الدرس في تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 111، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
تؤكد الآية أن كل نفس ذائقة الموت وأن الدنيا متاع غرور زائل، بينما الآخرة هي دار الوفاء بالأجور والثواب أو العقاب. ويشير السعدي إلى أن الموت يقطع الآمال والشهوات، وأن النجاة تتحقق بذكر الموت والاستعداد للقاء الله.
يبيّن المقطع أن العاصي يظلم نفسه، بينما الله كريم ابتلاه بالطاعة والمعصية، فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز فوزاً عظيماً سواء قبل الدخول أو بعده. وتستدل الأحاديث بجزاء آخر خارج من النار بعشرة أمثال أكبر ملك في الدنيا، وبغمسة في الجنة تمحو ذكر البؤس، مؤكدة أن نعيم الجنة لا يُقاس بنعيم الدنيا.
يبرز المقطع تفوق نعيم الجنة على كل ملذات الدنيا بضرب المثل بنعل سعد بن معاذ، ويبين مصير السعداء في الجنة والأشقياء في النار خالدين فيها. كما يوضح أن الجزاء الكامل يكون يوم القيامة بينما يقع جزاء جزئي في البرزخ والدنيا قبل الحساب النهائي.
وردت نصوص متواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم تفيد بأن هذه الأمة ستعذب في قبورها، ويُذكر هذا الأمر في السياق الحالي. والله تعالى أعلم بحقيقة ذلك العذاب وتفاصيله.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى عند قول الله جل وعلا: ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾. قال رحمه الله: هذه الآية الكريمة فيها التزهيد في الدنيا بفنائها وعدم بقائها، وأنها متاع الغرور تفتن بزخرفها وتخدع بغرورها وتغر بمحاسنها. ثم فيها منتقلة ومنتقل عنها إلى دار القرار التي توفى فيها النفوس ما عملت في هذه الدار من خير وشر. فربنا جل وعلا بيّن أن ما من نفس منفوس في هذه الحياة إلا قد كتب عليها الفناء، فليس هناك لها بقاء. بل قال ربنا جل وعلا: ﴿ وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ ﴾. فما دام الأنبياء يموتون فمن باب أولى غيرهم، فليس هناك أحد يخلد في هذه الحياة. وإنما هذه الحياة دار ممر وليست دار مقر، وهي دار عمل والآخرة دار جزاء. فكما قال علي رضي الله عنه: «كونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن اليوم عمل ولا جزاء، وغدًا جزاء ولا عمل». فلهذا فهذه الدنيا كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إنما مثل هذه الدنيا كمثل راكب استظل تحت شجرة ثم تركها وذهب». فهي دار ممر، فإذا مات الإنسان ترك هذه الدنيا. ولا شك أن الموت يلاحقه والأجل يلاحقه، ويقطع عليه الآمال ويقطع عليه الشهوات، ﴿ وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلِ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ ﴾. وأيضًا قال النبي عليه الصلاة والسلام كما في الصحيحين في حديث عبد الله بن مسعود: لما خطا النبي عليه الصلاة والسلام خطًا طويلًا قال: «هذا الإنسان وهذا أمله»، ثم خطا خطًا مربعًا وقال: «هذا الأجل»، وخطا خطوطًا صغارًا داخل هذا المربع وقال: «هذه العوارض، كلما أخطأه عارض نهشه الآخر». فلهذا الدنيا دار أحزان ودار كآبة، وكذلك أيضًا معرض فيها الإنسان إلى الفتن. فلهذا فلا ينجو إلا من ذكر نفسه بالموت وأنه راجع إلى الله جل وعلا. فليتذكر هذا الموت، لأن الإنسان كلما غفل عن الموت غفل قلبه في هذه الحياة. قال رحمه الله: ﴿ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾. معنى