تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 114

تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 114

الدرس في تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 114، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

الميثاق الإلهي على أهل العلم ببيان الحق وعدم كتمانه

يشرح المقطع الميثاق الإلهي على أهل العلم بتبليغ الحق وعدم كتمانه، مبيناً خلاف العلماء في وجوب المبادرة بالبيان وآداب الإحالة إلى الأعلم. كما يحذر من مصير من يكتم العلم لثمن بخس مقارناً إياهم باليهود والنصارى الذين باعوا الهداية بالدنيا.

آداب تبليغ العلم واختلاف السلف في التعليم

يتناول آداب الصحابة والتابعين في طلب العلم ونقله بإحالة السائل إلى الأعلم، ويبين أن التبليغ واجب عند التعين ومستحب مطلقاً. ويذكر اختلاف السلف بين من يعمم التعليم ومن يقصره على أهله مع مثال سفيان الثوري في تعليم الصبيان.

الخاتمة وشكر المترجمة

يختتم المتحدث الدرس بالاكتفاء بما طرح والدعاء بالقبول والتوفيق. وينسب الترجمة إلى نانسي قنقر شاكراً جهودها.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى عند قول الله جل وعلا: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ * لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُم بِمَفَازَةٍ مِّنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [آل عمران: 187-188]. قال: الميثاق هو العهد الثقيل المؤكد، وهذا الميثاق أخذه الله تعالى على كل من أعطاه الله الكتب وعلمه العلم، أن يبين للناس ما يحتاجون إليه مما علمه الله، ولا يكتمهم ذلك ويبخل عليهم به، خصوصًا إذا سألوه أو وقع ما يوجب ذلك. فهذا الميثاق الذي جعله الله عز وجل على أهل العلم أنهم يبينون للناس الحق ولا يكتمونه، وخاصة إذا احتاج البيان؛ إما لسؤال، وإما لتعيين البيان لأجل مثلًا: الحق غير واضح فيوضح الحق، أو أن هناك من يلبس على الناس الحق، أو أن البيان لابد منه في بعض المسائل. فإذا حصل مثل هذا فلابد لأهل العلم أن يبينوا. وهل يجب عليهم أن يتكلموا في العلم أم أنهم إذا سئلوا؟ فهذا محل خلاف بينهم في العلم، وظاهر النصوص أن الإنسان في الجملة أو أهل العلم في الجملة يجب عليهم تبليغ هذا العلم، وليس أحد المسائل أو ما عندهم من العلم إلا إذا سئلوا؛ فإنه كما جاء في الحديث: «من سئل عن شيء فكتمه ألجم بلجام من نار يوم القيامة». من سئل عن شيء فكتمه، وعنده جوابه، وعنده أيضًا هذه المسألة. أما إن كان ليس عنده الجواب فلا شيء عليه، فإن «لا أدري» نصف العلم كما قال ابن مسعود. وأيضًا من فقه الرجل أنه إذا لم يتأكد من المسألة أو لم يتبين بها فإنه يقول: الله أعلم. فإذا سُئل وهو عنده علم يقين، فإنه يجب عليه أن يدلي بما عنده مما علمه الله. وإن كان مثلًا ترك البيان أو ترك الكلام لأجل أن هناك من هو أعلم منه، أو أحال السائل إلى من يعلم، أحال السائل إلى من يعرف هذا الكلام، مثل ما كان يفعل الصحابة رضي الله تعالى عنهم. يأتي الرجل يسأل ابن عباس عن الوتر فيقول له: ألا أدلك على من هو أعلم أهل الأرض بوتر رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ عائشة رضي الله تعالى عنها. وهكذا يأتي الرجل إلى الصحابي فيحيله إلى الآخر. جاء عمران بن حطان الخارجي، وقبل أن يذهب ذلك المذهب الخبيث، مذهب الخوارج، جاء إلى عائشة يسألها عن الحرير، فقالت له: سل عبد الله بن عمر. فذهب إلى عبد الله بن عمر وسأله، قال: سل عبد الله بن عباس. فسأل عبد الله بن عباس فأخبره عن عمر أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة». وغير من المسائل في المسح على الخفين أيضًا، ابن عباس أحال إلى علي بن أبي طالب، قال: لأنه أعلم الناس برسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر. وهذا يدلك على أن الصحابة يعلمون تخصص بعض الصحابة في علم من العلوم أو في مسألة من المسائل. ولهذا لما اختلف المهاجرون والأنصار، أو بعض المهاجرين وبعض الأنصار، في مجلس عمر، اختلفوا في مسألة الذي يأتي زوجته ثم يكسل ولا ينزل، فهل يغتسل أم يكفيه الوضوء؟ فمنهم من قال: يكفيه الوضوء، كعثمان وغيره، ومنهم من قال: يجب أن يغتسل. فأرسل عمر رضي الله عنه أبا موسى إلى عائشة رضي الله عنها يسألها، فسأل عائشة رضي الله عنها، فقالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا التقى الختانان، أو إذا مس الختان الختان، فقد وجب الغسل». فأخبر أبو موسى رضي الله عنهم أجمعين عمر، فأخبر عمر، فلما قالت عائشة رضي الله عنها، قال عمر: هذا هو القول، ومن قال غيره جعلته نكالًا؛ لأن عائشة رضي الله عنها جاءت بعلم عن النبي عليه الصلاة والسلام. ولهذا الأمور الخاصة بالنبي عليه الصلاة والسلام التي يفعلها في البيوت، غالبًا يسألون أزواجه. معاوية رضي الله عنه سأل أخته أم حبيبة في مسألة الثوب الذي ينام فيه. وهكذا الصحابة يسألون عائشة، يسألون أم سلمة. فلهذا فالتخصص عند الصحابة رضي الله عنهم موجود. فلهذا لو ترك الإجابة عن السؤال لأجل أن هناك من هو أعلم منه بهذا، فهذا شيء طيب، قد كان السلف رحمه الله يحثون على ذلك. سُئل ابن المبارك رضي الله عنه عن سؤال وهو في مجلس سفيان بن عيينة، فقال: والله لا نتكلم عند كبارنا. وأيضًا أرادوه أن يحدث فرفض، حتى ألزمه سفيان. وكذلك لما جاء إلى حماد بن زيد، وكذلك لما جاء إلى مالك، فكان لا يحدث إلا إذا طلب منه الشيخ. وإذا سئل في مجلس العالم لا يجيب، وإنما يحيل السائل إلى ذلك العالم. وهذا إذا لم يتعذر إتيان السائل، إذا لم يتعذر إتيان السائل إلى ذلك العالم أو إلى ذلك الشيخ. أما إذا تعذر، فلا بأس، بل قد يكون واجبًا أن يجيبه إذا كان عنده علم في هذه المسألة. فلهذا: من سئل عن علم فكتمه... وكذلك من تعين عليه أنه يعلم الناس، مثلًا أن يكون إنسان يعرف الكتاب والقراءة، جاء في مجتمع لا يعرفون ذلك، فيجب عليه أن يعلمه. جاء في مجتمع لا يعلمون القرآن ولا يعرفون قراءة، أو لا يستطيعون قراءة القرآن، يعلمهم القراءة. وهذا من باب الواجب لأنه تعين. فإذا تعين على العبد أنه يعلم، فواجب عليه أن يعلم. فلهذا فتبليغ العلم أحيانًا يكون واجبًا، وأحيانا لا يكون واجبًا لكن يكون من المستحب. فتبليغ العلم مستحب دائمًا، بل هو من الأمور العظيمة، حتى قال ابن المبارك، ويذكر عن سفيان: أنه ليس هناك منزلة بعد النبوة كتبليغ العلم، ليس هناك منزلة بعد النبوة كتبليغ وبث العلم. ولهذا كان السلف رحمهم الله يحرصون على بث العلم في الناس، أي في أهله. ومنهم من يبث العلم في الناس، أي من لقي علمه، حتى قال عبد الرزاق: رأيت سفيان الثوري يقرأ صبيًا الحديث، يعلمه الحديث. صبيًا كان صغيرًا، وكان سفيان ذلك العالم الإمام يقرأ هذا الطفل الحديث، يعلمه، يحفظه الحديث. فلما رآه عبد الرزاق بكى، بكى عبد الرزاق لما رأى سفيان الثوري ذلك الإمام الذي يحتاج إليه الناس في كل مكان وهو جالس يعلم صبيًا، يعلمه الحديث. فلهذا كان سفيان الثوري يقول كما ذكر الإمام الخطيب في شرف أهل الحديث: كان يقول: والله ليس هناك عندي أثقل من أهل الحديث. فقال له رجل: عندك إذن لا يأتوك يا عبد الله. قال: إذا لم يأتوني أتيتهم. إذا كان ما سيأتوني لا أتيتهم إلى بيوتهم. معناه يتكلف، معناه بحكم أنه يقول: سفيان كما ذكر الإمام الخطيب بعد هذا الكلام قال: لا يريد سفيان الثوري ذم الحديث، وإنما يريد أنه يدخل عليه تبليغ الحديث، يخاف أنه يخطئ في التبليغ، وخاف أنه يزيد وينقص؛ لأنه كلام رسول الله وهو دين. فلهذا يدخل عليه لما يأتون. لكن قال: إذا لم يأت أهل الحديث، قال: أذهب إليهم إلى بيوتهم. قال: إذا لم يأتوني ذهبت إليهم. فلهذا كان السلف رحمهم الله يحبون بث العلم، لكن كما قلنا: بعضهم يحب بث العلم مطلقًا، وبعضهم لا يبث العلم إلا في أهله. فإذا جاءه إنسان ليس من أهل العلم وليس من أهل ذلك العلم لا يعطيه شيئًا. وهذا عرف به كثير من أهل الكوفة، كالأعمش وأبي بكر بن عياش، وغيرهم