التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 157

التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 157

الدرس في التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 157، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

النهي عن البدع والتوسل بالأموات عند القبور

يبيّن المحور تحريم اتخاذ القبور مواضع للدعاء المبتدع والتوسل بأصحابها، مستدلاً بمنع الإمام مالك الوقوف عند القبر للدعاء، وباستسقاء عمر رضي الله عنه بالعباس لا بالقبر، محذراً من ممارسات دعاء الموتى وطلب الحاجات منهم وعدّها شركاً وجهلاً بالتوحيد.

أحكام الاستسقاء وآداب زيارة القبور والصلاة على النبي

يستعرض المحور قصة استسقاء النبي صلى الله عليه وسلم بالدعاء المجرد دون توسل بالذوات، ويوضح أن الصحابة لم يقصدوا قبره للاستسقاء، مع تفصيل أحكام زيارة القبور المشروعة التي تقتصر على السلام والدعاء للميت كما في الصلاة على الجنازة.

كراهة تخصيص زيارة قبر النبي وضعف أحاديث الفضل

يقرر المحور أن زيارة القبور مشروعة للتذكير بالآخرة دون تخصيص بقبر معين، مبيناً أن الأحاديث الواردة في فضل زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم كلها ضعيفة أو موضوعة، وأن مالكاً وغيره كرهوا إضافة الزيارة إلى القبر سداً لذريعة التشبه بأهل الكتاب.

تحريم اتخاذ القبور مساجد وسد ذريعة الشرك بالكواكب

يؤكد المحور تحريم اتخاذ القبور مساجد بالصلاة عندها أو البناء عليها أو الدعاء عندها، مستدلاً بلعن النبي صلى الله عليه وسلم لفاعلي ذلك وإجماع العلماء على كراهة الصلاة في المساجد المبنية على القبور، ويشرح حكمة النهي عن الصلاة عند طلوع الشمس وغروبها واتخاذ القبور مساجد بأنها سد للذريعة المؤدية إلى الشرك بالكواكب والأصنام.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد، فمؤلف شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أراد أن يبين أن الأعمال التي تفعل عند القبور غير الأعمال الشرعية هي من الأمور الباطلة. كذلك ما يفعل عند مقامات الأولياء والصالحين، هذه الأماكن التي أقاموا فيها أو عبدوا الله فيها، لكنهم لم يتخذوها مساجد. فهذا جاء النهي صريح فيه، على قول، وعلى قول أنه لا بأس باليسير من ذلك. ثم نقل عن ابن عمر أنه كان يتتبع آثار النبي عليه الصلاة والسلام، أي الأماكن التي كان يصلي فيها. ثم ذكر: أما الأمور التي يفعلها كثير من الناس من الدعاء وغيره، فهذا من الأشياء الباطلة. قال رحمه الله: وليس كل من قضيت حاجته بسبب يقتضي أن يكون السبب مشروعا مأمورا به. فقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يسأل فيعطى، ولا يرد سائلا، وتكون المسألة محرمة في حق السائل. حتى قال: «فإني لا أعطي أحدهم العطية فيخرج بها يتأبطها نارا». قالوا: يا رسول الله، فلما تعطيهم؟ قال: «يأبون إلا أن يسألوني، ويأبى الله لي البخل». وعن النبي صلى الله عليه وسلم، أو جاء في رواية أنه قال عمر للنبي عليه الصلاة والسلام: يا رسول الله، لما تعطيهم؟ قال: «يريدون أن يبخلوني، ولست بباخل. يريدون أن يبخلوني، ولست بباخل». وقال أيضا النبي عليه الصلاة والسلام لرجلين: «إن شئت أعطيتكما، ولكنها لا حظ فيها، لا حظ فيها لغني أو قوي مكتسب». أنا إن شئتم أعطيتكم، لكن اعلموا أنه لا حظ فيها، أي ليس هذه الصدقات عطاء للغني ولا لذي القوة المكتسب، إنما للشاب الذي يستطيع أن يعمل. قالوا: قد يفعل الرجل العمل الذي يعتقده صالحا ولا يكون عالما أنه منهي عنه، فيثاب على حسن قصده، ويعفى عنه لعدم علمه. وهذا باب واسع: أن إنسانا يفعل شيئا، والأصل أن هذا الشيء بدعة أو مخالف للشرع أو منهي عنه، لكن هذا الذي يفعله لا يعلم أنه منهي عنه، ثم يفعله، قد يثاب عليه لأنه لا يعلم أنه منهي عنه. قالوا: عامة العبادات المبتدعة المنهي عنها قد يفعلها بعض الناس، فينال بها نفعا من الفائدة. أن