الدرس في تذكير أهل الإيمان بجملة من أسباب محبة الرحمن 6، ألقاها
يُعد أداء الفرائض من أحب الأعمال إلى الله، والمداومة على النوافل ترتقي بالعبد إلى مرتبة المحبة الخاصة والولاية. يستدل المقطع بالحديث القدسي الذي يبين أن الله يتولى حواس العبد وجوارحه حين يحبه، محذراً من عداوة أولياء الله والعلماء.
يجب على العبد استعمال جوارحه في طاعة الله لأن الغاية من الخلق هي العبادة، فيبادر بالأعمال الصالحة ويسابق إلى مغفرة الله وجنته. يستشهد المقطع بهدي النبي صلى الله عليه وسلم في قيام الليل وشكره، محذراً من الفتن التي تقلب القلوب وتشتت عن الطاعة.
يستعرض المقطع هدي النبي صلى الله عليه وسلم في طول قيام الليل وقراءته المترسلة مع التدبر، ويحث على الاقتداء به والإكثار من السجود. يبرز منافسة الصحابة رضوان الله عليهم في أبواب الخير كسبق أبي بكر في الصدقة ودعاء ابن مسعود، مؤكداً أن المسارعة للطاعات سبب لدخول الجنة من أبوابها كلها.
يدعو المتحدث الله في شهر رمضان أن يوفق المسلمين للطاعات ويجنبهم المعاصي، وأن يجعلهم من المحبوبين المغفور لهم والعتقاء من النار. يختم المقطع بالصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح لهذه الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، ترك الأمة على مثل البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك. ثم أما بعد: فقد تكلمنا في المجلس الماضي من المجالس الرمضانية التي تتعلق بذكر جملة من أسباب محبة الرحمن لعباده المؤمنين، وتكلمنا في المجلس الماضي حول ما يتعلق باتباع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأنه يعتبر من أعظم الأسباب التي ينال بها العبد محبة الله تبارك وتعالى: ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾. قلنا: ليس هناك طريق للناس أجمع إلى جنة الله تبارك وتعالى ورضوانه إلا من طريقه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كما في البخاري من حديث أبي هريرة قال عليه الصلاة والسلام: «كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى». قالوا: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: «من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى». تمسك بهدي النبي صلى الله عليه وسلم يعتبر صمام أمان، وكذلك سفينة نجاة ينجو العبد بها من الظلمات، وكذلك أيضًا من المهالك، وهكذا أيضًا من النار والعياذ بالله. ولهذا مر معنا كلمة إمام دار الهجرة الإمام مالك رحمه الله تعالى إذ يقول: «سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم كسفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق وهلك، غرق وهلك». ويقول الإمام الزهري رحمه الله تعالى: قال: أدركنا علماءنا يقولون: «التمسك بالسنة نجاة، والعلم يقبض قبضًا سريعًا، وفي حياة العلم أو في نعش العلم أو في عيش العلم حياة الدنيا والدين». فينبغي على الأمة أجمع أن تتمسك بهديه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأن لا تستبدله بالبدع والأهواء، وهكذا أيضًا بالمخالفات والمحدثات، فإن هذا كله يعتبر نذير شر وضرر كبير وخطر عظيم على هذه الأمة. ولهذا كان نبينا صلى الله عليه وسلم يحذر من ذلك، فكان يقول: «وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار». وفي هذا المجلس أحب أن نتذاكر سببًا آخر وأمرًا كذلك أيضًا يعتبر من الأمور العظيمة