الدرس في التعليق على كتاب الداء والدواء 31، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
الإحسان هو أعلى مراتب الدين بعد الإسلام والإيمان، وينقسم إلى إحسان في عبادة الله بأن تعبد الله كأنك تراه، وإحسان في حقوق الخلق ببذل الخير وكف الأذى وطلاقة الوجه. الذنوب تُخرج العبد من دائرة الإحسان وتحرمه ثواب المحسنين، ويشمل الإحسان حتى التعامل مع الحيوان.
المعاصي تُخرج العبد من دائرة الإحسان فتفوته لذة العبادة وصحبة الأخيار، وإن زاد عصياناً خرج من الإيمان فخسر نصر الله وملائكة الاستغفار والدرجات العلى والرزق الكريم. المؤمنون يتمتعون بعزة ودفاع الله عنهم وتثبيت الملائكة ومغفرة ورزق كريم.
الإيمان يجلب معية الله ونصره، والعزة والرفعة، وكفلين من الرحمة والنور والمغفرة، ويجعل الود في القلوب ويمنح الأمن من الخوف يوم القيامة. المؤمنون هم المنعم عليهم الذين يُهدى إلى صراطهم في الصلاة، والقرآن هدى وشفاء لهم، بينما الكفر سبب لكل شر.
يسأل المتحدث الله أن يحييه على الإسلام وأن يتوفاه على الإيمان، وأن يجعل آخر كلامه شهادة أن لا إله إلا الله. يطلب الكرامة بحسن الخاتمة ورضا الله عنه.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله ربه رحمةً للعالمين بشيرًا ونذيرًا وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا. أما بعد، فلا نزال أيها الأحبة في الله مع هذه الفصول الماتعة وهذه المباحث المفيدة من كتاب "الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي" لشيخ الإسلام أبي عبد الله محمد بن أبي بكر الزرعي، المشهور والمعروف بابن قيم الجوزية، رحمه الله تعالى، وغفر لنا وله ولوالدينا أجمعين. ولا زال رحمه الله تعالى يستطرد في بيان عقوبات للذنوب والمعاصي، وأجاد وأفاد وأحسن وأبدع، فقد ذكر عددًا كثيرًا من هذه العقوبات، وهذا يدل على رسوخه وعلى كذلك أيضًا غزارة علمه، ولا سيما والحديث حول ما تعالج به القلوب، وابن القيم بيطار في ذلك، يعتبر من فرسان هذا الميدان، من فرسان هذا الميدان. وأشرنا في نهاية الدرس الماضي حول فصل جديد فيه بيان لبعض هذه العقوبات، وذلك قوله رحمه الله تعالى: قال: "فصل: ومن عقوباتها أنها تخرج العبد من دائرة الإحسان، وتمنعه ثواب المحسنين، وتمنعه ثواب المحسنين". وسبق معنا أن الإحسان مرتبة عظيمة من مراتب الدين، وأن الدين اجتمل على ثلاث مراتب، اجتمل على ثلاث مراتب، فما هي يا بسعيد؟ الإسلام والإيمان والإحسان، ما هو أعلاها؟ الإحسان. أحسنت، أعلاها الإحسان. والإحسان يا إخوان هو ضد الإساءة، مصدر أحسن يحسن إحسانًا، أي جاء بفعل حسن، أي جاء بفعل حسن. والإحسان في الصلاح العلماء يذكرون أنه على نوعين، اذكرون أنه على نوعين: النوع الأول: هو إحسان في عبادة الله عز وجل، وهذا الذي جاء ذكره والسؤال عنه في حديث جبريل المشهور، قال: "أخبرني عن الإحسان"، قال: "أن تعبد الله كأنك تراه"، هذه مرتبة المشاهدة وهي الأعلى، قال: "فإن لم تكن تراه فإنه يراك"، وهذه مرتبة المراقبة، هذه مرتبة المراقبة. فإحسان في عبادة، في عبادة الله عز وجل، وهذا من أعظم الإحسان: ﴿ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ ﴾، ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ ﴾. والنوع الثاني: إحسان في حقوق الخلق، في التعامل مع الناس، إحسان. وهذا عرفه بعضهم كما جاء عن الإمام ابن المبارك رحمه الله تعالى بأنه: "بذلوا الندى، وكفوا الأذى، وطلاقة الوجه". لاحظ كيف لخص الإحسان في التعامل مع الآخرين في هذه الكلمات الثلاث، قال: "بذلوا الندى"، والندى أي