من أهل الكوفة، كانوا عسرين، لا يعطون، لا يعطون إلا من يرونه أهلًا أن يتحمل ذلك العلم. وهذا نظر طيب، فهم يرون أن هذا العلم لا بد أن يحافظ عليه، خاصة حديث رسول الله، فلا يعطوها لكل أحد، وخاصة من سيبلغها ويؤديها، فكانوا يحرصون على ذلك. قال رحمه الله تعالى: قال: وهذا الميثاق أخذه الله تعالى على كل من أعطاه الله الكتب فعلمه العلم، أن يبين للناس ما يحتاجون إليه مما علمه الله، ولا يكتمهم ذلك ويبخل عليهم به، خصوصًا إذا سألوه أو وقع ما يوجب ذلك. فإن كل من عنده علم، فإن كل من عنده علم يجب عليه في تلك الحال أن يبينه ويوضح الحق من الباطل. فأما الموفقون، انظر الآن بعدما ذكر أمر هذا الميثاق وما المراد به، الآن يذكر من وفق في هذا الباب. قال: فأما الموفقون فقاموا بهذا أتم القيام، وعلموا الناس مما علمهم الله، بل جلسوا سنين وهم جلوس في مساجد أو في بيوتهم أو في أماكن علم يعلمون الناس، ليس لهم عمل إلا تعليم الناس. وهذا منزلة عظيمة، وهي منزلة من منازل الأنبياء، لكن ليسوا بأنبياء. قال: وعلموا الناس مما علمهم الله ابتغاء مرضاة ربهم، وشفقة على الخلق، وخوفًا من إثم الكتمان. وأما الذين أوتوا الكتاب من اليهود والنصارى ومن شابهم، فنبذوا هذه العهود والمواثيق، فنبذوه وراء ظهورهم، واشتروا به ثمنًا قليلاً. أن هؤلاء اليهود والنصارى استغلوا العلم، كما قال الله عز وجل: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ [التوبة: 34]. بدل أنهم ينشرون كتاب الله، بل العكس يصدون عن سبيل الله. فقال جل وعلا: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ ﴾. ويقولون: جاءوا، قالوا: خلاص هذا حكم الله، خذ، لكن هات فلوس. ويأخذون على أحكامهم وعلى أسئلتهم مالًا. وقد عرف بذلك اليهود والنصارى. فيجلس الحبر أو الراهب أو القسيس في الكنيسة، معنى النصارى، والبيع عند اليهود، فيفتي الناس، لكن يفتيهم بما أرادوا، لكن بمال. فمن أعطاه أكثر أفتاه بما أراد. وهذا السحت الذي ذكره الله عز وجل عن اليهود، وأكلهم السحت، وقد نهوا عنه، وأكلهم الربا، وقد نهوا عنه، وأكلهم السحت، فأكلوا السحت وهو الأخذ على الأحكام. طيب. قال: ﴿ وَأَكْلُهُمُ السُّحْتَ ﴾ [المائدة: 42]، تجروا على محارم الله وتهاونًا بحقوقه تعالى وحقوق الخلق، واشتروا بذلك الكتمان. معنى استغلوا العلم في مصالحهم الدنيوية. وهذا سمة من سمات اليهود، ومن سمات اليهود خاصة؛ لأن العلم عندهم. وأما النصارى فأفتوا الناس بالجهل، وأيضًا طريقتهم طريقة الجهل. ولهذا كان يقول أبو محمد، ذلك العالم الرباني، سفيان بن عيينة رحمة الله عليه: من فسد من علمائنا فهو شبيه باليهود، ومن فسد من عبادنا فهو شبيه بالنصارى. لأن اليهود أفسدوا في العلم لعجل المال، والعباد مثل النصارى غلوا في العبادة حتى أنهم أخرجوا العبادة عن طريقها الصحيح. قال: فقوله: ﴿ ثَمَنًا قَلِيلًا ﴾، وهو ما يحصل لهم إن حصل من بعض الرئاسات والأموال الحقيرة، من سفلتهم المتبعين أهواءهم، المقدمين شهواتهم على الحق. ﴿ فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ ﴾، لأنه استبدلوا العور... والذي رغب عنه وهو بيان الحق الذي فيه السعادة الأبدية والمصالح الدينية والدنيوية، أعظم المطالب وأجلها، فلم يختاروا الدني القسيط ويتركوا العالي النفيس إلا لسوء حظهم، يعني أخذوا القسيط وهو المال الذي يأخذونه بسبب هذه الفتاوى، وتركوا الأجر العظيم عند الله. قال: إلا لسوء حظهم وهوانهم، وكونهم لا يصلحون لغير ما خلقوا له. فهذه من صفات اليهود القبيحة، القسيطة الدنية، التي من تبعهم فيها فقد فسد. الذي يتبع اليهود في مثل هذه المسائل، أي أنه يجعل علمه للدنيا، يجعل علمه لأجل الدنيا ولأجل المال، فهذا فيه شبه من اليهود. أولئك الذين أنكر الله عز وجل عليهم. ولهذا القضاة الذين يأخذون الرشوة، من هذا الباب فهي سحت، وهي معنى من الباطل الذي كان عليه اليهود. طيب. إن شاء الله نكتفي بهذا. اللهم تقبل. ترجمة نانسي قنقر.