بعض مثلا أهل التصوف يظن أن التبتل عبادة، ترك الزواج يظن أنه عبادة وطاعة لله، ولا يعلم أنه منهي عنه، فيعمله على نية الإخلاص. فهذا مثل هذا قد يؤجر على فعله. قالوا: ذلك لا يدل على أنها مشروعة، بل لو لم تكن مفسدتها أغلب من مصلحتها لما نهي عنها. ثم الفاعل قد يكون متأولا أو مخطئا مجتهدا أو مقلدا، فيغفر له خطأه، ويثاب على ما فعله من الخير المشروع المقرون بغير المشروع، كالمجتهد المخطئ. أن المجتهد المخطئ، النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر». أنه يعطى أجرا مع أنه أخطأ، لأنه لم يكن قاصدا الخطأ، وإنما اجتهد فأخطأ. قالوا: المقصود هنا أنه قد علم أن مالكا من أعلم الناس بمثل هذه الأمور، فإنه مقيم بالمدينة، يرى ما يفعله التابعون وتابعوهم، ويسمع ما ينقلونه عن الصحابة وكبار التابعين، وهو ينهى عن الوقوف عند القبر للدعاء، ويذكر أنه لم يفعله السلف. أنا لما سئل عنه قال كما تقدم: قال: ما رأيت أحدا يفعله، وما سمعته بأحد يفعله. أن هذا الوقوف عند القبر، سواء كان للدعاء أو لغيره، قال: ما رأيت أحدا يفعله في المدينة. ومالك ولد في المدينة وتربى في المدينة، وقد أخذ عن علماء المدينة. قال: وقد أجدب الناس على عهد عمر رضي الله عنه، فاستسقى بالعباس. أنا ما ذهب إلى القبر. أنا لو كان القبر يسقى، أو من ذهب إلى القبر يتحصل على السقي، لذهب عمر إلى القبر واستسقى بالنبي عليه الصلاة والسلام، لكن استسقى بالعباس. وقال: ففي صحيح البخاري عن أنس أن عمر استسقى بالعباس، قال: اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فسقنا، فيسقون بعد ذلك. يقول عمر: اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا، أي في وقت حياته عليه الصلاة والسلام. وهذا إقرار من عمر أنه لا يأتي إلى القبر، ولا يجوز أن يأتي الإنسان إلى القبر، وإنما يفعل ذلك التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم، أي بدعائه، كان في حياته صلوات الله وسلامه عليه. وأما بعد موته، فما كان أحد من الصحابة يأتي القبر. ولو كان التوسل بالقبر مشروعا، لكان أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام أولى الناس بفعل هذا، إذ هم أشد الناس حرصا على سنة رسول الله صلى الله عليه وعليه وسلم واتباعها. ولهذا ما تجد أحدا يأتي إلى القبر، عن القبر في المدينة، وهم في المدينة. سبحان الله، حتى أن الرجل إذا وجد إنسانا يدخل عند القبر يستغربون، أي شيء يريد هذا؟ لما رأى الحسن بن محمد بن الحسن بن علي رجلا عند القبر، قال: يا فلان، ماذا تفعل؟ تعال وتعش معي. فقال له: لا، قد تعشيت أو كذا. وقال: وماذا تفعل هنا؟ قال: أصلي على النبي عليه الصلاة والسلام. قال: لا أحدثك حديثا عن أبي عن جدي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «صلوا علي، فإن صلاتكم تبلغني حيث ما كنتم». فإن صلاتكم تبلغني حيث ما كنتم. قال: ما أنتم، أي أنتم أهل المدينة، ما أنتم ومن بالأندلس إلا سواء. من يصلي في المدينة، ومن يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم في الأندلس، في آخر المغرب، إلا سواء، ما في فرق بينكما. فهكذا كان الصحابة يفهمون الدين. أما الآن، هؤلاء كل يوم عند القبور، وكل يوم زيارات. هذه الأيام عندهم زيارات: زيارة الشيخ، زيارة فلان، زيارة فلان. وأيضا يدعونها عند هذه القبور، بل يدعونها من دون الله، والعياذ بالله، أنها جعلوها ندا لله، تدعى من دون الله جل وعلا، ويطلب منها ما يطلب من الله من الولد وغيره. أن هؤلاء ما فهموا دين الله، ولا عرفوا هذا الدين على حقيقته. ولهذا تعلقت قلوبهم بهؤلاء الموتى، بدلا من أن تتعلق قلوبهم بالله الذي بيده كل شيء، تعلقت قلوبهم بالموتى، والعياذ بالله. قال رحمه الله: قال: فاستسقوا بما كانوا يستسقون بالنبي عليه الصلاة والسلام في حياته، وهو أنهم يتوسلون بدعائه وشفاعته لهم، فيدعو لهم، ويدعون معه كإمام