تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 51

تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 51

الدرس في تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 51، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تفاوت الوجوه يوم القيامة بين السعادة والشقاوة

يشرح العلامة سعد رحمه الله آيات آل عمران وعبس التي تصف تبيض وجوه المؤمنين وسواد وجوه الكافرين يوم القيامة. أهل السعادة يدخلون الجنة خالدين بينما يوبخ الكافرون ويُعذبون بسبب كفرهم بعد الإيمان.

تفسير السلف لآية تبييض وتسود الوجوه

يفسر السلف آية ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ بأن المبيضة وجوه أهل السنة والمسودة وجوه أهل البدع والأهواء والكفار. يستشهد بحديث بغالب الأزور عن الخوارج الأزارقة وبكائه عليهم وقراءته للآية.

تفسير قوله تعالى أكفرتم بعد إيمانكم ودخول الخوارج

تشير الآية إلى من رجع عن الهداية بعد سلوكها، وينطبق ذلك على الخوارج الذين كانوا طلبة علم ثم غالوا وكفروا الصحابة. تدخل في الآية أهل الأهواء والبدع لقوله الإمام مالك، وتبقى البشارة لأهل السنة المستقيمين.

مصير أهل السنة والاتباع يوم القيامة

أهل السنة والاتباع يبيّض الله وجوههم يوم القيامة فيكونون في رحمته وفضله ويدخلون الجنة خالدين فيها. أجمل المؤلف أقوال المفسرين في الآية الشاملة للكفار والمنافقين وأهل الأهواء.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال العلامة سعد رحمه الله عند قول الله جل وعلا: ﴿ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ [آل عمران: 106-107]. قال رحمه الله: يقرر تعالى تفاوت الخلق يوم القيامة في السعادة والشقاوة، وأنه تبيض وجوه أهل السعادة الذين آمنوا بالله وصدقوا رسله وامتثلوا أمره واجتنبوا نهيه، وأن الله تعالى يدخلهم الجنات ويفيض عليهم أنواع الكرامات وهم فيها خالدون، وتسود وجوه أهل الشقاوة الذين كذبوا رسله وعصوا أمره وفرقوا دينهم شيعًا، وأنهم يوبخون فيقال لهم: أكفرتم بعد إيمانكم؟ فكيف اخترتم الكفر على الإيمان؟ فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون. فأنا المؤلف رحمه الله فسر الآية على العموم، وذكر أكثر الأقوال، وعلى أن هناك في يوم القيامة ناسًا تبيض وجوههم، تكون وجوههم ناظرة مستبشرة، وهناك وجوه مسودة كما ذكر الله عز وجل عن أهل النار، وقال أيضًا: ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ * وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ * تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ * أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ ﴾ [عبس: 38-42]. فتختلف هذه الوجوه: وجوه للسعادة، ووجوه للشقاوة. وقد جاء في تفسيرات السلف تعيين هذه الوجوه، عن الوجوه التي بيضت أو التي تبيض، والوجوه التي تسود. ومن ذلك ما جاء عن ابن عباس ومجاهد، وجاء أيضًا عن مالك وغيرهم من السلف أنهم كانوا يقولون: الوجوه التي تبيض هي وجوه أهل السنة، والتي تسود هي وجوه أهل البدعة، أهل الأهواء والبدع تسود وجوههم. وهذا التفسير تفسير صحيح، وليس معنى ذلك أن الكفار لا تسود وجوههم، لا بل تسود، لكن أيضًا ممن تسود وجوههم أهل الأهواء والبدع. ولهذا جاء عند الترمذي في حديث بغالب أزور عنه بإمامه، لما رأى رؤوس الخوارج الأزارقة قد نصبت على أبواب دمشق، فنظر فيهم وبكى وقال: «كلاب النار، كلاب النار، كلاب النار»، ثم قرأ في آخر كلامه، قال: وقرأ إن شئت: ﴿ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾. فالذين تبيض وجوههم هم أهل الرحمة الذين هم أهل الجنة، وأما هؤلاء الذين يعذبون من أهل الأهواء فهم لا يدخلون فيمن تبيض وجوههم. وأما قوله: ﴿ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ﴾، فالمراد به الرجوع بعد سلوك طريق الهداية، وهؤلاء الخوارج وغيرهم إنما غالوا فيما هم عليه فجاءوا بهذا المذهب، وإلا كانوا على خير، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «تحقرون صلاتكم عند صلاتهم، وصيامكم عند صيامهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية»، وجاء في لفظ: «يدخلون فيه ثم يخرجون». وهذا يدل على أن أول أمرهم كان حسنًا. ولهذا من تأمل رؤوس الخوارج وجد أنهم كانوا طلبة علم، فهذا نجده كان من طلاب ابن عباس، وكذلك أيضًا غيرهم من رؤوس الخوارج الذين خرجوا كانوا طلبة علم، ثم سلكوا طريقًا غير صحيحة، فكفروا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وخرجوا عن طريقتهم، فلذلك فهم يدخلون في هذه الآية. وكما قلنا: المراد هنا ليس أن الكفار لا تسود وجوههم، بل كفار قد ذكر الله عز وجل أنها تسود وجوههم في النار وتحترق، وكذلك يأتون يوم القيامة وجوههم عليها غبرة ترهقها قترة، أولئك هم الكفرة الفجرة. وأيضًا يدخل في هذا أي: سواد الوجوه أهل الأهواء، كما قال الإمام مالك: هذه الآية في أهل الأهواء، صح ذلك عنه رحمه الله، أي أنها تسود وجوههم. فهي بشارة لأهل السنة وأهل الطريقة الصحيحة الذين سلكوا طريقة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ثم قال جل وعلا: ﴿ وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾. عن هؤلاء الذين بيضت وجوههم وهم أهل السنة وأهل الاتباع، فأول ما يأتون إلى ذلك اليوم العظيم فهم في رحمة الله، يقلبون في رحمة الله وفضله وكرمه جل وعلا، وكذلك هم أهل الجنة خالدين فيها. فهذا معنى الآية، وكما قلنا: أن المؤلف رحمه الله أجملها لكن ذكر أو ضمنها جميع الأقوال التي قيلت في هذه الآية، لأن بعضهم يقول في الكفار، ومنهم من قال في المنافقين، ومنهم من قال في أهل الأهواء. فنكتفي بهذا والله تعالى أعلم.