تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 85

تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 85

الدرس في تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 85، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تحذير المؤمنين من طاعة الكافرين وبيان عداوتهم

يفسر العلامة السعدي آيات النهي عن طاعة الكافرين، مبيناً أن قصدهم رد المؤمنين إلى الكفر والخسران، وأن اليهود والنصارى والمشركين لا يرضون عن المؤمنين إلا باتباع ملتهم، ويوضح أن حقدهم وحسدهم سببه عجزهم عن الصبر على دين الحق لاتباع أهوائهم.

نصر الله للمؤمنين بإلقاء الرعب في قلوب الكافرين

يشرح المقطع كيف أن الكافرين يحقدون على المؤمنين ويمكرون بهم، لكن الله يتولى نصر المؤمنين ويعدهم بإلقاء الرعب في قلوب أعدائهم، كما ورد في القرآن الكريم وفي حديث النبي ﷺ عن نصره بالرعب مسيرة شهر، مما يجعل الكفار يخافون من أهل الإيمان المتمسكين بدينهم.

أشكال النصر الإلهي وأسبابه وشروط تحققه

يبيّن المقطع أن نصر الله للمؤمنين يتمثل في قطع شأفة الكافرين أو خزيهم، وأن الرعب في قلوب المشركين سببه شركهم بالله بغير سلطان، فانقطعوا عن ولاية الرحمن فخافوا في الدنيا ومصيرهم النار في الآخرة، ثم يذكر شروط النصر: عدم طاعة الكافرين، الاعتقاد بأن الله مولى المؤمنين، التمسك بالله وحسن الظن به، والثبات على ذلك.