ومأمومين، من غير أن يكونوا يقسمون على الله بمخلوق. وقد جاءت أدلة كثيرة أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يستسقي بدعائه، يدعو الله عز وجل: «اللهم صيبا نافعا، اللهم صيبا نافعا، غيثا مغيثا، مريئا مربعا»، وغيرها مما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام في هذا الباب. فكان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو الله عز وجل، والناس يؤمنون، ويسقيهم الله عز وجل. بل في حديث أنس في الصحيحين، لما دخل ذلك الرجل وقال: يا رسول الله، هلكت الأموال، وانقطعت السبل، أو قال: هلكت الأموال، وهلك الناس، وكذا، لأن هناك قحط، فادعو الله عز وجل أن يغيثنا. فقال النبي عليه الصلاة والسلام وهو على المنبر يوم الجمعة: «اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا». قال أنس: فما خرجنا من المسجد إلا وجاءت السحب. وجاء في رواية قال: وكانت السماء لا قزعة فيها، معنى لا سحاب فيها، صافية. فلما دعا النبي صلى الله عليه وسلم إلا جاءت السحب. قال: فأمطرنا من الجمعة إلى الجمعة، أنا أمطر الأسبوع، وهي مستمرة هذا المطر. فحتى قام ذلك الرجل أو غيره، فقال: يا رسول الله، هلكت الأموال، وقطعت السبل، فادعوا الله عز وجل أن يوقفها، يوقف المطر. فدعا، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم في الآكام والجبال، وبطون الأودية، ومنابت الشجر». كما قال النبي عليه الصلاة والسلام، فتحولت تلك المطر. انظر إلى استسقاء النبي صلى الله عليه وسلم، كان بالدعاء، كان بالدعاء، وليس أنهم مثلا يأتون ويقولون مثلا، أو النبي صلى الله عليه وسلم يسكت وهم يقولون: ندعوك برسول الله، أو نتوجه إليك بنبي الله. وإنما المراد به بدعاء. قالوا: من غير أن يكونوا يقسمون على الله بمخلوق. فما ليس لهم أن يقسم بعضهم على بعض بمخلوق، أن لا يقولون: أقسمنا عليك بنبيك أن تسقينا. قالوا: لما مات صلى الله عليه وسلم توسلوا بدعاء العباس، واستسقوا به. ولهذا قال الفقهاء: يستحب الاستسقاء بأهل الخير والدين. أنا للاستسقاء بهم، أي بدعوتهم، والأفضل أن يكون من أهل بيت النبي عليه الصلاة والسلام. وقد استسقى معاوية بيزيد بن الأسود الجرشي، استسقى بيزيد بن الأسود الجرشي، أبو الأسود، وهو من أهل الشام من عباد أهل الشام. فقال له: قم يا بكاء. فقام دعا يزيد، فما تهى من دعائه إلا وجاءت المطر. قال: وقال: اللهم إنا نستسقي بيزيد بن الأسود، يا يزيد ارفع يدك. فرفع يديه ودعا، ودع الناس حتى أمطروا. أن الله الله عز وجل يستجيب للعبد الصالح والعالم إذا دعا. أحيانا قد لا يستجيب لعامة الناس، ويستجيب لواحد، مثل القصة التي حصلت لعبد الله المبارك عندما استسقى الناس في الحرم فلم يمطر. ذلك اليوم قال: وكنت في المسجد أبيت، أي في المسجد الحرام. قال: فإذا عبد أسود دخل المسجد، ولم يراني، معنى كأنه ما رأى عبد الله المبارك، أنه كان مفتجعا. قال: فإذا هو، أو قال: فسمعته يقول: يا رب، إن الناس قد استسقوك فلم تسقهم، يا الله، يا إله الخلق، وذكر ثناء على الله، ثم قال: اسقهم الساعة، الساعة، الساعة، معنى الآن. قال: فما انتهى إلا وجاء المطر. فما انتهى إلا وجاء المطر. قال رحمه الله: ولم يذهب أحد من الصحابة إلى قبر النبي عليه الصلاة والسلام ولا غيره يستسقي عنده ولا به. هذا فقه الصحابة رضي الله عنهم. لو كان الذهاب إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم ينفع، لذهبوا. ولو كان شرعيا، لكان هم أولى الناس أن يفعلوا، لشدة اتباعهم. لكن علموا أن هذا ليس بمشروع أصلا. قالوا: العلماء استحبوا السلام على النبي عليه الصلاة والسلام، للحديث الذي في سنن أبي داود، عن أبي هريرة، عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «ما من رجل يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام». وهذا الحديث فيه اختلاف، لكن له شواهد تدل على صحته. قال: هذا مع ما في الموطأ وغيره عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «إن الله وكل بقبري ملائكة يبلغون عن أمتي السلام، يبلغون عن أمتي السلام». وهذا فيه ضعف. قالوا: في سنن أبي داود وغيره عنه أنه قال: «أكثروا علي الصلاة ليلة الجمعة ويوم الجمعة، فإن صلاتكم معروضة علي». فقالوا: يا رسول الله، كيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت؟ أي بليت. معناه يقول الصحابة: كيف تعرض صلاتنا عليك وأنت في قبرك قد بليت عظامك؟ فقال: «إن الله حرم على الأرض أن تأكل لحوم الأنبياء». فالذي يأكل اللحوم هو الأرض، وليس الدود. أنا لم يأت في حديث صحيح أن الدود هي التي تأكل اللحم، وإنما الذي يأكل اللحم هي الأرض. إن الله حرم على الأرض أن تأكل لحوم الأنبياء. الأنبياء لا تأكلهم الأرض. وهل غيرهم لا تأكله الأرض؟ فلم يأت شيء صريح في ذلك، لكن من ناحية الواقع وجد. قال: فالصلاة عليه، بأبي هو وأمي، وكأن من اتبع الأنبياء يتحصل على شيء مما هم عليه، ومن ذلك أنه لا يتغير منه شيء. والقصص في ذلك كثيرة. ومن ما جاء في البخاري، ما جاء في حديث جابر، لما أخرج أباه من القبر بعد ستة أشهر، قال: فلم يتغير منه شيء إلا شيئا تحت أذنه. طيب. قال: فقال: إن الله حرم على الأرض أن تأكل لحوم الأنبياء. فالصلاة... وهذا الحديث صحيح، فيه اختلاف يسير، لكن الصحيح أنه صحيح، وجاء من حديث أبي هريرة، وجاء غير الحديث غيره. قال: فالصلاة عليه، بأبي هو وأمي، والسلام عليهم، ما أمر الله به ورسوله. وقد ثبت في الصحيح أنه قال: «من صلى علي مرة صلى الله عليه بها عشرا». أنا في الصحيح، في صحيح مسلم. آن علي رضي الله عنه. قالوا: المشروع لنا عند زيارة قبور الأنبياء والصالحين وسائر المؤمنين، ومن جنائزهم، المشروع عند جنائزهم الدعاء لهم والسلام. قال: فكما أن المقصود بالصلاة على الميت الدعاء له، فالمقصود بزيارة قبره الدعاء له. كما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام في الصحيح والسنن والمسند، أنه كان يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقول قائلهم: «السلام عليكم أهل دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، ويرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية، اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتننا بعدهم، واغفر لنا ولهم». قال: فهذا دعاء خاص للميت، كما في دعاء الصلاة على الجنازة، الدعاء العام والخاص: «اللهم اغفر لحينا وميتنا، وشاهدنا وغائبنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأنثانا، إنك تعلم متقلبنا ومثوانا». أي ثم يخص الميت بالدعاء. والنبي عليه الصلاة والسلام قال، كما في حديث أبي هريرة: «إذا صليت على الميت فأخلص له بالدعاء». قال الله تعالى في حق المنافقين: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِ﴾. فلما نهى الله نبيه صلى الله عليه وعلا وسلم عن الصلاة عليهم والقيام على قبورهم لأجل كفرهم، دل ذلك بطريق التعليل والمفهوم على أن المؤمن يصلى عليه، ويقام على قبره، أن يقام لأجل الدعاء. ولهذا في السنن أن النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا دفن الرجل من أصحابه، يقوم على قبره، ثم يقول: «سلوا له التثبيت، فإنه الآن يسأل». أن إذا دفنه قام عليه الصلاة والسلام، ويقول: «سلوا لأخيكم التثبيت، فإنه الآن يسأل». وجاء في رواية: «استغفروا لأخيكم، وسلوا له التثبيت، فإنه الآن يسأل». قال: فعما أن يقصد بالزيارة سؤال الميت، أو الإقسام به على الله، أو استجابة الدعاء عند تلك البقعة، فهذا لم يكن من فعل أحد من سلف الأمة، للصحابة وللتابعين لهم بإحسان، وإنما حدث ذلك بعد ذلك. بل قد كره مالك وغيره من العلماء أن يقول القائل: زرنا قبر النبي عليه الصلاة والسلام، أو يقول: نزور قبر النبي عليه الصلاة والسلام. وإنما يقال: نزور المسجد، نزور المسجد. ومن ثم بعد ذلك، من أراد أن يزور القبر، زار قبره عليه الصلاة والسلام. وإلا ما كان أحد من الصحابة يأتي إلى القبر ويسلم. إلا ما كان من عبد الله بن عمر، إذا جاء من سفر... قال: وقال القاضي عياض: كره مالك أن يقال: زرنا قبر النبي عليه الصلاة والسلام. وذكر عن بعضهم أنه علله: بلعنه صلى الله عليه وآله وسلم زوارات القبور. قالوا: هذا يرده قوله: «نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها». وعن بعضهم أن زائر أفضل من المزور. قالوا: هذا مردود بما جاء من زيارة أهل الجنة لربهم. معنى بعضهم علل كلام مالك أنه يكره أن يقال: زرنا قبر النبي عليه الصلاة والسلام، فظن أنه أن الزائر أفضل من المزور. وهذا ليس صحيحا، فالنبي عليه الصلاة والسلام هو أفضل للأمة، صلوات الله وسلم عليه، بل أفضل الخلق عليه الصلاة والسلام، وهو سيد ولد آدم، صلوات الله وسلم عليه. لكن الزيارة مشروعة، فيزار قبر النبي عليه الصلاة والسلام كما يزار غيره من القبور. قالوا: الأولى أن يقال في ذلك: إنما كرهه مالك لإضافة الزيارة إلى قبر النبي عليه الصلاة والسلام، وأنه لو قال: زرنا النبي عليه الصلاة والسلام، لم يكرهه. لقوله: «اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». وهذا أخرجه أبو داود بإسناد صحيح. قال: فحمى إضافة هذا اللفظ إلى القبر، والتشبه بأولياء، قطعا للذريعة وحسما للمادة. أنا ما يريد يقول: زرنا قبر النبي، وإنما يقول: زرنا النبي عليه الصلاة والسلام. قال: قلت: غلب في عرف كثير من الناس استعمال لفظ «زار» في زيارة قبور الأنبياء والصالحين، على استعمال لفظ زيارة القبور، في زيارة البدعية الشركية، لا في زيارة الشرعية. ولم يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام حديث واحد في زيارة قبر مخصوص. وقد تحدى شيخ الإسلام كثيرا من هؤلاء المبتدعة أن يأتوا بحديث أن النبي عليه الصلاة والسلام أوصى لأن يزار قبر فلان. الآن تجد لكل قبر يجعلون زيارة خاصة. قبور ما يسمونهم بالأولياء. النبي عليه الصلاة والسلام لم يذكر الحث على زيارة قبر معين أبدا، حتى قبور الأنبياء. ما قال: لما ذكر قبر موسى، ما قال: إذا كنتم في الشام فاذهبوا إلى قبر موسى. وإنما قال: «لو كنت هناك لأريتكم إياه عند الكثيب الأحمر». أنا فقط رؤية، أنكم ترون قبرا، حتى تتأكدون أنه مات بالشام، على خلاف ما يقوله بعضهم. فلذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول هذا. أيضا قبر نبي الله إبراهيم، لم يكن النبي عليه الصلاة والسلام يحث على زيارته، ما ذكر أبدا أنه يزار، أو أنه في فضل في زيارته. فلذلك لم يذكر النبي صلى الله عليه وسلم لا نبيا ولا وليا صالحا أنه يزار قبره. وإنما ذكر العموم: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها، فإنها تذكركم الآخرة». لا فرق بين نبي وبين غيره. فلأن هذا سدا لباب ذريعة الشرك، فلم يجعل تعظيم هذه القبور بزيارات معينة، بل قال: «لا تتخذوا قبري عيدا». ومعنى عيدا: أن يعاد زيارته. قال: ولا روى أحد في ذلك شيئا، لا أهل الصحيح، ولا السنن، ولا الأئمة المصنفون في المسند، كالإمام أحمد وغيره، مع كبر المسند. يقول الآن شيخ الإسلام: المسند كبير، وليس في حديث واحد يدل على أن النبي عليه الصلاة والسلام يحث على زيارة قبر معين. أين ما يذكره الآن هؤلاء الخلف؟ هؤلاء الذين يعظمون المقبورين، ويعظمون القبور. عندهم الإسلام هو زيارة القبور: اليوم زيارة فلان، وغدا زيارة فلان، وبعد غد زيارة فلان. فلو كان فيه هذه فضيلة، لحث عليه النبي عليه الصلاة والسلام، ولحث على زيارة قبره. والأحاديث التي جاءت في زيارة قبره عليه الصلاة والسلام كلها باطلة. وقد ألف الإمام... وقد ألف إمام من أئمة المسلمين، وهو صاحب الصارم المنكي في الرد على السبكي، الصارم المنكي في الرد على السبكي. السبكي شحن كتابه بأحاديث الزيارة، فبين أنها كلها غير صحيحة. وهو الحافظ ابن عبد الهادي رحمه