الخير، وهذا الخير قد يكون دينيًا وقد يكون دنيويًا، قد يكون دينيًا كتعليم الجاهل، إحسان جاهل فتقوم بتعليمه، تعليم الجاهل، تنبيه الغافل، بذلوا العلم وبثه في أوساط المسلمين، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، النصيحة، وهكذا غيرها من أنواع الخير الديني. أيضًا خير دنيوي كمساعدة محتاج، أيضًا إغاثة ملهوف، وهكذا آماذا غيرها من أنواع الخير الذي ممكن أن تفيد به غيرك، تحمل معه متاعه، تركبه على دراجتك، على سيارتك، هذا من الخير الذي يبذل للناس. يأتيك ملهوف في ساعة من الليل عنده مريض يريد أن يصعفه، أو عنده حالة ولادة يريد أن يصرع بها إلى المستشفى، إلى غيره. يا إخوان، صنائع المعروف كما قال عليه الصلاة والسلام: «تقي مصارع السوء، تقي مصارع السوء»، وكم هي سبب لجلب المحبة بين المسلمين، لربما تصنع معروفًا لشخص فلا ينساه لك ما حي ما عاش، يذكر لك ذلك المعروف، أنت قد تكون قد نسيته، لكن ماذا هو لم ينسَ، هو لم ينسَ. وكذلك أيضًا: كفوا الأذى، أنت كف أذاك عن الآخرين فهذا من الإحسان، إذا كان لا يصل إليهم من خيرك شيء فلا أقل من أن تمنع شرّك عنهم. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل: "أي الناس خير؟" أو "أي المسلمين أفضل؟" فقال: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده»، من سلم المسلمون من لسانه ويده. وذكر اللسان واليد ها هنا هو من باب التغليب، أغلب الأذى يقع بهذين الأمرين، وإلا فالأذى جميعًا لا يجوز، ولو كان بالرجل، ولو كان بالعين، ولو كان بغير ذلك. كفوا الأذى، وكفوا الأذى يا إخوان مطلوب حتى مع غير الإنسان، مع البهائم. امرأة أخبر عنها النبي صلى الله عليه وسلم أنها دخلت النار في هرة، في هرة، أي بسبب أذيتها لهرة، لا هي أطعمتها وسقتها، ولا هي تركتها تأكل من ماذا؟ من خشاش الأرض، دخلت النار بسبب ذلك. وفلكم البغي، بغايا بني إسرائيل، لما أحسنت إلى كلب رأته يأكل الثرى، أي التراب المبلل من شدة العطش، فتذكرت حالها قبل أن تشرب، فخلعت خفها ونزلت إلى البئر وغرفت من مائها وسقت ذلكم الكلب، فغفر الله لها، فغفر الله لها. وهكذا غيرها مما يذكر في هذا الباب، ألا وهو باب الإحسان وباب الإساءة، فالإحسان مطلوب، والإساءة والأذية محرمة. قال: "وكفوا الأذى، وطلاقة الوجه". طلاقة الوجه يا إخوان، ماذا سيكلف الواحد إذا عود نفسه أنه إذا لقي أخاه المسلم أن يلقاه بوجه طلق تعلوه الابتسام؟ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول كما في حديث أبي ذر في صحيح مسلم: «لا تحقرن من المعروف شيئًا، لا تحقرن، لا تستصغر الحسنة وتستصغر العمل والطاعة، قال: ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق». أخبر عليه الصلاة والسلام أن تبسمك في وجه أخيك صدقة، وكلكم يعلم مدى ثواب الصدقات عند الله عز وجل. يقول جرير بن عبد الله البجلي رضي الله تعالى عنه: "ما حجبني رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ أسلمت، ولا رآني إلا تبسم"، قل: "ولا رآني إلا تبسم". أرأيتم هذا الخلق العظيم الذي أثنى ربنا عز وجل به على نبينا صلى الله عليه وسلم؟ طلاقة الوجه، طلاقة الوجه. وربنا تبارك وتعالى أمر بالإحسان: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ﴾. أمر ربنا عز وجل بالإحسان ونهى عن الأذية وعن البغي. قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى عند تفسيره لهذه الآية: قال رحمه الله: "الإحسان فضيلة مستحب، وذلك كنفع الناس بالمال والبدن والعلم وغير ذلك من أنواعي النفع، وغير ذلك من أنواعي النفع، قال: حتى إنه يدخل فيه الإحسان إلى الحيوان، البهيم المأكول وغيره، المأكول وغيره"، أي وغيره المأكول، تحسن إلى هرة أو غيرها فتنال من الأجور الشيء الكثير. ولهذا جاء في حديث أبي يعلى شداد بن أوس في صحيح مسلم، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء، على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة». هو قتل يا إخوان، لكن مع القتل يجب الإحسان، لا تعذب الحيوان الذي تريد أن تقتله، وإنما عجل بقتله إذا كان قتله مباحًا أو مأمورًا به. قال: «فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، قال: وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته». إحسان مطلوب حتى مع الحيوان. ولهذا ربنا عز وجل يقول: ﴿ إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ ﴾، ﴿ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ﴾. وهكذا ربنا عز وجل يقول: ﴿ وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾، هو دفع يا إخوان، لكن يكون بماذا؟ بالتي هي أحسن. قال: ﴿ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ﴾. هذا الذي بينك وبينه عداوة، طيب الذي بينك وبينه زمالة، زميلك، بينك وبينه جوار، بينك وبينه قرابة، كيف سيكون تعاملك معه إذا كان هذا الذي بينك وبينه عداوة؟ تعامله كأنه ولي حميم. قال: ﴿ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا ﴾، شيء واحد يا إخوان يوفق لهذه الآداب وهذه الأخلاق وهذه المعاملات، ﴿ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا ﴾، ﴿ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ﴾.كذا يقول ربنا عز وجل. وكم يا إخوان تحدث المتحدث حول الإحسان الذي هو يشمل جميع جوانب هذا الدين. قال: "ومن عقوباتها"، أي الذنوب والمعاصي، "تحرم صاحبها من خير كثير"، قال: "أنها تخرج العبد من دائرة الإحسان، وتمنعه ثواب المحسنين". قال: "فإن الإحسان إذا باشر القلب منعه من المعاصي، منعه من المعاصي". قال: "فإن من عبد الله كأنه يراه لم يكن ذلك إلا لاستيلاء ذكره ومحبته وخوفه ورجائه على قلبه". قال: "بحيث يصير أي العبد كأنه يشاهده، وذلك يحول بينه وبين إرادة المعصية فضلًا عن مواقعتها". قال: "فإذا خرج العبد من دائرة الإحسان فاته صحبة رفقه الخاصة، أي رفقته الخاصة، وعيشهم الهني، ونعيمهم التام". وهذا الخير والعيش والنعيم هو ماذا؟ الذي يجده أهل الطاعة من لذة العبادة، وهكذا الراحة التي يجدها أحدهم بأنسه بالله تبارك وتعالى. قال: "فإن أراد الله به خيرا أقره في دائرة عموم المؤمنين"، إذا خرج من الإحسان سيبقى في دائرة الإيمان، وإذا خرج من دائرة الإيمان سيبقى في دائرة الإسلام، وهنا ليس بعد الإسلام إلا الخروج عن الصراط المستقيم وعن سبيل المسلمين إلى طريق المجرمين. قال: "فإن أراد الله به خيرا أقره في دائرة عموم المؤمنين، فإن عصاه بالمعاصي التي تخرجه من دائرة الإيمان كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشرب وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة ذات شرف يرفع إليها أو يرفع إليه فيها الناس أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن»". قال: "فإياكم، إياكم، والتوبة معروضة بعد". وهذا حديث أبي هريرة في الصحيحين، في الصحيحين. وقال بعض العلماء: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن"، قيل: أن الإيمان يرتفع عنه فيكون فوقه كأنه ظله، فإن أقلع رجع إليه، وليس كما يقول الخوارج الذين يكفرون بالكبائر، هذا مما يستدل به الخوارج على تكفير أصحاب الكبائر، وليس لهم دليل في ذلك. قال: "فإن خرج من دائرة الإيمان وفاته رفقة المؤمنين وحسن دفاع الله عنهم"، قال: "فإن الله يدفع عن الذين آمنوا". قال: "وفاته كل خير رتبه الله في كتابه على الإيمان"، قال: "وهو نحو مئة خصلة، كل خصلة منها خير من الدنيا وما فيها، خير من الدنيا وما فيها، وما فيها". قال: "فمنها يعني من هذه الخصال التي يكرم الله عز وجل بها أهل الإيمان، وماذا من فاته هذا الخير؟ فاته الخير كله". قال: "قال: فمنها الأجر العظيم، هذا من آثار الإيمان، وهكذا الثمار العظيمة التي يجدها المؤمنون، التي يجدها المؤمنون، ذكر ابن القيم أنها نحو مئة خصلة، وكل خصلة منها خير من الدنيا وما فيها، ولو توسع المتوسع لا وجد أكثر من ذلك". وهنا ذكر جملة منها، قال: "فمنها الأجر العظيم، قال: ﴿ وَسَوْفَ يُؤْتِي اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا ﴾، وسوف يؤتي الله المؤمنين أجرًا عظيمًا، ووصف هذا الأجر بأنه عظيم جدًا، أجرًا عظيمًا". قال: "ومنها الدفع عنهم، الدفع عنهم شرور الدنيا والآخرة، ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾، الله عز وجل هو الذي يدافع عنهم، وهكذا يحفظهم". وهكذا يحفظهم، وفي حديث أبي هريرة في صحيح البخاري، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «قال الله تعالى: من عاد لي وليًا فقد آذنته بالحرب». قال الشافعي رحمه الله تعالى: "إن لم يكن العلماء هم أولياء الله، قال: فلا أعلم لله ولي، فلا أعلم لله ولي". قال: "من عاد لي وليًا فقد آذنته بالحرب"، أي أعلمته بأني محارب له، ومن يطيق حرب الله عز وجل؟ قال: «وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، أداء الفرائض، قال: ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل»، النوافل بعد الفرائض، «حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه». قال العلماء: معنى ذلك أن الله يوفقه لعمل الخير، فلا يستعمل هذه الجوارح إلا في عمل الخير. قال: "ومنها استغفار الملائكة حملة العرش لهم، الذين يحملون العرش ومن حوله، أي من الملائكة يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا". قال: "ومنها موالاة الله لهم، ولا يذل من والاه الله، ﴿ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾، وليهم ينصرهم ويحفظهم ويرزقهم إلى غيرها مما يتضمنه معنى الولاية". قال: "يخرجهم من الظلمات إلى النور، ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ ﴾ الآيات". قال: "ومنها أمره ملائكته بتثبيتهم، أمر الله الملائكة أن يثبتوا أهل الإيمان، قال: ﴿ إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾، فثبتوا الذين آمنوا". وبالمقابل قال: ﴿ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ ﴾، الكفار يلقي في قلوبهم الرعب، والمؤمنون الله عز وجل يكرمهم بالثبات. قال: "ومنها أن لهم الدرجات العلا عند ربهم والمغفرة والرزق الكريم، والرزق الكريم". وربنا تبارك وتعالى يقول بعد أن ذكر صفات من صفات المؤمنين الخلص: ﴿ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ﴾، أولئك أي الذين سبق ذكرهم ووصفهم هم المؤمنون حقًا، ﴿ لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ﴾، مغفرة أي لذنوبهم، ورزق كريم، ورزق كريم. والجنة كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: «مئة درجة، ما بين الدرجة والأخرى كما بين السماء والأرض، كما بين السماء والأرض». قال: "ومنها العزة، ﴿ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ﴾، وهذه من ثمار الإيمان يا إخوان، المؤمن عزيز، المؤمن لا يذل، لا يذل نفسه ولا يعرضها للإهانة لأن الله أكرمه بالإيمان الذي هو من أسباب العزة، نحن قوم أعزنا الله بالإسلام، هكذا يقول عمر، قال: فإن ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله، أذلنا، أذلنا الله". إذن الإيمان سبب للعزة. قال: "ومنها معية الله لأهل الإيمان، ﴿ أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾، معهم يسمع ويرى معهم، ينصرهم ويحفظهم ويرزقهم ويؤيدهم إلى غير ذلك، وإذا كان الله معك فمن تخشى؟ إذا كان الله معك من تخاف؟ إذا كان الله معك من تحتاج؟ أرأيتم كيف أن الإيمان سبب للعزة؟ واعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك". إذن عزة وقوة وتوكل عند المؤمن. قال عليه الصلاة والسلام: «إن روح القدس، أي جبريل، نفث في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستوفى رزقها». إذن ما ستموت إلا إذا انتهى الأجل الذي حدده الله لك، لو ترمى بمئات الصواريخ وأنت لم يكتب الله لك الأجل والموت ما ستموت، ولو اجتمع من بين أقطارها. قال: "وهكذا في باب الرزق، قال: ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ وَلَا يَحْمِلَنَّكُمْ اسْتِبْطَاءُ الرِّزْقِ أَن تَطْلُبُوهُ بِمَا حُرِّمَ عَلَيْكُمْ فَإِنَّمَا عِندَ اللَّهِ لَا يُنَالُ بِمَعْصِيَتِهِ ﴾". قال: "ومنها الرفعة في الدنيا والآخرة، ﴿ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ﴾". قال: "ومنها، وهذه رفعة في الدنيا، وأعظم منها يا إخوان رفعة في الآخرة، رفعة في الآخرة". قال: "ومنها إعطاؤهم كفلين من رحمته، وإعطاؤهم نورًا يمشون به، ومغفرة ذنوبهم، ومغفرة ذنوبهم". قال الله عز وجل: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ ﴾، كفلين من رحمته، ﴿ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ﴾، والله غفور، غفور رحيم. وقوله: ﴿ وَيُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ ﴾، الكفل يا إخوان هو النصيب والحظ الذي يعطاه الإنسان، قال تعالى: ﴿ مَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُن لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُن لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا ﴾، كفل منها. وهنا: ﴿ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ ﴾، أي الضعف، أي الضعف. قال: "ومنها الود الذي يجعله سبحانه لهم في القلوب، والود أو الوداد، هذه مرتبة من مراتب المحبة، وقد ذكرها ابن القيم رحمه الله تعالى في عدد من كتبه، وأوصلها إلى عشر مراتب، أعلاها هي مرتبة الخلة، ومن مراتبها الود أو الوداد". قال: "الود، أي الحب الذي يجعله سبحانه لهم في القلوب، قال: وهو أنه يحبهم ويحبونه، ويحببهم إلى ملائكته وأنبيائه وعباده الصالحين". وربنا تبارك وتعالى يقول في آخر سورة مريم: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَٰنُ وُدًّا ﴾، سيجعل لهم الرحمن ودًا. جاء في الصحيحين عن أبي هريرة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله تعالى إذا أحب عبدًا نادى: يا جبريل، إني أحببت فلانًا فأحبه، قال: فيحبه جبريل، ثم ينادي جبريل في أهل السماء: أن الله قد أحب فلانًا فأحبوه، قال: فيحبه أهل السماء، قال: ثم يوضع له القبول في الأرض». وخارج الصحيحين قرأ عليه الصلاة والسلام الآية: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَٰنُ وُدًّا ﴾. قال: "ومنها أمانهم من الخوف يوم يشتد الخوف، إذا اشتد الخوف فهم لا يحزنهم الفزع الأكبر، قال: ﴿ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾، ولماذا لا خوف عليهم؟ لأنهم قد خافوا في الدنيا، وربنا عز وجل قد أخذ على نفسه ألا يجمع لعبده بين خوفين ولا بين أمنين، قال: «إن خافني في الدنيا أمنته في الآخرة، وإن أمنني في الدنيا أخفته في الآخرة»". قال: "ومنها أنهم المنعم عليهم الذين أمرنا، أي ربنا عز وجل، أن نسأله أن يهدينا إلى صراطهم في كل يوم وليلة سبعة عشرة مرة، أين ذلك يا أبا ناظم؟ أين ذلك؟ أين ذلك؟ أحسنت، أين يا أخانا العبيد؟ أنت مأمور في اليوم والليلة أن في الصلوات الخمس، وأين في الصلوات الخمس؟ الإمام جماعة في المسجد، أين في الصلاة؟ في أي موضع؟ الفاتحة، أحسنت: ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾، ثم بين ذلك قال: ﴿ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ﴾، كما في آية النساء: ﴿ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا ﴾، ﴿ ذَٰلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ عَلِيمًا ﴾". قال: "وهذه سبعة عشر مرة، هذه في الصلوات الخمس، ناهيك عن النوافل والرواتب وغيرها من الصلوات التي تقرأ فيها الفاتحة". قال: "ومنها أن القرآن إنما هو هدى لهم وشفاء، قال: ﴿ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ ﴾، طيب غيرهم، غير المؤمنين؟ قال: ﴿ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ۚ أُولَٰئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ ﴾". قال: "والمقصود أن الإيمان سبب، سبب جالب لكل خير، وكل خير في الدنيا والآخرة فسببه الإيمان، فسببه الإيمان، لاحظوا، لاحظوا يا إخوان، لخص لنا ما سبق، قال: والمقصود أن الإيمان سبب جالب لكل خير، وكل خير في الدنيا والآخرة فسببه الإيمان، وكل شر في الدنيا والآخرة فسببه عدم الإيمان". قال: "فكيف يهون على العبد أن يرتكب شيئًا من الذنوب يخرجه من دائرة الإيمان ويحول بينه وبينه؟ قال: ولكن لا يخرج بذلك من دائرة عموم المسلمين". بدأنا أن مرتبة الإحسان، فإن وقع في الذنوب خرج منها إلى الإيمان، فإن أصر وتمادى خرج منها إلى دائرة الإسلام، إلى دائرة الإسلام. قال: "فكيف يهون على العبد أن يرتكب شيئًا من الذنوب يخرجه من دائرة الإيمان ويحول بينه وبينه؟ ولكن لا يخرج بذلك من دائرة عموم المسلمين، قال: فإن استمر على الذنوب وأصر عليها خيف عليه أن يرين على قلبه، أن يصيب قلبه الران، قال: فيخرجه عن الإسلام بالكلية". ومنها هنا اشتد خوف السلف، كما قال بعضهم: "أنتم تخافون الذنوب وأنا أخاف الكفر"، ويخشى عليه، أو يخشى عليه من سوء الخاتمة. وقد ذكر الإمام أبو نعيم في الحلية، وهكذا ابن الجوزي في الثبات عند الممات، عن عبد الرحمن بن مهدي، قال: "مات سفيان الثوري، ومن سفيان الثوري يا إخوان؟ في إمامته وصلاحه، قال: مات سفيان الثوري عندي، أي حضرته الوفاة، قال: فلما اشتد، فلما اشتد به يعني الموت، جعل يبكي، سفيان الثوري يبكي، فقال له رجل: يا أبا عبد الله، هذه كن، يا سفيان الثوري، أراك كثير الذنوب، ما سبب بكائك؟ أأنت كثير الذنوب؟ قال: أراك كثير الذنوب". قال عبد الرحمن بن مهدي: "قال: فرفع شيئًا من الأرض، أي من ترابها، فقال: والله لذنوبي أهون عندي من ذا، لذنوبي أهون عندي من ذا، قال: إني أخاف أن أسلب الإيمان قبل أن أموت". انظر إلى شدة خوفهم وعظم خوفهم، ولا سيما في تلك الساعة الحرجة. فنسأل المولى تبارك وتعالى أن يحيينا على الإسلام، وأن يتوفانا على الإيمان، وأن يجعل آخر كلامنا من هذه الدنيا شهادة أن لا إله إلا الله، وأن يكرمنا بحسن الخاتمة، وأن يتوفانا وهو راض عنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.