شروط نصر الله لعباده ووجوب نصر دينه

يشير المقطع إلى أن نصر الله مشروط بإيمان العباد به سبحانه، مستدلاً بقوله تعالى: ﴿ إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ﴾، مؤكداً أن توفر شروط الإيمان يضمن التأييد الإلهي والثبات.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وآله وسلم. أما بعد، قال العلامة السعدي رحمه الله عند قول الله جل وعلا: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ * سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ ﴾. قال رحمه الله: وهذا نهي من الله للمؤمنين أن يطيعوا الكافرين من المنافقين والمشركين، فإنهم إذا أطاعوهم لم يريدوا لهم إلا الشر، وهم قصدهم ردهم إلى الكفر الذي عاقبته الخيبة والخسران. هذا همهم، أنهم كما قال الله عز وجل: ﴿ وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ﴾، أي حتى تكفر مثلهم. فهم لا يحبون أهل الإيمان ولا يودونهم ولا يريدون لهم الخير في أي زمن كانوا، وإنما يتربصون بأهل الإيمان الشر. فإن أطاعوهم -أي أهل الإيمان أطاعوا هؤلاء الكفار في شيء- فالغالب أنهم ما يريدوا مصلحتهم، وإنما يريدوا لهم الشر، وقصدهم أيضًا ردهم إلى الكفر. فلذا تجد عند اليهود خاصة وأهل الكفر عامة عندهم حقد على أهل الإيمان، وحسد يحسدونهم على دينهم، على إيمانهم، على تمسكهم بما هم لم يستطيعوا أن يصبروا عليه. لأن اليهود ما صبروا على دينهم، والنصارى كذلك، وأيضًا غيرهم من المشركين ما صبروا على دين الله، وهم يعلمون أنه الحق، لكنهم ما صبروا لأجل شهواتهم أو لأجل ما عندهم من الأهواء. فلذا صرفهم هذا الشيء عن الخير، فأرادوا أن يثبتوا أنهم على طريقة صحيحة، لهذا تجدهم يحقدوا ويحسدوا أهل الإيمان وأهل الطاعة، وأيضًا يمكرون بهم، كما قال الله عز وجل لنبينا الكريم: ﴿ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ﴾. قال: ثم أخبر أنه مولاهم وناصرهم، أي ناصر أهل الإيمان، ﴿ بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ ﴾، ففيه إخبار لهم بذلك وبشارة بأنه يتولى أمورهم بلطفه ويعصمهم من أنواع الشرور، وفي ضمن ذلك الحث لهم على اتخاذه وحده وليًّا وناصرًا من دون كل أحد. فمن ولايته ونصره لهم أنه وعدهم أنه سيلقي في قلوب أعدائهم من الكافرين الرعب، وهو الخوف العظيم الذي يمنعهم من كثير من مقاصدهم، وكما جاء في الحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين عن جابر -أو في البخاري ومسلم عن جابر- أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «أعطيت خمسًا لم يعطهن نبي قبلي»، وذكر منها: «ونصرت بالرعب مسيرة شهر». ونصرت بالرعب، أي نصر بالخوف، عليه الصلاة والسلام. المراد بالرعب الذي يلقى أو الذي يلقيه الله عز وجل في قلوب الكفار. ولهذا يقول الله عز وجل: ﴿ لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ﴾، أن الله عز وجل ألقى على قلوب الكفار رهبة للمؤمنين، خوفًا وهم بعيد. ﴿ لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ﴾، فتجد أن هؤلاء الكفار يخافون من أهل الإيمان، وخاصة إذا تمسكوا بدينهم. عندهم أخوف الناس من يتمسك بدينه. قالوا: لا شك أن هذا من أعظم النصر، لأنه قد تقدم أن نصر الله لعباد المؤمنين لا يخرج عن أحد أمرين: إما أن يقطع طرفًا ممن كفر، أو يكبتهم فينقلبوا خائبين. إما أن يقطع طرفًا ممن كفر، أو يكبتهم فينقلبوا خائبين. إما أنه يعنى يأخذ أهل الإسلام منهم أسرى، وإما أنهم يهزموا، ففي كل الحالتين هي لهم هزيمة ولأهل الإيمان نصر. قال: ثم ذكر السبب الموجب لإلقاء الرعب في قلوب الكافرين، فقال: ﴿ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا ﴾، أي ذلك بسبب ما اتخذوا من دونه من الأنداد والأصنام التي اتخذوها على حسب أهوائهم وإرادتهم الفاسدة من غير حجة ولا برهان، وانقطعوا من ولاية الواحد الرحمن. فمن ثم كان المشرك مرعوبًا من المؤمنين، أي خائفًا، لا يعتمد على ركن وثيق، وليس له ملجأ عند كل شدة وضيق. وهذا حاله في الدنيا لأنه قطع الأوصال التي بينه وبين الله، فليس هناك وصل يصله بالله جل وعلا لأنه قطع هذه الحبال. ﴿ وَأَمَّا فِي الْآخِرَةِ فَأَشَدُّ وَأَعْظَمُ ﴾، ولهذا قال جل وعلا: ﴿ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ ﴾، أي مستقرهم والذي يأوون إليه وليس لهم عنها خروج، ﴿ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ ﴾، أي بسبب ظلمهم وعدوانهم صارت النار مثواهم. فهذا معنى هذه الآيات العظيمة التي فيها نصر الله عز وجل لأهل الإيمان، لكن بشرط، أو بشروط، ومنها أنهم لا يطيعوا الكفار بل يعادونهم، والأمر الثاني أو الشرط الثاني أنهم يعتقدون أن الله مولاهم وناصرهم، والأمر الثالث أنهم يتمسكوا بالله جل وعلا، وأيضًا يظنون بالله الظن الحسن وأنه سينصرهم على أعدائهم، وأنه يلقي الرعب في قلوب أعدائهم، ومن ثم بعد ذلك أيضًا أن يثبتوا على إيمانهم بالله جل وعلا. فإذا توفرت هذه الشروط فإن الله عز وجل ناصر عباده: ﴿ إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ﴾. فهذا ما يذكر، الله تعالى الله تعالى. ترجمة نانسي قنقر. ترجمة نانسي قنقر.