هذه الدار دار عمل، والوفاء يكون يوم القيامة. كما جاء في الحديث القدسي الذي أخرجه الإمام مسلم، قال الله عز وجل: «يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم» أي في الدنيا التي عملتموها، «ثم أوفيكم إياها» أي يوم القيامة. وفي هذه الأعمال: فإن كانت خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه. فيوفيه الله عز وجل أهل الإيمان بالثواب العظيم، ويوفي غيرهم بالعقاب والجزاء منه جل وعلا. والجزاء من جنس العمل، وربنا جل وعلا عدل رحيم، جل وعلا كريم ولا يظلم أحدًا، سبحانه وتعالى: ﴿ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾، ﴿ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ ﴾، ﴿ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾. فالعاصي أن الإنسان هو الذي يظلم نفسه. هذه الحقيقة، وأما ربنا جل وعلا فهو كريم جل وعلا، خلق الإنسان وابتلاه في هذه الحياة، فمن اتبعه وأطاعه دخل الجنة، ومن خالفه وعصاه دخل النار. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عدي: فقال هنا: ﴿ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ﴾. فمن زحزح أي أخرج عن النار وأدخل الجنة فقد فاز. فمن زحزح عن النار، زحزح عن النار أي ابتعد عنها وأخرج منها. وسواء كان هذا الإخراج قبل الدخول أو بعده، سواء كان هذا الإخراج قبل الدخول أو بعده، فإنه يزحزح عن هذه النار إلى جنة الله جل وعلا ورضوانه، أو أنه يدخل هذه النار ثم يخرج منها، فكذلك أيضًا هو في فوز عظيم. كما جاء في حديث موسى لما طلب من ربه جل وعلا أن يريه آخر أهل الجنة خروجًا من النار، فأعطاه الله، فأعطاه الله عز وجل أشياء كثيرة، ومن ذلك أعطاه مثل عشر أمثال أكبر ملك من ملوك الدنيا الذي ملكه أكثر واحد من ملوك الدنيا. ويقال إنهم من ملك الدنيا أربعة، كما ذكر الإمام ابن القيم أن الذين ملكوا الدنيا أربعة، ذكره أيضًا ابن كثير: كافران ومسلمان. أما المسلمان فذو القرنين ونبي الله سليمان، وأما الكافران فهو يقال: بختنصر الذي قتل النصارى وأخذ ملكهم، وكذلك يقال أيضًا النمرود الذي كان في زمن إبراهيم. هؤلاء ملكوا الدنيا. فهذا الذي يخرج من النار إلى الجنة، آخر من يخرج من النار إلى الجنة، يتحصل على عشر أمثال أكبر من ملك هذه الدنيا. وهذا خير عظيم. وجاء في حديث أبي سعيد: «قال: ولك مثله». فقال أبو هريرة وكان حاضرًا، وكان حاضر المجلس: «فقد سمعت نبي الله صلى الله عليه وسلم يقول: ولك مثله، ولك مثله» حتى عدى عشر أمثال. وهذا خير عظيم. يغمس غمسة في الجنة فيقال له: «يا فلان هل مر بك بؤس قط؟ هل رأيت بؤسًا؟» فيقول: «لا يا رب، ما رأيت بؤسًا قط ولا مر بي بؤس». ويوضع أيضًا في ماء الحياة فينبتون كما جاء في الحديث: أنهم يخرجون من النار وقد امتحشوا، الأنصار حمم، الأنصار مثل الصخر، فيوضعون في ماء الحلاء، في ماء الحياة، فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل، فينبتون وتظهر محاسنهم وتغير صورهم، فيدخلون الجنة على أحسن صورة. قال: ﴿ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ﴾. أي حصل له الفوز العظيم بالنجاة من العذاب الأليم والوصول إلى جنات النعيم التي فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. فإنما مثل الدنيا كما قال ابن عباس: الأسماء الأسماء، مثل الدنيا لكن لكن اللذة، وأيضًا حجم الفاكهة أو حجم هذا المأكول وغيرها من هذه الأوصاف لا يعرف، لا تعرف. وذكر في بعض الأحاديث بعض هذه الأشياء، حتى مثلًا ذكر النبق وهو الدوم، هذا الذي هو ثمرة السدر. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «فإن نبقها كقلال هجر». يعني الدوم الواحد مثل القلة الكبيرة. فلهذا فنعيم الآخرة ونعيم الجنة لا يوصف بنعيم الدنيا، بل لا نسبة لهذا. النبي عليه الصلاة والسلام لما جاء في بعض الغنائم، جاء به من دينار من الحريض، فأعجب به الصحابة، كأنهم لم يروا مثله، فكانوا قد أعجب بهم. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إنما نعل سعد بن معاذ في الجنة خير من هذا». إنما يريد أن يريهم أن ما في الجنة أعظم مما يكون في الدنيا. فقال: «إنما نعل سعد بن معاذ في الجنة أفضل من هذا». فلهذا فالجنة فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. وكلما كان العبد في درجات الجنة كلما كان النعيم أعظم وأكبر. لهذا قال لما سأل موسى ربه جل وعلا عن أكثر أهل الجنة نعيمًا، قال: «أولئك غرست كرامتهم بيدي». قال: «أولئك غرست كرامتهم بيدي، أنا جل وعلا غرس هذه الجنة». معنى إكرامًا لهم وضيافة لهم، وكذلك أيضًا حتى ينعم أعظم، فزادهم تميزًا وزادهم أيضًا نعيمًا أن غرسها جل وعلا بيده سبحانه وتعالى. ﴿ فِيهَا مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ ﴾. قالوا: مفهوم الآية أن من لم يزحزح عن النار ويدخل الجنة فإنه لم يفز، بل قد شقي الشقاء الأبدي وابتلي بالعذاب السرمدي. لأن من يسعد هو من يدخل الجنة. فأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك، عطاء غير مجذوذ، أي غير مقطع. وأما الأشقياء قال جل وعلا: ﴿ وَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ ﴾. فلهذا فإما جنة وإما نار. فمن زحزح عن النار أدخل الجنة، ومن لم يزحزح عن النار فإنه لا يدخل الجنة إلا من كان من أهل التوحيد، فأيضًا يزحزح عن النار بعد أن يدخل فيها. قالوا: في هذه الآية إشارة لطيفة إلى نعيم البرزخ وعذابه، وأن العاملين يجزون فيه بعض الجزاء مما عملوه، ويقدم لهم أنموذج مما أسلفوه. يفهم هذا من قوله: ﴿ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾. أن هذا الموت تدوقونه، لكن متى توفية الأجور؟ يوم القيامة. فهناك منزل أيضًا تكون بين الدنيا والآخرة، يكون فيها جزاء، لكنها لا توفى الأعمال كلها. يكون فيها جزاء لكن لا توفى الأعمال كلها. ولهذا جاء في الحديث: أنه يفتح له في القبر شرفة من النار، أي من كان من أهل الجنة، فيقال له: «هذا مقعدك، هذا مقعدك، أو كان هذا مقعدك لكنك لما أطعت الله عز وجل فكان مقعدك الجنة». كما جاء في حديث البراء في بعض ألفاظ. وقال جل وعلا هنا، أو قال المؤلف: قال جل وعلا: ﴿ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾. أي توفية الأعمال التامة إنما يكون يوم القيامة. وأما ما دون ذلك فيكون في البرزخ، معناه أنه في جزاء بين الدنيا والآخرة، لكنها ليست توفية. قال: بل قد يكون قبل ذلك في الدنيا، كقوله: ﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾. أي هناك عذاب أدنى وعذاب أكبر. وقال جل وعلا: ﴿ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ ﴾. فهناك عذاب قبل العذاب الأعظم، وهو ما جاءت به النصوص في عذاب القبر. جاءت عن نبي صلى الله عليه وسلم نصوص متواترة أن هذه الأمة تعذب في قبورها. فهذا ما يذكر في هذا المقام، والله تعالى أعلم.