تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 112

تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 112

الدرس في تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 112، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

ابتلاء المؤمنين في أموالهم وأنفسهم وحكمة ذلك

يفسر السعدي آية الابتلاء مبيناً أن الله يختبر المؤمنين بالنفقات الواجبة والمستحبة، وبالجهاد وما فيه من تعب وقتل وأسر، وكذلك بالأمراض والمصائب في النفس والمال والولد. ويؤكد أن هذه الابتلاءات سنة كونية لتمييز الصادقين، وأن الصبر والتقوى عند حلولها من عزم الأمور.

مجاهدة النفس على البذل والتواضع والعفو

يوضح المقطع أن النفس مجبولة على الشح والبخل، وأن النجاة تكون بمجاهدة النفس على البذل في المال والعفو والتواضع مستدلاً بالآية الكريمة وحديث النبي صلى الله عليه وسلم. ويبين أن الابتلاء يكون في الأموال والأنفس والسمع من الأعداء.

حكمة ابتلاء المؤمنين بأذى الكفار ووجوب الصبر والتقوى

يشرح المقطع حكمة الله في تسلط الكفار على المسلمين بالأقوال والأفعال والمكر، مبيناً حملات النصارى على الدين واليهود على الدنيا. ويؤكد أن الواجب على المسلم عدم الاستسلام بل الصبر والتقوى ثقة بوعد الله بالنصر والجنة.

