الدرس في تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 108، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
الأموال ملك لله وحده وتعود إليه يوم القيامة، فلا يصحب الإنسان منها شيئاً؛ البخل بما آتاه الله شرٌ لصاحبه لأن المال هبة من الله وسيرجع إليه فيحاسب عليه العبد.
المال فضل من الله والإنسان مستخلف فيه لا مالك؛ منع حق الله في المال كزكاة وصدقة بخل، والواجب شكر النعمة بالإنفاق في سبيل الله.
البخل لا ينفع صاحبه لأن الأموال كلها ترجع إلى الله، وتوعد القرآن البخلاء بالعذاب بينما يحث الله على الإنفاق لعلمه بأعمال العباد وجزائه عليها؛ كما أن الحمى والمرض من رحمة الله تكفير للسيئات، داعياً إلى التعاون والإنفاق ليكون المؤمنون كجسد واحد.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال العلامة سعد رحمه الله في قوله جل وعلا: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُم بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾. فقوله: ﴿وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، فأخذنا الذي سبق، فقال: وقوله جل وعلا: ﴿وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، أي: هو تعالى مالك الملك، وترد جميع الأملاك إلى مالكها، وينقلب العباد من الدنيا ما معهم جرهم ولا دينار ولا غير ذلك من المال، فالمال أصلًا مال الله عز وجل، ويرجع إليه. ﴿وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، كل شيء يرجع إلى الله جل وعلا، والإنسان يخرج من هذه الدنيا وليس معه شيء من هذه الأموال التي جمعها، ولا غيره، ولا من الدور، ولا أي شيء يأخذه معه، وإنما هي لله جل وعلا، كما قال جل وعلا: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَن عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾. «نرث الأرض» أي: نجعلها، أي: هذه الأرض ترجع إلينا كإرث، وكأن الله عز وجل يبين أنه لا أحد يبقى له هذا المال، وإنما هذا المال يرجع إلى الله جل وعلا، وأيضًا كذلك يرجع أيضًا صاحب المال، ﴿كُلُّهُمْ آتِي الرَّحْمَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَبْدًا ۚ لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا﴾. قال: وتأمل كيف ذكر السبب الابتدائي والسبب الغائي الموجب، كل واحد منهما ألا يبخل العبد بما أعطاه الله. فالله عز وجل بين أن هذا المال أعطاه الله للعب، وأيضًا كذلك سيرجع إليه، سيرجع إليه. فقال المؤلف هنا: وتأمل كيف ذكر السبب الابتدائي، وهو قوله جل وعلا: ﴿آتاه الله من فضله﴾، ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾، فهذا المال إنما آتاه الله عز وجل فضلًا منه لهذا العبد، فهذا السبب الابتدائي. والسبب الغائي: أنه يرجع إلى الله، ﴿وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. وبين ربنا جل وعلا أنه خول هذا الإنسان في هذا المال، ﴿جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾، جعل الله عز وجل هذا العبد مستخلفًا في المال فقط، وليس مخولًا عليه، أو ليس هذا المال ماله أصلًا، وإنما المال مال الله جل وعلا، جعل هذا العبد مستخلفًا فيه، ﴿جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾. قال: أكبر: أولًا أن الذي عنده وفي يده فضل من الله ونعمة ليس ملكًا للعبد، بل لولا فضل الله عليه وإحسانه لم يصل إليه منه شيء، فمنعه ذلك منع، فمنعه ذلك منع لفضل الله وإحسانه. أي: هذا العبد إذا منع ما أعطاه الله عز وجل مما أوجبه الله عز وجل عليه، فهو يمنع فضل الله وإحسانه عليه. فهذا المال من فضل الله، وكيف يمنع ما يأمره الله عز وجل به؟ ولأن إحسانه موجب للإحسان إلى عبيده، كما قال تعالى: ﴿وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾. فمن تحقق أن ما بيده فضل من الله لم يمنع الفضل الذي لا يضره، بل ينفعه في قلبه وماله، وزيادة إيمانه، وحفظه من الآفات. فهذا الذي يبخل بما أعطاه الله عز وجل إنما يبخل بمال الله، يبخل عن مال الله الذي أعطاه الله سبحانه وتعالى. فالواجب أنه يشكر نعمة الله عز وجل عليه بأنه أعطاه هذا المال، فيخرج زكاة هذا المال، وكذلك أيضًا من شكره، ومن شكره لله أن يتصدق ويفعل الخير بهذا المال. قال: ثم ذكر ثانيًا: أن هذا الذي بيد العباد كلها ترجع إلى الله ويرثها تعالى، وهو خير الوارثين، فلا معنى للبخل بشيء هو زائل عنك منتقل إلى غيرك. أي: أن هذا البخل ليس نافعه، حتى لو بخلت على هذا، فالله عز وجل يبين أن البخل لا ينفع الإنسان أبدًا، بل يضره في الدنيا والآخرة، ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُم بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُم﴾، ﴿بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾، فالذي يبخل إنما يبخل عن نفسه، كما قال الله عز وجل: ﴿وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاءُ﴾. قال الله عز وجل: ﴿وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾. قال: ثم ذكر ثانيًا: أن هذا الذي بيد العباد كلها ترجع إلى الله ويرثها جل وعلا، وهو خير الوارثين، فلا معنى للبخل بشيء هو زائل عنك منتقل إلى غيرك. قال: ثم ذكر ثالثًا: السبب الجزائي. معنى: ذكر أولًا الابتداء، السبب الابتدائي، ثم السبب الغائي وهو رجوع الأموال إليه، ثم بعد ذلك أيضًا ذكر سببًا جزائيًا، فقال جل وعلا: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾. فإذا كان خبيرًا بأعمالكم جميعها، ويستلزم ذلك الجزاء الحسن على الخيرات والعقوبات على الشر، لم يتخلف من في قلبه مثقال ذرة من إيمان عن الإنفاق الذي يجزي به الثواب، ولا يرضى بالإمساك الذي به العقاب. وهذا كله يدلنا على أن الله عز وجل الرحيم بعباده جل وعلا، وأنه يحب من عباده أن يتصدقوا بأموالهم ويعطوا الفقراء ويرحموهم ويشفقوا عليهم، حتى يكون أهل الإيمان كقلب واحد متوادين ومتراحمين، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث النعمان بن بشير: «ترى أهل الإيمان في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى». فهذا يدل على رحمة الله عز وجل عباده، وأنه أراد الله عز وجل بالعباد الخير، وأنهم يتعاونون فيما بينهم، فلذا بين أن الذي يبخل بماله إنما يبخل عن نفسه ويضر نفسه ولا ينفعها. فهذا ما يذكر في هذه الآية، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر