تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 46

تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 46

الدرس في تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 46، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

آية وجوب الحج وتوقيت فرضه وحج النبي

تعد آية آل عمران 97 هي آية وجوب الحج عند الجمهور، وتفصل عن آية البقرة التي تتحدث عن الإتمام لا الوجوب. فُرض الحج في السنة التاسعة، وحج أبو بكر بالناس ثم حج النبي صلى الله عليه وسلم في السنة العاشرة بعد منع المشركين والعراة من الطواف.

وجوب الحج مرة واحدة وحكم التعجيل والتأخير

الحج فريضة واجبة مرة واحدة في العمر لمن استطاع سبيلاً، ويستدل العلماء بحديث «فحجوا» على وجوب المبادرة فور الاستطاعة. من أخره مع القدرة فهو آثم، وشبه عمر بن الخطاب تارك الحج مع الاستطاعة بالكافر عملياً.

شروط الاستطاعة للبدن والمال وأمن الطريق

وجوب الحج ثبت بآية «ولله على الناس حج البيت» لا بنداء إبراهيم، والاستطاعة شرط لوجوبه وتشمل صحة البدن، وتوفر الزاد والراحلة أو مالهما، وأمن الطريق. من لم يستطع بدنياً أو مالياً أو أمنياً سقط عنه الوجوب ويجوز التوكيل، ولا يجب الحج على من يترك عياله بلا نفقة.