التي ينبغي علينا جميعا معاشر أهل الإيمان وأمة التوحيد والإسلام أن نهتم به، وأن نوليه عناية عظيمة ورعاية بالغة، وهو يعتبر كذلكم من الأسباب الجالبة لمحبة الرحمن تبارك وتعالى لعباده. هذا هو ما يتعلق بأداء الفرائض، وهكذا الجد والاجتهاد في فعل النوافل، والمسارعة والمسابقة إلى فعل الخيرات والأعمال الصالحات. أخرج الإمام البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال نبينا صلى الله عليه وسلم: «يقول الله تعالى: من عاد لي وليًا فقد آذنته بالحرب، من عاد لي وليًا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، قال: ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه». هذا الحديث إخواني في الله من الأحاديث القدسية العظيمة الجامعة النافعة، وفيها يبين ربنا تبارك وتعالى في أوله: قال: «من عاد لي وليًا فقد آذنته بالحرب»، أي أعلمته بأني محارب له. من هم أولياء الله عز وجل؟ أولياء الله هم المؤمنون المتقون لله تبارك وتعالى: ﴿ أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ﴾. هذا هما أمر وشرط الولاية: الإيمان والتقوى. ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ﴾. وفي مقدمة هؤلاء الأولياء أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وهكذا من تبعهم بإحسان، وهكذا أهل العلم والصلاح. ولهذا يقول الإمام أبو عبد الله الشافعي رحمه الله تعالى: قال: «إن لم يكن العلماء هم أولياء الله فلا أعلم لله ولي». هذا الإمام الشافعي الذي كان يلقب بناصر السنة، يقول: «إن لم يكن العلماء هم أولياء الله فلا أعلم لله ولي». ولهذا من عاد العلماء فإن الله تبارك وتعالى يعاديه: ﴿ مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ ﴾. ولهذا يحذر المسلم كل الحذر من أن يجعل خصمه هم العلماء، فلربما نال من أعراضهم، ولربما طعن في ديانتهم، فهذا عنده لربما مبتدع، وهذا حزبي، وهذا صاحب دنيا، وهذا يلهث وراء الدنيا، وهذا صاحب مشاريع، وهذا وهكذا. فلربما يعاقب الله هذا العبد على طعنه في أهل العلم، وعلى محاربته لأولياء الله تعالى. لربما يعاقبه في الدنيا قبل الآخرة، لربما يعاقبه الله في الدنيا بالفتن وهكذا غيرها في الدنيا قبل الآخرة. ثم بيّن ربنا تبارك وتعالى قال: ﴿ وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ ﴾. أداء الفرائض يعتبر من أحب الأعمال إلى الله تبارك وتعالى، وهذا يشمل فعل الواجبات وترك المحرمات، فهذا كله من الفرائض. وكون الشخص يفعل الواجب ويترك المحرم، هذه مرتبة يسميها أهل العلم بمرتبة الاقتصاد، صاحبها مقتصد وهو على خير، لكن لربما فاته أجر عظيم ودرجات عالية عند الله تبارك وتعالى. ولهذا قال ربنا في المرتبة الأخرى: ﴿ وَلَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ ﴾. وهذه هي مرتبة السابقين المقربين إلى الله تبارك وتعالى، الذين جمعوا مع أداء الفرائض من فعل الواجبات وترك المحرمات، نعم جمعوا إليها فعل النوافل والمستحبات، وهكذا وهكذا اجتناب المكروهات. وهذه مرتبة عالية ودرجة رفيعة، يوفق الله تبارك وتعالى لها من شاء من خلقه وعبيده، من شاء من خلقه وعبيده وعبيده. ثم ذكر ربنا تبارك وتعالى قال: «فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها». هذا ليس فيه دليل لأصحاب وحدة الوجود أو القائلين بالوحدة والاتحاد أو غير ذلك من البدع الكفرية، وأن الله تبارك وتعالى يحل