التعليق على كتاب السيرة النبوية من تاريخ الإسلام للذهبي 8

التعليق على كتاب السيرة النبوية من تاريخ الإسلام للذهبي 8

الدرس في التعليق على كتاب السيرة النبوية من تاريخ الإسلام للذهبي 8، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

أسباب بناء قريش للكعبة ومشاركة النبي صلى الله عليه وسلم

تضررت الكعبة من السيول والحروب وتصدع بناؤها، فاتفقت قريش على هدمها وإعادة بنائها بالمال الحلال فقط عند بلوغ النبي خمساً وثلاثين سنة. كما كانت سرقة كنز الكعبة وكونها رضماً بلا ملاط من الدوافع الرئيسية للبناء.

بدء قريش بهدم الكعبة وإعادة بنائها قبل البعثة

استعانت قريش بخشب سفينة تحطمت لبناء الكعبة، وذهبت الحية التي كانت ببئرها، فبدأ الوليد بن المغيرة بالهدم حتى بلغوا أساس إبراهيم عليه السلام. بنوا الكعبة على هذا الأساس المرفوع.

وضع الحجر الأسود وحل النبي صلى الله عليه وسلم للنزاع القبلي

كادت قبائل قريش تتقاتل على شرف وضع الحجر الأسود، فاحتكوا إلى أول داخل فكان النبي صلى الله عليه وسلم، فوضعه في ثوب وأمرهم برفعه معاً ثم ثبته بيده. وعلق الشيخ على أن تعظيم الحجر لمكانه لا لذاته، وأنه اسودّ بخطايا بني آدم.