الله. وكتابه كتاب عظيم، رد فيه على السبكي هذه الطرهات. وهو من تلاميذ شيخ الإسلام ابن تيمية. قد ألف الدرر البهية في ترجمة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. قالوا: إنما روى ذلك من جمع الموضوع وغيره. وأجل حديث روي في ذلك ما رواه الطبراني، وهو ضعيف باتفاق أهل العلم. إلى حديث المروي في زيارة قبره، في قوله: «من زارني وزار أبي إبراهيم الخليل في عام واحد ضمنت له على الله الجنة». ومن زارني بعدما مات، فكأنما زارني في حياتي. أن هذه أحاديث باطلة. ومن حج فلم يزرني فقد جفاني. ونحو هذه الأحاديث كلها مكذوبة موضوعة. لكن النبي عليه الصلاة والسلام رخص في زيارة القبور مطلقا، بعد أن كان قد نهى عنها، كما ثبت عنه في الصحيح أنه قال: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها». أي صحيح مسلم، عن بريدة بن الحصيب. وفي الصحيح عنه أنه قال: «استأذنت ربي في أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي. فزوروا القبور، فإنها تذكركم الآخرة». قال: فهذه زيارة لأجل تذكرة الآخرة. لهذا يجوز زيارة قبر الكافر لأجل ذلك. وكان صلى الله عليه وسلم يخرج إلى البقيع، فيسلم على موتى المسلمين، ويدعو لهم. فهذه زيارة مختصة بالمسلمين، كما أن الصلاة على الجنازة تختص بالمؤمنين. وقد استفاض عنه صلى الله عليه وآله وسلم في الصحيح أنه قال: «لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». يحذر ما فعلوا. قالت عائشة: ولولا ذلك لأبرز قبره، أي لظهر. لولا أنه يتخذ مسجدا، لظهر قبره، مثل ما تظهر قبور غيره. قالوا: لولا ذلك لأبرز قبره، ولكن كره أن يتخذ مسجدا. قالوا: في الصحيح أنه ذكر له كنيسة، أو ذكر له كنيسة بأرض الحبشة. وجاء فيه رواية أن عائشة رضي الله عنها قالت: لما نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم في مرض موته، ذكرت أم حبيبة وأم سلمة كنيسة رأتها في الحبشة تسمى مارية، وذكر له ما فيها من الصور. فقال عليه الصلاة والسلام: «أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح، بنوا على قبره مسجدا، وصوروا فيه تلك الصور، التصاوير. أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة». وهذه في الصحيح، أي في الصحيحين. وفي صحيح مسلم عن جندب بن عبد الله البجلي، قال: سمعت النبي عليه الصلاة والسلام قبل أن يموت بخمس، وهو يقول: «إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله قد اتخذني خليلا، كما اتخذ إبراهيم خليلا. ولو كنت متخذا من أمتي خليلا، لاتخذت أبا بكر خليلا. ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد». واتخاذهم من قبور مساجد، كما ذكرنا، إما بالصلاة عندها، أو ببناء المسجد فيها، أو بالدعاء عندها. قال: «فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك». قالوا: في السنن عنه أنه قال: «لا تتخذوا قبري عيدا، وصلوا علي حيث ما كنتم، فإن صلاتكم تبلغني». وصلوا علي حيث ما كنتم، فإن صلاتكم تبلغني. وفي الموطأ وغيره عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». وهذه كل حديث صحيحة عن النبي عليه الصلاة والسلام، تسد الذريعة، ذريعة الشرك والتعلق بالمقبورين. قالوا: في المسند، صحيح ابن حبان، عن ابن مسعود أنه قال: «إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد». قالوا: معنى هذه الحديث متواتر عنه صلى الله عليه وآله وسلم، بأبي هو وأمي، وكذلك عن أصحابه. فهذا الذي ينهى عنه من اتخاذ القبور مساجد، مفارق لما أمر به وشرعه من السلام على الموتى والدعاء لهم. أن هذا ليس من اتخاذ القبور مساجد، السلام على الموتى والدعاء لهم. فالزيارة المشروعة من جنس الثاني. لأن الزيارة تقسم إلى أقسام: زيارة القبور زيارة مشروعة، وهي بالسلام والدعاء لهم. وزيارة بدعية، تأتي بالتمسح وغيرها. وزيارة شركية، تأتي بالدعاء منهم، أنه يطلب منهم الطلب. قالوا: الزيارة المبتدعة من جنس