تحريم إضاعة من يعول لأجل الحج

الحج فريضة من فرائض الله، ويُرخّص لمن لا يجد من يعول أهله، فكيف بمن يعولهم ولا يقوم بواجبهم؟ حذر النبي ﷺ من إضاعة من يملك قوته، معتبراً ذلك إثماً عظيماً.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. قال: هنا وقفنا عند قول الله عز وجل: ﴿فِيهَا آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾. فقوله جل وعلا: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾، قال العلماء: إن هذه من أبلغ صيغ الوجوب، أنه سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ﴾، أي أن حق الله، ومن حق الله عز وجل على الناس أنهم يحجون بيت الله جل وعلا، ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾. فهذه الآية فيها وجوب الحج، وهي الآية التي أوجب الله عز وجل بها الحج على قول جمهور العلماء. ومن أهل العلم من قال: إن الآية التي أوجب الله عز وجل بها الحج قوله سبحانه وتعالى في سورة البقرة: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾. ولهذا هذه الآية: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ نزلت في الحديبية في السنة السادسة، فيقول بعض العلماء -كما سيأتي في مسألة: هل الحج على الفور أو على التراخي-: استدلوا به على التراخي، لأن قالوا: إن الحج أوجب في السنة السادسة. لكن الصحيح أن قوله جل وعلا: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ ليس يدل على الوجوب، لأنه إنما فيه إتمام الحج والعمرة، وليس وجوب الحج والعمرة. عن إذا دخل فيهما الناس، عن إذا الحج إذا دخل فيه لا بد أن يتم. ولهذا أجمع العلماء على أن من أفسد حجه بجماع، أن جامع زوجته وهو محرم فأفسد حجه وأفسد إحرامه، فإنه يجب عليه أن يتم الحج. من الأمور الواجبة عليه أنه يتم حجه، لا يقطعه. أنا إذا جاء مثلاً في وقت الإحرام وجاء مع زوجته، فهنا حجه يفسد، يعني قبل التحلل الأول يفسد حجه، يكون الحج باطل، وعليه أن يتم الحج، يعني لا يقطع الحج بل يتمه، ويجب عليه أن يأتي بحجة أخرى في العام الذي يأتي إن استطاع، فإنه يجب عليه. يعني أن الحج باطل، عليه حجة الإسلام مرة أخرى إن كانت حجة الإسلام، وإن كانت تطوع فهو بالخيار. فشاهد هو أن العلماء أجمعوا أن من دخل الحج ولو فسد عليه حجه يجب عليه أن يتم الحج. أنا إذا كان مثلاً في اليوم التاسع وقع على امرأته وهو محرم، مثلاً قبل أن يذهب إلى عرفات، فهنا لا يقول: خلاص، أنا ما سأذهب لأن حجي باطل، لا، بل واجب عليه أن يذهب ويتم الحج حتى ينتهي الحج. فالآية التي في البقرة إنما في إتمام الحج فقط، إتمام الحج والعمرة، وأما هذه الآية ففيها وجوب الحج، حج بيت الله الحرام. وهذه الآية نزلت في السنة التاسعة، نزلت في السنة التاسعة، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر أن يحج بالناس لتلك السنة، ومن ثم حج عليه الصلاة والسلام في السنة العاشرة. وقيل: إنه لم يحج في السنة التاسعة لعدة أمور، من ذلك أن المشركين لا زالوا يحجون بيت الله في ذلك الوقت، وأيضا أن أهل شرك كانوا يحجون عُراة. كان عندهم اعتقاد أن الحاج لا بد أن يحج بلباس أهل الحرم، لا يحج بلباسه، فلذلك بعضهم فقراء ما يجد ما يشتري لباساً من لباس أهل الحرم فيحج عارياً، حتى أنه ليس عليه شيء، حتى المرأة تحج عارية، كما قال ابن عباس رضي الله عنه: وتقول: «اليوم يبدو كله أو بعضه، فما بدا فلا حله». فكانوا يحجون عُراة. فلذلك النبي عليه الصلاة والسلام في السنة التاسعة، لما حج بالناس الصديق رضي الله عنه، أمره أن ينادي في الناس: «أن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان». أن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان. فلذلك لم يحج النبي عليه الصلاة والسلام في السنة التاسعة لأجل مثل هذه الأمور. ثم حج عليه الصلاة والسلام بعد أن منع المشركون، وبعد أن سادت جزيرة العرب بالإسلام، حج النبي عليه الصلاة والسلام وحج الناس معه، حتى قيل أنه حج معه عشرة آلاف أو أكثر. فلذلك فهذه