ختم الدرس وتأجيل ذكر الفوائد

أشار المتحدث إلى أن الشيخ ذكر فوائد متعددة سيتم تناولها في درس قادم، واكتفى بهذا القدر في الجلسة الحالية داعياً الله للتوفيق. ويُختتم اللقاء بالتأكيد على مواصلة الشرح في المرة القادمة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى عند قول الله جل وعلا: ﴿ لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ﴾. قال: يخبر تعالى ويخاطب المؤمنين أنهم سيبتلون في أموالهم من النفقات الواجبة والمستحبة، ومن التعريض لإتلافها في سبيل الله، وفي أنفسهم من التكليف بأعباء التكاليف الثقيلة على كثير من الناس، كالجهاد في سبيل الله، وتعرض فيه للتعب والقتل والأسر والجراح، وكالأمراض التي تصيب في نفسه أو فيمن يحب. هذه كلها ابتلاءات، ﴿ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ﴾، ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ﴾. فقد يبتلى الرجل في نفسه، وقد يبتلى في دينه، وقد يبتلى أيضًا في عرضه، وقد يبتلى في معيشته، وغيرها من الابتلاءات العظيمة. الذي خلق السماوات والأرض ليبلوكم أيكم أحسن عملًا، فهذا الابتلاء واقع على الإنسان، يبتليه الله عز وجل. ﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ﴾، هذا فتنة الدين وابتلاء الدين. فلذلك قال الله عز وجل هنا: ﴿ لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ﴾، تبتلى في المال وفي النفس، ولأن الإنسان لا يحب البذل من ماله والإعطاء من ماله، ولا أيضًا يحب بذل نفسه، وإنما غالبًا يحب المصلحة لنفسه، وأيضًا يحب المال لنفسه. فلذلك كان الإنفاق من هذه الأموال، وكذلك بذل النفس، يكون فيه شيء من العسر على الإنسان في طبعه، لكن هذا ابتلاء من الله عز وجل. ابتلاء الله عز وجل بأن يخرج المسلم من ماله زكاة ونفقة واجبة ومستحبة، واجبة على أولاده الذين استحقوا النفقة لم يبلغوا، وكذلك واجبة على زوجته، وعلى أبيه وأمه، وهكذا نفقة المستحبة أيضًا كذلك على من لا تجب عليه نفقتهم من الصدقات وغيرها. كل ذلك من ابتلاء الأموال. والنفس كما قلنا جبلت على الحرص على المال وعدم البذل، لكن كما قال الله عز وجل: ﴿ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾. إذا وقى العبد شح نفسه، سواء كان في الأموال أو في بذل النفس في التعاون وغيره، فإنه لا شك يكون من أهل الجنة. ﴿ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾. وأيضًا النفس، كما قلنا، من أصعب الأمور عليها البذل، سواء كان في المال أو في النفس. فلذلك الابتلاء يكون فيها. في حديث أبي هريرة قال: قال صلى الله عليه وسلم: «مَا نَقَصَ مَالٌ مِنْ صَدَقَةٍ، وَمَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا، وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إِلَّا رَفَعَهُ». هذه الثلاثة الأشياء ذكرت في حديث واحد، قالوا: لأن هذه الثلاثة الأشياء مما يشق على النفس بذله. المال يشق على النفس أنها تبذل ماله فتبخل به. وكذلك العفو، إذا حصل خصام بينه وبين أخيه، بينه وبين صديقه، وبين كذا، تجد أنه لا يذل نفسه عند صديقه ليعفو عنه أو يطلب منه العفو. لكن الله عز وجل، النبي صلى الله عليه وسلم قال: «وَمَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا»، يعني يزيده الله عز وجل عزًا، وهو يظن أنه ذل. الآن تجد كثيرًا من الناس يقولون: «أنا أذل نفسي عند فلان وهو عز». عفو، معنى طلبك العفو هو عز عند الله عز وجل، عزك الله. وكذلك: «وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إِلَّا رَفَعَهُ»، لأن النفس من طبيعتها أنها تتعلى، تريد أن تتعلى على غيرها، وأيضًا تتكبر. لكن من تواضع وحمل نفسه على التواضع فهو قد بذل نفسه للخير، بذل نفسه لله عز وجل. فقال الله عز وجل: ﴿ لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ ﴾، أيضًا كذلك ستسمعون من أهل الكتاب، وهم اليهود والنصارى، من قبلكم. هذا أيضًا من الابتلاء، هذا أيضًا من الابتلاء الذي يبتلى به العبد في دينه. فيتكلم عليه اليهود والنصارى، يتكلم عليه الملحدون، الملحدون يتكلمون أيضًا، وغيرهم من أعداء الله عز وجل، لأجل أن يثنوا هذا العبد عن دينه ويبعدوه عما هو عليه من الخير. فتجد أنهم يكون عندهم حنق وحسد، حسدًا من عند أنفسهم. فقال: ﴿ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا ﴾. ومن حكمة الله جل وعلا أنه يسلط أحيانًا أولًا الكفار على المسلمين، إما يسلطهم بأقوالهم وألسنتهم، وإما يسلطهم أحيانًا بأيديهم. معنى يسلط أيدي الكفار على المسلمين: يكونون يغلبونهم في الحروب وغيرهم إذا ضعف أهل الإسلام. وأيضًا قال هنا: ﴿ أَذًى كَثِيرًا ﴾، أي من الطعن فيكم وفي دينكم وكتابكم ورسولكم. انظروا إلى الحملة هذه الأزمان وهذه الأيام، خاصة حملة من النصارى خاصة في الدين، ومن اليهود في الدنيا. معنى اليهود يهتمون بأمور الدنيا، كيف يصرفون أهل الإسلام عن الخير، وإن كان أيضًا هي داخلة في الدين، لكن لا يريدون أهل الإسلام أن يرجعوا إلى دينهم وينتعشوا في دينهم، ويحاولون أنهم يمنعوا الأموال عن المسلمين، يمنعوا الأموال عن المسلمين حتى لا تكون لهم شوكة، تكون لهم قوة. والنصارى يجتهدون في أنهم يعيبوا دين الإسلام، ويظهروا كما يقولون عيوبه للناس زعموا، لكن الله عز وجل خذلهم مع محاربتهم هذه. وأيضًا وأيضًا يدخلون على أهل الإسلام بمثل هذه المنظمات التي تنشر الفساد في المجتمعات، وغيرها من الأمور التي بل حتى يدخلون في سياسة الدول، وكل ذلك لأجل أن يسيروا المسلمين على طاعتهم، وكذلك يكونون تبعًا لهم ولدينهم، كما قال الله عز وجل: ﴿ وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى ﴾. فلذلك فلا ينبغي للمسلم أن يستسلم لهؤلاء، أو أنه يركد إلى ما هم عليه، بل يعلم أنه موعود بالحق في الدنيا قبل الآخرة، وموعود بجنة الله جل وعلا في الآخرة. فلذلك يصبر ويحتسب، يصبر على هذا العداء. ﴿ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا ﴾، قد يكون كما قلنا باليد، قد يكون باللسان، وقد يكون أيضًا بالمكر، بل مكر الليل والنهار: ﴿ تَأْمُرُونَنِي أَنْ أَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا ﴾. قال: ﴿ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ﴾. وذكر هنا المؤلف رحمه الله عدة فوائد في إخبار الله عز وجل لنبيه عليه الصلاة والسلام بابتلاء أهل الإيمان في أنفسهم وأموالهم، وكذلك سماعهم من أهل الكفر بالعداء الكثير. فإن ذلك، ذكر الشيخ رحمه الله فوائد عدة، إن شاء الله نتركها في درس لاحق. فنكتفي بهذا، والله الموفق، إن شاء الله.