تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 113

تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 113

الدرس في تفسير سورة آل عمران من تفسير السعدي 113، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

حكمة الابتلاء وتمييز المؤمنين الصادقين

يبيّن المقطع أن الابتلاء في الأموال والأنفس وأذى الكفار سنة إلهية لتميز المؤمن الصادق من المنافق، وليرفع درجات الصابرين ويكفر سيئاتهم. كما أن أشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، وأن الصبر على الفتنة ينجي العبد ويزيده إيماناً وتسليماً.

ثمرة الصبر والرضا بالابتلاء وطعم الإيمان

يبيّن المقطع أن الصبر على البلاء والرضا بقضاء الله يرفع العبد درجات عظيمة ويجعله يذوق طعم الإيمان بلذة الطاعة وطمأنينة القلب. كما يحذر من وساوس الشيطان التي تشتد على التائبين والمقبلين على الطاعة، ويوضح أن العلاج يتم بالقوة الإيمانية والتوكل على الله.

وساوس الشيطان في الطهارة والصلاة وعلاجها

يتناول المقطع صورًا من الوساوس التي يبتلي بها الشيطان المسلم في الوضوء والصلاة، ويبين أن الرجوع فيها جنون ووسواس. وأن العلاج يتم بالاستعاذة، وعدم الرجوع للخلف، والصبر احتسابًا للأجر والتقوى، لأن ذلك من عزم الأمور الذي ينجي من الابتلاء.