الأول. فإن نهيه عن اتخاذ القبور مساجد يتضمن النهي عن بناء المساجد عليها، وعن قصد الصلاة عندها، وكلاهما منهي عنه باتفاق العلماء. فإنهم قد نهوا عن بناء المساجد على القبور، بل صرحوا بتحريم ذلك، كما دل عليه النص. قالوا: اتفقوا أيضا على أنه لا يشرع قصد الصلاة والدعاء عند القبور. ولم يقل أحد من أئمة المسلمين أن الصلاة عنده والدعاء عنده أفضل منه في المساجد. الآن هؤلاء يدعون مثلا أنهم شافعية، فيأتون بشيء عن الشافعي أنه قال: تذهب إلى قبر فلان وتدعو. أما كما قلنا، الحكاية التي يذكرونها أن الشافعي كان يذهب إلى قبر أبي حنيفة، فهذه حكاية مكذوبة. فالشافعي رحمه الله لم يكن يحث الناس على مسألة القبور، وأنهم يأتون إلى القبور ويدعونها، أو يدعون عند القبر. كل ذلك إنما حدث متأخرا. قال: واتفق أئمة المسلمين على أن الصلاة والدعاء في المساجد التي لم تبن على القبور، أفضل من الصلاة والدعاء في المساجد التي بنيت على القبور. أنا يقول العلماء: متفقون على أن الصلاة والدعاء في المساجد التي لم تبن على القبور، أفضل من الصلاة والدعاء في المساجد التي بنيت على القبور. بل الصلاة والدعاء في هذه منهي عنه، مكروه باتفاقهم. أنا يقولون: كلهم يقولون مكروه، لكن بعضهم يقول أنه كراهة تنزيه، وبعضهم يقول أنه كراهة تحريم. بل أنه ذهب جماعة من العلماء، كأحمد، أن من يصلي إلى القبر، أو يصلي في مسجد فيه قبر، فصلاته باطلة. قال: وقد صرح كثير منهم بتحريم ذلك، بل وبإبطال الصلاة فيها، وهو مذهب أحمد، وإن كان في هذا النزاع، وهو أيضا قول ابن حزم والشوكاني. قالوا: المقصود هنا أن هذا ليس بواجب ولا مستحب باتفاقهم، بل هو مكروه باتفاقهم. والفقهاء قد ذكروا في تعليل كراهة الصلاة في المقبرة علتين: إحداهما نجاسة التراب باختلاطه بصديد الموتى. وهذه ذكرها الشافعي. وهذه علة من يفرق بين القديمة والحديثة. وهذه العلة في صحتها نزاع، أن لم يأت بها الأدلة، باختلاف العلماء في نجاسة تراب القبور، وهي من مسائل الاستحالة، عن إذا استحالت النجاسة إلى شيء آخر. قالوا: أكثر علماء المسلمين يقولون: أن النجاسة تطهر بالاستحالة، عن مثل العذرة أو الغائط، إذا تحول إلى رماد، فإنه يطهر. قالوا: هو مذهب أبي حنيفة وأهل الظاهر، وأحد القولين في مذهب مالك وأحمد. وقد ثبت في الصحيح أن مسجد النبي عليه الصلاة والسلام كان حائطا لبني النجار، وكان قبورا من قبور المشركين، ونخلا، وخربا. فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالنخيل فقطعت، وبالخرب فسويت، وبالقبور فنبشت، وجعل النخل في صف القبلة. أن نبشت هذه القبور، ما تركت حتى لا يصلى إلى مكان فيه قبور. قال: فلو كان تراب قبور المشركين نجسا، لأمر النبي عليه الصلاة والسلام بنقل ذلك التراب، فإنه لا بد أن يختل ذلك التراب بغيره. عن ما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بنقل التراب. قال: والعلة الثانية: ما في ذلك من مشابهة الكفار بالصلاة عند القبور، لأن هذا دأب أهل الكتاب من اليهود والنصارى. ولهذا لعنهم النبي صلى الله عليه وسلم، قال: لما يفضي إليه ذلك من الشرك. وهذه العلة صحيحة باتفاقهم. قالوا: المعللون بالأولى، كالشافعي وغيره، عللوا بهذه أيضا، أن عللوا بأنه ذريعة للشرك. وأيضا عللوا بأنه قد يكون التراب يختلط بصديد الموتى، فيكون فيه نجاسة. قال: وكرهوا ذلك لما فيه من الفتنة. وكذلك أئمة من أصحاب أحمد ومالك، كأبي بكر الأثرم، صاحب أحمد، وغيرهم، عللوا بهذه الثانية، أي أنه ذريعة للشرك. وإن كان منهم من قد يعلل بالأولى. وقد قال الله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾. ذكر ابن عباس وغيره من السلف، ذكر ابن عباس وغيره من السلف، أن هذه أسماء قوم صالحين كانوا في قوم نوح، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم، وصوروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد، فعبدوهم. قد ذكر