الدرس في تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 47، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يستهل السعدي تفسيره ببيان أن الله أقام الحجج على أهل الكتاب رغم معرفتهم بالنبي صلى الله عليه وسلم، فاستمروا في الكفر والصد عن سبيله. وتأتي هذه الآيات عقب إبطال مزاعمهم حول دين إبراهيم وفضل بيت المقدس.
يأمر الله نبيه بمناداة أهل الكتاب بلطف وتذكيرهم بما لديهم من كتاب، ويبين أنهم كفروا بآيات الله وأنكروا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم. ويحذرهم بأن الله شهيد على أعمالهم وسيجازيهم بها.
يفسر السعدي آية ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ﴾ مبيناً أنهم يعلمون صدق النبي ودين الإسلام، لكنهم يصدون الناس اتباعاً لأهوائهم. وهم شهود على حقية هذا الدين، والله ليس بغافل عن أعمالهم.
يذكر المقطع أن الله يمهل العباد الظالمين ثم يأخذهم أخذاً أليماً شديداً، ويجمع في خطابه بين التلطف والتهديد. ويؤكد أن الله عالم وشهيد على أعمالهم وسيجازيهم عليها يوم القيامة.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى عند قول الله جل وعلا: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ﴾، ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾. قال رحمه الله: لما أقام فيما تقدم الحجج على أهل الكتاب، مع أنهم قبل ذلك يعرفون النبي عليه الصلاة والسلام كما يعرفون أبناءهم، وأبقى المعاندين منهم على كفرهم بآيات الله وصدهم الخلق عن سبيل الله، لأن عوامهم تبع لعلمائهم، والله تعالى يعلم أحوالهم سيجازيهم على ذلك تم الجزاء وأوفاه. وهذه الآيات أنا بعد أن حاجهم رب العالمين سبحانه وتعالى وأبطل ما هم عليه من قولهم أن إبراهيم كان على دينهم اليهودية، أو قولهم كذلك أن بيت المقدس هو أول بيت وأعظم بيت، وغيرها مما أبطلها الله عز وجل عليه. وهنا ربنا جل وعلا من لطفه وكرمه جل وعلا أنه يأمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يناديهم بأهل الكتاب، وهذا تكرم منه جل وعلا، وإلا فهم قد حرفوا الكتاب، لكن يناديهم بأهل الكتاب من باب الدعوة، ومن باب التلطف بهم، وكذلك أيضًا من باب تذكيرهم أنهم عندهم كتاب يجب أن يرجعوا إليه وأن يروا ما فيه. ومن ذلك أنهم كفروا بآيات الله، أي كفروا بما عندهم من آيات الله جل وعلا في التوراة والإنجيل، وأعظم ما أنكروه هو نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد بينها ربنا جل وعلا لهم أشد بيان، حتى أنه قال جل وعلا: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾، من شدة ما بين الله عز وجل، أو من وضوح ما بين الله سبحانه وتعالى لهم من صفات هذا النبي الكريم عليه الصلاة والسلام. فلذلك ناداهم بهذا النداء في أكثر من آية: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ﴾، ما الذي يجعلكم تكفرون وأنتم أهل كتاب عندكم هذه الأشياء؟ لكن الله عز وجل شهيد على أعمالكم التي تعملونها وسوف يجازيكم بها. ثم في الآية الأخرى قال: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ﴾، وهذا أيضًا عجب، هم يعلمون أن هذا هو الحق ثم يصدون الناس عن هذا الحق لأجل أهوائهم، ولأجل أن يتبعوهم، ولأجل أن يكونوا على رئاستهم على هؤلاء الأتباع. فلذلك يصدون الناس عن اتباع النبي عليه الصلاة والسلام ويصدونهم عن دين الإسلام. وهذا في أتباعهم، وليس المراد من آمن بالله جل وعلا، أو أنهم يحاجون من يؤمن بالله فيصدونه عن سبيل الله بما عندهم من العلم، ويظهرون أنهم يعلمون هذا الدين ويعلمون أيضًا أنه دين باطل، وكذا. وهذا كله من الصد عن سبيل الله جل وعلا. وربنا جل وعلا قال: ﴿تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنتُمْ شُهَدَاءُ﴾، قال: ﴿تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنتُمْ شُهَدَاءُ﴾، أي أنتم شهداء على هذا الدين وأنه هو الدين الحق، وأنتم شهداء على هذا النبي الكريم وأنه نبي من الله جل وعلا ومرسل من الله، لكن أنتم ما تريدون إلا العوج والطريق غير الصحيحة. فقال جل وعلا: ﴿تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنتُمْ شُهَدَاءُ﴾، ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾. وهذا من باب التهديد في جزاء هؤلاء، فالآية الأولى قال: ﴿وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ﴾، وفي هذه الآية قال: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾. فربنا جل وعلا يمهل العباد حتى إذا أخذهم لم يفلتهم، كما جاء في الصحيحين عن أبي موسى، وقال الله عز وجل: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ ۚ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾. فربنا جل وعلا أولًا تلطف معهم في الخطاب، ثم هددهم لأن هؤلاء لا ينفع معهم اللين أحيانًا، لكن قد ينفع معهم التهديد. فهددهم الله عز وجل أنه عالم وشهيد على أعمالهم وليس بغافل عن هذه الأعمال، وسيأتون إليه سبحانه وتعالى فيجازيهم على هذه الأعمال الباطلة ويعاقبهم عليها. وهذا خلاصة ما يذكر في هاتين الآيتين، فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.