روايات بناء الكعبة وضعف أسانيدها وعدم ثبوتها

روى ابن إسحاق والواقدي وموسى بن عقبة قصة بناء الكعبة، لكن لا يوجد إسناد صحيح يثبت هذه الروايات بالتفصيل المذكور. لذا يكتفي الكاتب بما ذُكر ويترك علم التفاصيل لله تعالى.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قال العلامة الدابي رحمه الله تعالى: حديث بنيان الكعبة وحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بين قريش في وضع الحجر. قال ابن إسحاق: فلما بلغ صلى الله عليه وسلم خمساً وثلاثين سنة... هذا توقيت ابن إسحاق، على أن حرب الفجار كانت للنبي صلى الله عليه وسلم سن خمس وعشرين سنة، ثم تزوج خديجة في نفس السنة، ثم ذكر بناء الكعبة، وقد حضره النبي عليه الصلاة والسلام. وذكروا في بناء الكعبة: لماذا بنت قريش الكعبة؟ أسبابه: فمنهم من قال: إن قريشاً بنت الكعبة لما جاءت السيول وخربت بعض جوانب الكعبة، خربت الجوانب لأن السيل يمر في مكان الكعبة، فلذلك خربت بعض الجوانب، فعزموا على بنائها. وقيل: إنما حصل في بعض الحروب، بسبب الحروب التي حصلت كحرب الفجار وغيرها، فإنها استهدفت الكعبة أيضاً. وقيل: إن بناءها تصاقط. فالمهم أنهم عزموا على بناء الكعبة، لكن تواردوا على أنهم لا يبنون الكعبة إلا بمال حلال، واتفقوا على ذلك. قال ابن إسحاق: لما بلغ صلى الله عليه وآله وسلم خمساً وثلاثين سنة، اجتمعت قريش لبنيان الكعبة، وكانوا يهمون بذلك ليسقفوها، ويهابون هدمها. وإنما كانت رضماً فوق القامة، فأرادوا رفعها وتسطيفها. أن رضماً: معنى حجارة بعضها على بعض، ليست مدخولة بشيء، ليست بينها ما يمسكها، وإنما حجارة بعضها على بعض، فسميت رضماً. فأرادوا رفعها وتسطيفها. وأيضاً مما ذكره ابن هشام في زياداته على سيرة ابن إسحاق: أن الكعبة سرقت لأنها كانت مفتوحة، فسرق كنز الكعبة، ويقال: إن من سرقها رجل يقال له: دويك، مولى لبني مليح بن عمرو بن خزاعة، فقطعت قريش يده. وتزعم قريش أن الذين سرقوه وضعوه عند دويك، بمعنى: ليس هو الذي سرقه، وإنما سرقوه ناس، فلما حصل هذا أيضاً بنوا الكعبة. وهذا مما ذكر من الأسباب. وقد ذكر صاحب «سبيل الهدى والرشاد» أسباباً عدة، ذكرها الواقدي وغيره. قال: وكان البحر قد رمى بسفينة إلى جدة فتحطمت، فأخذوا خشبها وأعدوه لتسقيفها. وكان بمكة نجار رومي، فتهيأ لهم في أنفسهم بعض ما يصلحها، أن يقالوا: مدام هذه السفينة قد رست وفيها ذلك الخشب القوي، فنأخذه ونسقف به. قال: وكانت حية، وعندهم قبطي نجار سينجر هذه الأخشاب. قال: وكانت حية تخرج من بئر الكعبة التي كان يطرح فيها ما يهدى لها كل يوم. وبئر الكعبة الظاهر أنها ليست بئر زمزم، وإنما بئر يقولون: داخل الكعبة، والله أعلم. قال: فتشرف على جدار الكعبة، أي هذه الحية. قال: فكانت مما يهابون، وذلك أنه كان لا يدنو منها أحد إلا أحزألت وكشت. أحزألت: معنى رفعت ذنبها. وكشت: معنى صوتت، كأنها تنفخ فيه. قالوا: فتحت فاهى، فكانوا يهابونها. فبينا هي يوماً تشرف على جدار الكعبة، بعث الله إليها طائراً فاختطفها، فذهب بها. بمعنى: أنهم كانوا يخافون أن يبنوا الكعبة وهذه الحية موجودة، فجاء الطائر هذا فاختطفها. قال: فاستبشروا بذلك. ثم هابوا هدمها، فقال الوليد بن المغيرة - وهو والد الصحابي الجليل خالد بن الوليد، قد كان الناس يعظمونه، حتى أنه نزلت فيه، على قول ابن عباس، مجاهد: قول الله جل وعلا في أنهم أن قريشاً ومن كان معهم قالوا: لولا أنزل، أو قولهم: أنه لولا أنزل على رجل من القريتين عظيم - أنا هذا لماذا أنزل على محمد، ومحمد فتى شاب، لو كان نزل على رجل من كبراء وعظماء الناس مثل الوليد بن المغيرة، معظم عند أهل مكة وأهل الطائف. فقال الوليد بن المغيرة: أنا أبدأكم في هدمها. فأخذ المعول، وهو يقول: اللهم لا ترع، اللهم لم نرد إلا خيراً. ثم هدم من ناحية الركنين، أي اليمانيين. وهدموا حتى بلغوا أساس إبراهيم عليه السلام، فإذا حجارة خضر، آخذ بعضها ببعض. معنى الأساس: الأساس الكعب. معنى: لما هدموا رأوا هذا الأساس المبني، وهو على بناء وقواعد إبراهيم. قال: ثم بنوا. فلما بلغ البنيان موضع الركن، يعني الحجر الأسود، اختصموا فيمن يضعه، وحرصت كل قبيلة على ذلك، حتى تحاربوا، وأقاموا أربع ليالٍ، أن كل قبيلة تريد الشرف. وكانوا يحبون الشرف والجاه كثيراً، حتى أنه قد يتقاتل الشخص بسبب هذا الجاه. فلذلك كل قبيلة تريد هي التي تأخذ هذا الحجر وتضعه. قال: ثم إنهم اجتمعوا في المسجد وتناصفوا، اجتمعوا لأجل أن يصطلحوا. فزعموا أن أبا أمية بن المغيرة كان أسن قريش، قال: اجعلوا بينكم فيما تختلفون أول من يدخل من باب المسجد. ففعلوا. قالوا: أول من يدخل يصلح بينهم. قال: فكان أول من دخل عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما رأوه، قالوا: هذا الأمين، رضينا به. فلما انتهى إليهم، أخبروه الخبر. فقال: هلموا لي ثوباً. فأتوا به، فأخذ الركن بيده، فوضعه في الثوب، ثم قال: لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب. ثم رفعوه جميعاً، ففعلوا، حتى إذا بلغوا به موضعه، وضعه هو صلى الله عليه وسلم بيده. وظنّي عليه - وهذا الحجر هو معظم عند الله جل وعلا - وهذا الحجر جاء في بعض الحديث أنه خرج من الجنة، لكن لم يثبت أنه خرج من الجنة، وسودته خطايا ابن آدم. ولكن هو حجر معظم. كان النبي صلى الله عليه وسلم يقبله. وقال عمر رضي الله عنه، كما في الصحيحين: «إنما أنت حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك». فهو حجر من الأحجار. وهذا يدل عليه كلام عمر. فلو كان حجراً من الجنة لكان له شأن، لكن يدل عليه كلام عمر على أنه حجر من الأحجار، وإنما عظم بسبب موضعه وبسبب مكانه في بناء الكعبة، فعظم ذلك الحجر، أو الركن من الركنين اليمانيين: الحجر الأسود، والركن اليماني. طيب، فهذا ما ذكره ابن إسحاق في بناء الكعبة. ما ذكره ابن إسحاق في بناء الكعبة، وقد ذكر أيضاً الواقدي وموسى بن عقبة، وبعض ما ذكره ابن إسحاق، وإلا لم يأت شيء بإسناد صحيح في هذه القضية، والله أعلم. فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.