في هذا العبد. وإنما معنى هذا الحديث: «كنت سمعه الذي يسمع به»، أي أن الله تبارك وتعالى يوفقه للخير، فلا يسمع بأذنيه إلا خيرًا، لا يستمع إلى الغيبة، لا يستمع إلى النميمة، لا يستمع إلى الكذب، لا يستمع إلى الأغاني، لا يستمع إلى المعازف وآلات اللهو والطرب المحرمة، وهكذا هلما جرى من هذه الأمور المحرمة. وكذلك: «كنت بصره الذي يبصر به»، فلا يستعمل هاتين العينين اللتين هما من نعم الله العظيمة إلا في الخير وفي الطاعة. ﴿ أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ ﴾. فلا ينظر بعينيه إلا إلى خير وإلى ما أباح الله له، ولا ينظر بهما إلى الصور الخليعة، وإلى النساء العاريات المائلات المميلات، لا يتتبع بها عورات المسلمين ونساء المسلمين، وإنما يستعملهما في الخير. وهكذا في يديه ورجليه، لا يستعملهما إلا في الخير. وقال في خاتمة هذا الحديث: «ولئن سألني لأعطينه». هذه كرامة من الله تبارك وتعالى لأوليائه، من سأله أعطاه. «ولئن استعاذني لأعيذنه». ومما ينبغي علينا أن نعلمه إخواني في الله: أن الله تبارك وتعالى خلق العباد في هذه الدنيا لحكمة عظيمة وغاية بالغة، قامت لها السماوات والأرض، وقامت لها سوق الجنة والنار، جعل الله يومًا يجازي فيه العباد على ما عملوا من خير أو شر. خلق الله الخلق لعبادته، ولكي يتقربوا إليه بالطاعات وفعل الأعمال الصالحات: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ﴾. العبد في هذه الدنيا حين أن يجد ويجتهد في طاعة ربه ومولاه في جمع الأجور والحسنات وفعل الأعمال الصالحات، إنما ينفع نفسه ويقدم شيئًا لنفسه. وأما رب العالمين تبارك وتعالى فهو الغني الحميد، لا يزيد في ملكه طاعة الطائعين ولا عبادات المحسنين، كما أنه لا ينقص ملكه معصية العاصين ولا أفعال المجرمين: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ * إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ * وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ ﴾. لهذا الواجب على أهل الإيمان أن يسارعوا، وأن يسابقوا، وأن يبادروا إلى فعل الطاعات، استغلوا هذه الفرص، ويستغلوا هذه المواسم وهذه المناسبات، بل ويستغلوا العمر أجمع في طاعة الله عز وجل. هذه الدنيا ما هي إلا مزرعة للآخرة، ما هي إلا مزرعة، من زرع خيرًا وجد خيرًا، ومن زرع غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه. الله عز وجل أمرنا أن نسارع وأمرنا أن نسابق، قال ربنا تبارك وتعالى: ﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾. ربنا تبارك وتعالى يقول: ﴿ سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ﴾. ربنا تبارك وتعالى يقول: ﴿ لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ ﴾، ويقول جل في علاه: ﴿ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ ﴾. اليوم إخواني في الله، تنافس جل الناس إلا من رحم الله على الدنيا، على الأموال، على التجارة، على المركوبات من السيارات والدراجات، على عمارة المزارع والحقول، على بناء القصور والدور، على جمع الدينار والدرهم، إلا من رحم الله عز وجل. لكن قل لي بربك يا عبد الله: أين المتنافسون على الآخرة؟ أين المتنافسون على جنة عرضها السماوات والأرض؟ نبي صلى الله عليه وسلم يقول في غزوة أحد: «قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض». قال لأصحابه: «قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض». فيأتي بعض الصحابة وفي يده بعض التمرات يريد أن يأكلها، فيقول: «بخٍ بخٍ». فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ما حملك على ذلك؟» قال: رجاء أن أكون من أهلها. والآخر يلقي التمرات ويقول: «لئن بقيت حتى آكل هذه التمرات إنها لحياة طويلة، حياة طويلة». يبقى يأكل بعض التمرات ثم يقوم ويقاتل في سبيل الله عز وجل. قال: «لئن بقيت إنها لحياة طويلة». فيلقي التمرات ويقبل على العدو، فيكرمه الله عز وجل بالشهادة، ومن ثم جنة عرضها السماوات والأرض. أين المتنافسون على حفظ القرآن، على مجالس العلم، على صيام النهار، على قيام الليل، على تفقد الفقراء والمساكين والأرامل والأيتام؟ أين المتسابقون في صلة الأرحام والإحسان إلى الجيران، وهكذا غيرها من أبواب الخير؟ قليل يا عباد الله إلا من رحم الله عز وجل. نبي صلى الله عليه وسلم كان يقول كما في صحيح الإمام مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: قال عليه الصلاة والسلام: «بادروا بالأعمال، بادروا بالأعمال، فتنا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، يبيع دينه بعرض من الدنيا». انظر يا عبد الله، النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «بادروا بالأعمال، أسرع، استغل الفرص قبل أن يأتي زمان الفتن». وإذا جاء زمان الفتن، لربما لا يستطيع العبد أن يؤدي فيه الطاعة، أو لربما شغل عن العبادة. فتن عظيم يا عباد الله، يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا. اليوم إذا أصاب الناس فتنة تصيب الناس فتنة، يصيرة لا يصبح مؤمن ويمسي كافر ولا العكس، وإنما هو بأمن وأمان وعلى خير، ومع هذا لربما شغل من شغل من الناس، شغل من شغل من الناس بالفتن اليسيرة التي لربما على أموال أو على رئاسة أو على مناصب. الذي كان يقرأ القرآن من بعد الفجر إلى الشروق انشغل، ما هو إلا قيل وقال، وصلح وعمل، وفعلوا وذهبوا وجاءوا، أين القرآن يا عبد الله؟ الذي كان محافظا على الذكر وتلاوة القرآن من الظهر إلى العصر في كل عام، اليوم لربما يشغل قيل وقال إلى أذان العصر، ومن بعد العصر إلى المغرب، ومن بعد الإفطار إلى العشاء، ولربما شغل من شغل عن صلاة التراويح بسبب ماذا؟ القيل والقال، الناس صلون، ولربما انشغل عن العبادة بسبب بعض الفتن اليسيرة. كيف لو جاءت الفتن العظام؟ كيف سنفعل؟ التي لربما كانت تتلاطم كأمواج الجبال، كأمواج الجبال، كأمواج الجبال تتلاطم، فتن من شدتها يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا، يمسي كافرًا، وهكذا العكس. فاللهم سلم، سلم، ونسأل الله الثبات إلى الممات. ولهذا إخواني في الله، ينبغي علينا أن نعتبر، وينبغي علينا أن نتأمل في حال نبينا صلى الله عليه وسلم الذي جعل الله لنا فيه الأسوة الحسنة والقدوة الطيبة، عليه الصلاة والسلام. نبي عليه الصلاة والسلام كان يقوم من الليل حتى تتفطر قدمه، تتشقق وهو قائم يصلي لله تبارك وتعالى. فتقول له أم المؤمنين: يا رسول الله، تفعل كل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فيقول عليه الصلاة والسلام: «أفلا أكون عبدًا شكورًا». في الصحيحين من حديث عائشة، وجاء نحوه من حديث المغيرة بن شعبة رضي الله تعالى عنهما. هذا نبينا عليه الصلاة والسلام الذي هو خاتم الأنبياء والمرسلين، وسيد الأولين والآخرين، صاحب الحوض المورود والمقام المحمود والشفاعة العظمى، أول من يستفتح باب الجنة فيستأذن، فيقول الملك: من؟ فيقول: محمد، فيقول الملك: ومُرِتْ ألا أفتح لأحد قبله، فيدخل عليه الصلاة والسلام، ثم يشفع في أهل الجنة بأن يدخلوا الجنة. ومع هذا كان يقوم من الليل مصليًا حتى تتفطر قدماه. واليوم يا عباد الله، كم من الناس من أضاع قيام الليل وانشغل عن صلاة التراويح؟ لربما إذا وجد الناس في الركع الأخيرة وفيها «قل هو الله أحد» قام مسرعًا ودخل مع الناس يصلي. أين الجد يا عباد الله؟ أين المسارعة؟ أين هدي النبي صلى الله عليه وسلم؟ ابن مسعود يقول كما في الصحيحين: قال: صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة، قال: فقام قيامًا طويلًا حتى هممت بأمر سوء. قيل: يا أبا عبد الرحمن، وبما هممت؟ قال: أن أجلس وأدعه. في صحيح مسلم من حديث حذيفة قال: صليت ذات ليلة مع النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الليل، قال: فاستفتح بالبقرة، سورة البقرة. يقول حذيفة: فقلت: يركع عند المئة، مئة آية. قال: ثم مضى. قال: فقلت: يصلي بها في ركعة. قال: ثم مضى. قال: فقلت: يركع بها. قال: ثم مضى حتى استفتح النساء فقرأها، ثم آل عمران فقرأها، ثلاث سور: البقرة والنساء ثم آل عمران، يقرأها النبي صلى الله عليه وسلم في قيام واحد. وهل وقف الأمر عند ذلك؟ لا. قال حذيفة: وكان يقرأ مترسلًا آية آية، قال: وكان إذا مر بآية تسبيح سبح، وإذا مر بآية سؤال سأل، وإذا مر بآية تعوذ تعوذ. قال: ثم ركع فجعل يقول: سبحان ربي العظيم، سبحان ربي العظيم. قال: فكان ركوعه قريبًا من قيامه. قال: ثم رفع فجعل يقول: سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد. قال: فكان قيامه قريبًا من ركوعه. وهكذا إلى آخر حديثه صلى الله عليه وعلى آله وسلم. في صحيح مسلم كذلك من حديث أبي فراس ربيعة الأسلمي، وكان من أهل الصفة، وكان يخدم النبي صلى الله عليه وسلم، إذا قام النبي من الليل فيأتيه بوضوئه وحاجته. فكأن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يكافئه يومًا، قال: «سل يا ربيعة». فرصة الآن، تمنى رجل من أهل الصفة ليس له بيت وليس له مال وليس له زوجة ولا أولاد ولا إبل ولا شياه ولا شيء. قال: «سل يا ربيعة». فقال ربيعة رضي الله تعالى عنه: أسأل مرافقتك في الجنة. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أو غير ذاك يا ربيعة؟ اسأل غير هذا، اسأل المال، اسأل الزوجة، اسأل البيت، اسأل المزرعة والنخيل، اسأل الشاة والبعير، أو غير ذاك يا ربيعة». قال: هو ذاك يا رسول الله، هو ذاك يا رسول الله. قال عليه الصلاة والسلام: «فأعني على نفسك بكثرة السجود، بكثرة السجود». أي كثرة الصلاة لله تبارك وتعالى. في صحيح مسلم كذلك عن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «عليك بكثرة السجود، فإنك لن تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة، وحط عنك بها خطيئة». أكد يا عباد الله، يربي النبي صلى الله عليه وسلم أمته وأصحابه على الجد والاجتهاد والمسابقة في طاعة المولى تبارك وتعالى. وأختم هذا المقام ببعض ما ورد حول مسابقة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في باب الخير والأعمال الصالحة. فجاء في سنن الترمذي من حديث عمر رضي الله تعالى عنه قال: أمر النبي صلى الله عليه وسلم يومًا بالصدقة. قال عمر: فوافق ذلك مالًا عندي، عنده مال، وكان محتفظًا به. قال عمر: فقلت: اليوم أسبق أبا بكر، إن سبقته يومًا، هذه فرصة في أبي بكر، اليوم أسبق أبا بكر، إن سبقته يومًا. قال: فجئت إلى النبي صلى الله عليه وسلم بنصف مالي. فقال عليه الصلاة والسلام: «ما أبقيت لأهلك يا عمر؟» قال: أبقيت لهم مثله، يعني النصف الثاني. قال عمر: فجاء أبو بكر بماله كله. قال: فجاء أبو بكر بماله كله. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما أبقيت لأهلك يا أبا بكر؟» قال: أبقيت لهم الله ورسوله. ثق بالله عز وجل أن الله عز وجل سيخلف عليه بخير من ذلك، وفعل ربنا عز وجل فأخلف عليه بخير من ذلك. ماذا قال عمر؟ قال عمر حين أن رأى ذلك: «والله لا أسابقك أبدًا، والله لا أسابقك أبدًا». جاء في مسند الإمام أحمد كذلك عن عمر قال: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر، قال: فمررنا على بيت عبد الله بن مسعود في ساعة من الليل. ماذا كان يصنع بن مسعود؟ هل كان في قيل وقال أو غيبة أو نميمة، أو كان في لعب وضحك؟ لا يا عباد الله، كان قائمًا يصلي. قال: فجعل يقرأ ثم ركع وسجد. فلما سمع النبي صلى الله عليه وسلم قراءة بن مسعود قال: «من أراد أن يقرأ القرآن غضا طريا كما أنزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد»، يعني ابن مسعود. ولما سمعه يدعو، بماذا يدعو؟ كان يقول: «اللهم إني أسألك إيمانًا لا يرتد، ويقينًا لا ينفذ، ومرافقة نبيك صلى الله عليه وسلم في أعلى جنات الخلد». قال النبي صلى الله عليه وسلم: «سل تعطه، سل تعطه». يقول عمر: فأدلجت إلى ابن مسعود، ذهب في ساعة متأخرة من الليل، قال: لكي أبشره بما قال النبي صلى الله عليه وسلم. قال: فلما طرقت الباب، أو قال: فلما سمع صوتي، فقال: يا عمر، ما جاء بك في هذه الساعة؟ قال: جئت لكي أبشرك بما قال النبي صلى الله عليه وسلم. فقال ابن مسعود: «سبقك أبو بكر، سبقك أبو بكر». فقال عمر رضي الله تعالى عنه: «إن يفعل فإنه سابق بالخيرات، فإنه سابق بالخيرات، ما استبقنا إلى خير قط إلا سبقنا إليه أبو بكر، ما استبقنا إلى خير قط إلا سبقنا إليه أبو بكر». في الصحيحين من حديث أبي هريرة قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من أنفق زوجين في سبيل الله دُعي من أبواب الجنة». يا عبد الله هذا خير. قال: «فإن كان من أهل الصلاة دُعي من باب الصلاة، وإن كان من أهل الجهاد دُعي من باب الجهاد، وإن كان من أهل الصيام دُعي من باب الريان، وإن كان من أهل الصدقة دُعي من باب الصدقة». ماذا قال أبو بكر؟ قال: «بأبي أنت وأمي يا رسول الله، ما على أحد من ضرورة إذا دُعي من هذه الأبواب، فهل يُدعى أحد من هذه الأبواب كلها؟» قال: «نعم، وأرجو أن تكون منهم». مقصد أبي بكر أنه يريد أن يكون من أهل الصلاة، ومن أهل الصيام، ومن أهل الجهاد، ومن أهل الصدقة. وهكذا ما من باب من أبواب الخير إلا وسينافس فيه ويسابق عليه، فيدعى من جميع أبواب الجنة، فيدعى من جميع أبواب الجنة. فأين أمثال هؤلاء الرجال الذين يتسابقون على الخيرات ويتنافسون في فعل الأعمال الصالحات؟ نسأل المولى تبارك وتعالى في هذا الشهر الكريم أن يأخذ بنواصينا إلى فعل الخيرات، وأن يجنبنا المعاصي والسيئات. نسأله سبحانه أن يجعلنا جميعا ممن يوفق إلى العمل الصالح، وممن ينال محبة الله تبارك وتعالى ومغفرته، وأن يكون من العتقاء من النار. إنه ولي ذلك والقادر عليه. صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله، والله تعالى أعلم.