرأة للكعبة، فصارت شرارة من مجمرتها في ثياب الكعبة، فاحترقت، فهدموها. حتى إذا بنوها فبلغوا موضع الركن. وهذا أيضًا رواية ذكرها الزهري رحمه الله معضلة أو مرسلة لا تصح؛ لأن الزهري يعتبر تابعيًا، لكن مراسيله كما قال يحيى بن سعيد وغيره من أضعف المراسيل. وهذه الرواية ذكرها مرسلة لم يسندها رحمه الله. فذكر أن امرأة جمرت الكعبة، جمرتها أي دخنتها، أتت مدخنة فجمرتها، فطارت شرارة من مجمرتها في ثياب الكعبة، في ستار الكعبة، فاحترق. قال: فهدموها، أي. وهذا كما ذكرنا أن هناك أسبابًا ذكرها بعض أهل السير وأهل التاريخ أنه لماذا بنت قريش الكعبة، فذكروا من هذا كما ذكرنا أنه لما جاء السيل تحطم بعض جدران الكعبة، وذكر أيضًا هنا قبل ذلك أنهم رأوا أن الكعبة تتخرب جدرانها. وهذا أيضًا سبب هنا: على أنها امرأة جمرت الكعبة، فطارت شرارة في ثياب الكعبة فاحترقت. قال: فهدموها، حتى إذا بنوها فبلغوا موضع الركن، اختصمت قريش في الركن: أي القبائل تضعه؟ قالوا: تعالوا نحكم أول من يطلع علينا. وهذه أيضًا الرواية قد ذكرها ابن إسحاق كما تقدم، فطلع عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. في رواية ابن إسحاق أنهم حكموا الوليد بن المغيرة في الحكم، فقال: تحتكمون إلى أول داخل من باب الكعبة. فدخل النبي عليه الصلاة والسلام وهو غلام عليه وشاح نمرة، فحكموه. فأمر بالركن فوضع في ثوب، ثم أخذ سيد كل قبيلة بناحية من الثوب. وهنا يذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يزال شابًا ولا يزال غلامًا، لكن في رواية ابن إسحاق أنه قد بلغ خمسًا وثلاثين سنة. قال: فحكموه، فأمر بالركن فوضع في ثوب، ثم أخذ سيد كل قبيلة بناحية من الثوب، ثم ارتقى، فرفعوا إليه الركن، فكان هو يضعه. ثم طفق لا يزداد على السن إلا رضا، حتى دعوه الأمين. لا يزداد على السن معناه: كلما كبر كلما كان الناس يثقون فيه ويصفونه بالأمانة. قال: ثم طفق لا يزداد على السن إلا رضا حتى دعوه الأمين، قبل أن ينزل عليه الوحي. فطفقوا لا ينحرون جزورًا إلا التمسوا فيه فيدعو لهم فيها. وهذا ذكره كما ذكر هنا، ذكر ذلك في السير في المعرفة والتاريخ، وذكرها أيضًا ابن كثير في البداية والنهاية. وكما ذكر هنا أيضًا عن ابن وهب عن يونس عن الزهري: قالوا يروى عن عروة ومجاهد وغيرهما أن البيت بُني قبل المبعث بخمس عشرة سنة، معناه النبي صلى الله عليه وسلم سنه خمس وعشرون. وقال داود بن عبد الرحمن العطار: حدثنا ابن ختيم عن أبي الطفيل، قال: قلت له: يا خال، حدثني عن شأن الكعبة قبل أن تبنيها قريش. قال: كان برضم يابس، ليس بمدر، تتزوى فيه العناق. معناه: تتزوى فيه العناق، أي ولد الماعز تصعد فيه. والرضم كما قلنا: شيء مكوم هكذا ويابس. وتوضع الكسوة على الجدر، ثم تدلى، ثم معناه ليس فيها سقف. وهذا أيضًا يعيد ما ذكره ابن إسحاق. وأبو الطفيل يعتبر صحابيًا صغيرًا، وابن ختيم هو عبد الله بن عثمان بن ختيم، وهو بصري. قال: قلت له: يا خال، حدثني عن شأن الكعبة قبل أن تبنيها قريش. قال: كان برضم يابس، ليس بمدر، تتزوى فيه العناق. والرضم كما ذكرنا معناه: حجارة مرصوصة، حجارة مرصوصة، وقد تقدم ذلك في كلام ابن إسحاق، فليس بينها شيء يلصقها بين اللبنة واللبنة، فيسمى رضم. وتوضع الكسوة على الجدر، وليس فيه سقف. ثم إن سفينة للروم أقبلت، حتى إذا كانت بالشعيبة انكسرت. قال: فسمعت بها قريش، فركبوا إليها وأخذوا خشبها، ورومي يقال له باقوم، نجار، فبان. فلما قدموا مكة قالوا: لو بنينا بيت ربنا عز وجل. واجتمعوا لذلك، ونقلوا الحجارة من أجياد الضواحي. فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ينقل، إذ انكشفت نمرته، فبدت عورته، فنودي: يا محمد، عورتك. فذلك أول ما نودي، والله أعلم، فما رؤيت له عورة بعد. وهذا أيضًا ذكرها ابن سعد، وأيضًا الأزرقي في أخبار مكة، وقد جاء أيضًا ما يؤيدها كما تقدم معنا، وأن النبي عليه الصلاة والسلام ذكره أيضًا عروة بن الزبير: أن النبي عليه الصلاة والسلام لما كان يبنون الكعبة، قال له أحد عمامه: لماذا لا تضع يا بني ثوبك على عاتقك؟ فلما وضعه خر مغشيًا عليه. وقال أبو داود: وصلنا عن سماك بن حرب: إن إبراهيم بنى البيت، وذكر الحديث إلى أن قال: فمر عليه الدهر فانهدم، فبنته العمالقة. فمر عليه الدهر فانهدم، فبنته جرهم، وهم سكان الحرم في عهد نبي الله إسماعيل ومن بعده، حتى أخرجتهم خزاعة لما أفسدوا في الحرم. قال: فمر عليه الدهر فانهدم، فبنته قريش. وذكر في الحديث وضع النبي عليه الصلاة والسلام الحجر الأسود مكانه. وقال يونس عن ابن إسحاق: قال: حدثني عبد الله بن أبي بكر بن حزم عن عمرة عن عائشة، وهذا إسناد صحيح، وقال: إسناد حسن؛ لأن محمد بن إسحاق حديثه حسن وهو مدلس، لكن إذا صرح فحديثه مقبول، وهذا قد صرح هنا. قال عن عائشة: «ما زلنا نسمع أن إسافًا ونائلة رجل وامرأة من جرهم، زنيا في الكعبة، فمسخا حجرين». ومن هذا كما قلنا أن خزاعة أخرجوا جرهم من البيت في فساده، حتى إن إسافًا ونائلة زنيا في البيت، فمسخا حجرين، فعبدوها بعد ذلك، عبدتها قريش لجهلهم. طيب إن شاء الله نكتب بهذا ونكون في قصة الله ترجمة نانسي قنقر