هذا البخاري في صحيحه، وأهل التفسير كابن جرير وغيره، وأصحاب قصص الأنبياء كوثيمة وغيره. وثيمة هذا رجل من القدماء من أهل الحديث، رحل إلى البصرة والأندلس ومصر، وكان له كتاب في أخبار الردة، فهو أبو يزيد وثيمة بن موسى بن الفرات الوشاء الفارسي الفسوي. قال: وبّين صحة هذه العلة، أنه صلى الله عليه وآله وسلم... أو يبين صحة هذه العلة، أنه صلى الله عليه وآله وسلم لعن من يتخذ قبور الأنبياء مساجد. ومعلوم أن قبور الأنبياء لا تنبش، ولا يكون ترابها نجسا. وقال صلى الله عليه وآله وسلم: أنه يقول: لو كان المراد أن التراب نجس، لما لعن النبي صلى الله عليه وسلم أن يتخذ قبور أنبياء مساجد. فدل... وإنما لعن النبي صلى الله عليه وسلم... عليه وآله وسلم... عن نفسه... قبوره وسلم... وقبوره وسلم. وقال: وقال: «لا تتخذوا قبري عيدا». فعلم أن نهيه عن ذلك من جنس نهيه عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها، لأن الكفار يسجدون للشمس حينئذ. معناه: أن المراد سد الذريعة. فسدت الذريعة، وحسم المادة. سد الذريعة معنى إيش؟ أي لا يجعل هناك ما يدخل منه باب شر، فيسد هذا الباب، باب الشر. قال: بأن لا يصلي بهذه الساعة، أي عند طلوع الشمس وعند غروبها، وإن كان المصلي لا يصلي إلا لله، ولا يدعو إلا الله. وكذلك نهى عن اتخاذ القبور مساجد، وإن كان المصلي عندها لا يصلي إلا لله، ولا يدعو إلا الله. لكن نهى عن اتخاذ هذه، مساجد، صلاة، هذه القبور مساجد، لأن لا يفضي ذلك إلى دعائها، والصلاة لها. لأن هذه القبور إذا عظمت، وانتفى العلم، جاء أو ناس جهال، فظنوا أنها تعبد من دون الله. قالوا: كلا الأمرين قد وقع. فإن من الناس من يسجد للشمس وغيرها من الكواكب، ويدعو لها بأنواع الأدعية والتسبحات، ويلبس لها من اللباس والخواتم ما يظن مناسبته لها، ويتحرى الأوقات والأمكنة والأبخرة المناسبة لها في زعمه. قالوا: هذا من أعظم أسباب الشرك الذي ضل به كثير من الأولين والآخرين، حتى شاع ذلك في كثير من من ينتسب إلى الإسلام. وصنف فيه بعض المشهورين كتابا سماه: السر المكتوم في السحر ومخاطبة النجوم. وهذا الذي صنفه هو الفخر الرازي. وعجب العلماء من هذا الكتاب، كيف لرجل من علماء المسلمين يصنف هذا الكتاب للمشركين؟ وهذا الكتاب على مذهب المشركين. قال رحمه الله: على مذهب المشركين من الهند والصابئة. أنا ألف كتاب سماه: السر المكتوم في السحر ومخاطبة النجوم. أنا أكثره في السحر. قال: والمشركين من العرب وغيره، مثل طمطم الهندي، أنا رجلي، قال له: طمطم، وملكوشا البابلي، وابن وحشية، وأبو معشر البلخي. أبو معشر البلخي هذا مشهور بكتب السحر، هو جعفر بن محمد البلخي. قال: وثابت بن قرة. ثابت بن قرة كان بحارا، واشتغل بالهندسة والطب وعلم الفلك، لكنه من المشركين من الصابئة الذين يعبدون النجوم. قال: وأمثالهم، من من دخل في هذا الشرك، وآمن بالجبت والطاغوت، وهم ينتسبون إلى أهل الكتاب، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَٰؤُلَاءِ أَهْدَىٰ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا ۚ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ ۖ وَمَن يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾. قال: وقد قال غير واحد من السلف: الجبت السحر، كما جاء في العمر، والطاغوت الأوثان. وبعضهم قال: الشيطان. وكلاهما حق. قالوا: هؤلاء يجمعون بين الجبت الذي هو السحر، والشرك الذي هو عبادة الطاغوت، كما يجمعون بين السحر ودعوة الكواكب. وهذا ما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام، بل ودين جميع الرسل، أنه شرك محرم، عن الذين يعبدون الكواكب. بل هذا من أعظم أنواع الشرك الذي بعثت الرسل بالنهي عنه. ومخاطبة إبراهيم الخليل لقومه كانت في نحو هذا الشرك. ثم ذكر الآيات، ونترك ذلك في درس لاحق. فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر. ترجمة نانسي قنقر.