الآية هي التي أوجبت الحج، وهذه الآية ليس فيها أنها لكل عام، وإنما قال: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾، وهذا إطلاق، والإطلاق لا يفيد العموم وإنما يفيد البدل. فلذلك قال الله عز وجل: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾، فإطلاق، فعموم الإطلاق هو بدل وليس شامل معنى، لا يشمل كل سنة. ولهذا لما قيل للنبي عليه الصلاة والسلام: «أفي كل عام يا رسول الله؟» قال: «لا، ولو قلت نعم لوجبت، ولو وجبت لما استطعتم». وأجمع أكثر أهل العلم، أو لعله لا يعرف أحد من أهل العلم ممن يعرف بالعلم أنه قال: إن الحج يتكرر، إلا أنه نسب إلى أناس ذكرهم القرطبي، ولعلهم من العباد ليس من العلماء، ذكر أن أناساً من العباد، أو ذكر أن أناساً كانوا يقولون: إن الحج يجب بعد كل خمس سنوات، أن بعد كل خمس سنوات يجب حجه، واستدل بحديث، والحديث لا يصح، على أنه أن الله عز وجل يقول في الحديث: أنه أن رضي على عبد أنه متى ما جاءني لا يغيب عني أربع سنوات، أو بهذا المعنى، وهو حديث لا يصح. وأيضا الاستدلال به ليس صحيح، حتى لو صح فهو ليس المراد أنه بعد خمس سنوات لا بد أن يحج، وإنما هذا من باب التطوع، من باب الارتباط بالله جل وعلا، وأيضا من باب الإثابة والرجوع إلى الله سبحانه وتعالى وإلى بيته المعظم. ولهذا جعله الله عز وجل مثابة للناس، للناس يرجعون إليه، كلما من ذهب إليه أحب الرجوع إليه. فأيضا من هذه المسائل في هذه الآية: استدل كثير من أهل العلم كما قلنا على أن الحج يجب على الفور وليس على التراخي، بل من استطاع أن يحج فواجب عليه أن يعجل. من كانت عنده استطاعة من المال والبدن فواجب عليه أن يعجل. وقد جاء في حديث أبي هريرة، وجاء أيضا من حديث غيره، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله كتب عليكم الحج فحجوا». إن الله كتب عليكم الحج فحجوا. هنا الفاء التي تفيد التعقيب، وأيضا تفيد الترتيب. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «فحجوا». فقال الأقرع بن حابس كما في سنن أبي داود: قال الأقرع بن حابس: «أفي كل عام يا رسول الله؟» قال: «لا، ولو قلت نعم لوجبت، ولو وجبت عليكم لما استطعتم». فلذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فحجوا». فشاهدنا هنا الأمر، وأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالاستعجال. وصححه بعض أهل العلم، أيضا قول النبي عليه الصلاة والسلام: «من استطاع الحج فليحج، فإنه قد يعرض المرض أو كذا»، يعني أنه قد يعترض عليه أشياء قبل حجه، لكن الحديث فيه ضعف. طيب، وأيضا ذهب جماعة من أهل العلم كأحمد وداود بن علي، ورجح ذلك شيخ الإسلام، على أن الأمر يفيد الوجوب، يفيد الفور. الأمر في الأصل أنه يفيد الفور، لأن الأمر إذا أمر من تحته فإنه لا شك أنه يريد أن ينفذ في أقرب وقت، في أقرب وقت. فلذلك قالوا: الأصل أن الأمر يفيد الوجوب حتى يأتي ما يدل على التراخي. فلذلك وجوب الحج على الناس الأصل أنه على الفور، فمن استطاع أن يحج ثم لم يحج فهو آثم. لهذا قال عمر رضي الله عنه: «من استطاع الحج ثم لم يحج فليمت إن شاء يهودياً أو نصرانياً». من استطاع الحج فلم يحج، قال: «فليمت إن شاء نصرانياً أو يهودياً». وبهذا أيضا فسرت هذه الآية: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾. حمل هنا الكفر على الكفر العملي، وهو ترك الحج، على أنه كفر عملي، فهو يشبه الكفار في عمله. وحمل على وهو قول أكثر المفسرين على أن الكفر هنا كفر اعتقادي، وهو الذي ينكر الحج، أو أنه ينكر بعض ما ذكره الله عز وجل في الحج من عدم طواف العريان وغيره. ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾. فخلاصة هذه الآية وما فيها: أن الحج أوجبه الله عز وجل على العباد، وأنها فريضة عظيمة، وأن الحج قام هو من زمن إبراهيم عليه السلام، قد أمر الله عز وجل إبراهيم أن ينادي في الناس بالحج. لكن هل كما قال العلماء: هل وجب الحج على أهل الإسلام بوجوب هذه الآية أم بنداء إبراهيم؟ فلا شك أن وجوبه بهذه الآية، وإلا فإن النبي عليه الصلاة والسلام قد حج قبل أن يبعث، حج مرتين كما قال أهل العلم، وقد حج الصحابة رضي الله عنهم قبل البعثة حجا كثيراً، ومنهم من أهل مكة، فلم يدل شيء على أن حجة الإسلام قد سقطت عليهم بحجهم قبل البعثة، بل أوجب الله عز وجل على جميع المسلمين الحج. أو وجوبه على النبي عليه الصلاة والسلام: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾. أيضا في هذه الآية: أن الحج لا يجب إلا على من استطاع، والاستطاعة هنا تشمل البدن، استطاعة البدن، وأيضا استطاعة المال، واستطاعة الطريق. يعني ثلاث أشياء: الاستطاعة تكون في البدن، أي أنه يستطيع أن يذهب، إن كان يستطيع أن يركب وركوباً فيذهب إلى الحج، أو مثلاً على البحر أو غيره، فإنه إن استطاع فهو يجب عليه، يعني إذا توفر أيضا المال، وكذلك أمن الطريق. وأما إذا لم يستطع، مثلاً الرجل مريض لا يستطيع المشي ولا يستطيع الحركة، فهذا لا يجب عليه، أو لا يستطيع أيضا أن يقاسي الطريق، على مثلاً يتضرر من الشمس أو حرها من هذه الأشياء، فهذا لا يجب عليه حتى يشفيه الله عز وجل، كان مريضاً أو كبيراً. كما قالت تلك المرأة الخثعمية للنبي عليه الصلاة والسلام: «إن أبي شيخاً كبيراً قد أدركته حجة الإسلام وهو لا يستطيع أن يستقر على الراحلة، ما يستطيع أن يستقر لأجل كبر سنه، أفحج عنه؟» قال: «نعم، حجي عن أبيك». قال: «نعم، حجي عن أبيك». فدل على أنه من لم يستطع ركوب الراحلة أو لم يستطع أن يتحرك فإنه لا يجب عليه، لكن يجوز أن يوكل. بل بعض العلماء يقول: يجب عليه أن يوكل من يحج عنه إن استطاع بالمال. وأما كذلك الاستطاعة في أمن الطريق: أن إذا كان الطريق مأمونة، فايضا هذا من الاستطاعة، وإن كان الطريق غير مأمونة، أن هناك قطع طرق أو هناك من يمنع الناس عن الحج، وممكن أنه يقتلهم إذا تعدوا أو إذا أرادوا أن يمروا، فمثل هذه الأشياء، مثل ما يحصلحيانا في الحدود وغيرها، فحيناً بعض مثلاً الدول تمنع من دخولها، وتجد أن دخولها لا بد منه حتى يذهب إلى الحج، فمثل هذا أيضا يعتبر منعاً من الطريق، أي هناك ليس هناك أمن في الطريق، فايضا هذا يدخل في الاستطاعة. وكذلك المال، والمال قال العلماء: أنه يكون عنده زاد وراحلة، عنده الزاد الذي... وقد جاء في ذلك حديث من حديث ابن عمر في سنن الترمذي، وفيه إبراهيم بن يزيد الخوزي، لكنه في الشواهد، أي متابع، فالحديث الظاهر أنه حسن. وفيه: النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الزاد، أو سئل عن الاستطاعة، قال: «الزاد والراحلة». الزاد والراحلة. وهو الحديث أيضا الذي جاء فيه: «أفضل الحج العج والثج». العج هو رفع الصوت بالتلبية، والثج هو الدم، ما يهدر فيه دم، أي ما يذبح الحاج فيه هدي. فقال النبي عليه الصلاة والسلام لما سئل عن الاستطاعة: «الزاد والراحلة». عنده زاد وعنده مركوب يركب عليه، وإن كان ليس عنده مركوب، عنده المال الذي يركب في هذا المركوب الذي يذهب إليه. فالزاد لا بد منه، وقال أكثر العلماء: أن المراد بالزاد هنا ليس زاده فقط، بل أيضا زاد عياله، كان عنده طعام عياله، يعني ما يجد له أن يذهب ويترك أولاده جياعاً، ليس عندهم عائل من يعولهم. أما إن كان هناك من يعولهم، مثلاً من أبنائه، أو مثلاً تكون له مشاهرة أو كذا راتب شهر يعطى، أو معونة أو كذا، فهذا لا بأس أنه يذهب. وأما إن كان لا أحد يعول أهله إلا هو، فإذا ذهب سيتضرر أهله، فإنه لا يجب عليه الحج. وكذلك كل ما كان واجباً كالجهاد العيني، يعني حتى الجهاد العيني لا يجب، وكذلك الحج لا يجب إذا كان لم يجد من يعول أهله. فكيف بمن يفرط في أهله وهو موجود عندهم، يعني يذهب ويشتري بماله أشياء محرمة كالقات وغيره، ويترك أولاده بدون طعام وشراب؟ فهذا إثمه أعظم. فهذا حج بيت الله الحرام، وهو فريضة من فرائض الله عز وجل، يرخص لمن لم يجد من يعول أهله، فكيف بمن كما قلنا هو عندهم ولا يعولهم؟ وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت» أو «من يملك قوته»، كما في صحيح مسلم. طيب، نكتفي بهذا.