العزيمة والصبر سبيل الفوز في الابتلاء

يؤكد المقطع أن العزيمة والصبر عند الابتلاء يعدان فوزاً ونجاحاً في الامتحان الإلهي. ويكتفي المتحدث بذكر ذلك تاركاً التفصيل لله تعالى.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد: قلنا في تفسير قول الله جل وعلا: ﴿ لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا ﴾. فقال الشيخ رحمه الله: إن هذا الأذى من الطعن فيكم وفي دينكم وكتابكم. هذا الابتلاء يكون في الأموال وفي الأنفس، ومن الابتلاء أيضًا أذية الكفار. قالوا في إخباره إلى عباده المؤمنين بذلك عدة فوائد، منها: أن حكمته تعالى تقتضي ذلك ليميز المؤمن الصادق من غيره. هو الابتلاء، ولا شك أن فوائد الابتلاء كثيرة جدًا حتى ألف فيه مؤلفات. ومن ذلك كما ذكر شيخنا: أنه ليميز المؤمن الصادق من غيره، فالله عز وجل لا يجعل الخلط بين أهل الإيمان، بل لا بد أن يميزهم، كما تقدم معنا في قول الله جل وعلا: ﴿ مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ﴾. وربنا جل وعلا له سنن وله طرق سبحانه وتعالى لتمييز أهل الإيمان، أن يجعل أهل الإيمان يميزهم عن غيرهم. ومن هذه الأمور أن يبتليهم، أن يبتليهم بابتلاءات في دينهم وفي حياتهم، فيرى الصادق منهم والكاذب، كما قال الله عز وجل: ﴿ الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ﴾. بهذا الابتلاء، وفي الآية الأخرى قال: ﴿ وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ ﴾. فالابتلاء يميز ويمحص، ﴿ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ ﴾. فالتمحيص والابتلاء هو ميزان للصادقين الذين يصدقون مع الله عز وجل، وأما من هو متذبذب ويريد مصالح فقط، فهذا سرعان ما ينهار في الابتلاء. وكما قال الله عز وجل على مثل هؤلاء: ﴿ فَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ﴾. عما يبقى في وجه الفتن والبلايا، سرعان ما يهلك، سرعان ما يهلك. لكن المؤمن يبقى، لا تضره كثرة الفتن أبدًا، حتى لو ظن مثلًا أن هذه الفتنة قد تهلكه وقد ترديه لشدة ما فيها من الفتن، وما فيها أيضًا من الأشياء المحيرة والغريبة. لكن مادام أن العبد مخلص لله عز وجل، فإن الله عز وجل ينجيه. لهذا قال في الحديث: «فَمَنْ وَجَدَ مَلْجَأًا أَوْ مَعَاذًا فَلْيَعُذْ بِهِ». وقال في حديث عبد الله بن عمر في صحيح مسلم: قال عليه الصلاة والسلام: «تَجِيءُ الْفِتْنَةُ تُرَقِّقُ بَعْضُهَا بَعْضًا، يَجْعَلُ بَعْضُهَا بَعْضًا رَقِيقَةً». والفتنة هي الابتلاء، معنا من الفتن نوع من أنواع الابتلاء، ومن أشد الابتلاء. فقال عليه الصلاة والسلام: «تَجِيءُ الْفِتْنَةُ تُرَقِّقُ بَعْضُهَا بَعْضًا، فَيَقُولُ الْمُؤْمِنُ: هَذِهِ مُهْلِكَتِي». أي هذه التي ستهلكني وتجعلني أبتعد عن الطريق الصحيح، فتنقشع لأنه مخلص وصادق مع الله عز وجل، فلا تؤثر فيه هذه الفتنة. فكم من فتن تأتي على الإنسان فيظن أنه سيهلك فيها ويتحير فيها جدًا، وحتى إن كان الحديث ضعيفًا لكن معناه صحيح: «لَتَدَعَنَّ الْحَلِيمَةَ حَيْرَانَ». لتدع الحليمة حيران، ما يدري مع من الحق، ومن الذي هو على الطريق الصحيح. لكن من صدق مع الله عز وجل يصدقه الله ويوفقه للخير، ويوفقه للصواب والطريق الصحيح. وهذا يحتاج إلى ثبات ودعاء وتضرع إلى الله جل وعلا، لا بد أن يتضرع العبد إلى ربه حتى يدله على الطريق الصحيح. فالعبد أصله حيران لا يعرف الطريق الصحيح حتى يدله الله عز وجل. ولهذا قال الله عز وجل لنبيه الكريم: ﴿ وَمَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾. فالنور هذا الذي يقذفه الله عز وجل في قلوب عباده فيدلهم على الطريق ويبين لهم الصحيح. وقال هنا المؤلف رحمه الله: أن هذه الحكمة الأولى وهي حكمة لها أثر عظيم، وأدلة كثيرة كما قلنا، ولا يتسع هذا المقام ذكر كل ما يكون فيها، وإنما ذكرنا شيء مهم فيها. قالوا: منها أنه تعالى يقدر عليهم هذه الأمور لما يريده بهم من الخير، ليعلي درجاتهم، ويكفر من سيئاتهم، وليزداد بذلك إيمانهم، ويتم به إيقانهم. فإنه إذا أخبرهم بذلك ووقع كما أخبر، قالوا: ﴿ هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا ﴾. لأن هذا الابتلاء قد يصل العبد بصبره في الابتلاء إلى درجات عظيمة. ولهذا جاء في الترمذي: «إِنَّ الْعَبْدَ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَبْلُغَ دَرَجَةً فَيَبْلُغُهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِحُسْنِ خُلُقٍ» أو قال: «فَيَبْتَلِيهِ». في الحديث: «فَيَبْتَلِيهِ حَتَّى يَبْلُغَهُ تِلْكَ الدَّرَجَةَ». يبتليه الله عز وجل ليبلغ هذه الدرجة التي هو لا يستطيع أن يأتيها بعمله، أعماله لا تستطيع أو لا تحمله ولا تبلغه، ولا تبلغه هذه الدرجة، الدرجة العظيمة. فيبتليه الله عز وجل فيرفعه هذه الدرجة التي أرادها الله عز وجل له. فلذلك فالابتلاء، فالابتلاء عظيم. إن الرجل لا يدرك الدرجة باجتهاده يدركها وهو لا يبلغها بعمله، فيدركها بابتلاء الله عز وجل، وفي يمحص. ولهذا تجد أن أشد البلاء على الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، كما في حديث أبي سعيد، وجاء نحوه من حديث سعد بن أبي وقاص: «أَشَدُّ النَّاسِ بَلَاءً الْأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ، يُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى قَدْرِ دِينِهِ، فَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ صُلْبًا شُدِّدَ عَلَيْهِ بَلَاؤُهُ، وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةً ابْتُلِيَ عَلَى قَدْرِ دِينِهِ». «إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلَاهُمْ، فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا، وَمَنْ سَخِطَ فَعَلَيْهِ السَّخَطُ». وغيرها من الأحاديث التي جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم تبين هذه الدرجة العظيمة التي يبلغها العبد بابتلاء الله عز وجل وبصبره، وأيضًا رضاه عن الله جل وعلا. ومن هذه الدرجات العظيمة أنه يجد ويذوق طعم الإيمان. «مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَبِيًّا، ذَاقَ طَعْمَ الْإِيمَانِ». وكيف يرضى؟ من ذلك الصبر على البلاء والرضا بقضاء الله عز وجل في الابتلاءات، سواء كان ابتلاء الدين أو الدنيا. فإن هذا الصبر والرضا يرفعه درجة عظيمة، يرفعه درجات عظيمة عند الله عز وجل. ومن ذلك أنه يتذوق طعم الإيمان، فإذا ذاق طعم الإيمان فمعنى ذلك أنه ارتفع عند الله عز وجل منزلة عظيمة. والمراد أنه يتذوق طعم الإيمان، أي يجد لذة في الطاعة، ويجد أيضًا طمأنينة وانشراح في قلبه. يجد لذة في الطاعة، ويجد طمأنينة وانشراح في صدره. فتجد أن حزنه قليل، إلا إذا كان هذا الحزن عما يكون فيه من المنكرات وغيره. لكن تجد أن قلبه مطمئن ومنشرح، ويعلم أن الله عز وجل أراد به الخير، وأن الأمور بيد الله جل وعلا، لا يتدخل فيها إنسان ولا غير. فما أراده الله عز وجل كان، وما لم يرده جل وعلا لم يكن. لراد هنا المراد به المشيئة: ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وما يكون إلا ما يشاء. فلذلك فإذا سلم العبد قلبه لله، وسلم أموره لله جل وعلا، فليبشر بالخير. قالوا: من أنه أخبرهم بذلك لتتوطن نفوسهم على وقوع ذلك والصبر عليه إذا وقع، لأنهم قد استعدوا لوقوعه، فيهون عليهم حمله وتخف عليهم مؤنته. الإنسان إذا كان متجهزًا لشيء يخف عليه هذا الشيء الذي يأتي عليه ثقيلًا. فالابتلاء من أعظم الأشياء التي قد تضعف الإنسان، قد توهنه، قد تذهب عقله. أن بعض الناس في الابتلاء ما يستطيع حتى أن يتدارك عقله، يذهب عقله. بعض الناس يفر ويهرب من الواقع. بعض الناس مثلًا تجده حتى يهرب من طاعته لله بسبب الابتلاء، فيجد مثلًا فتنًا، ويجد مثلًا فقرًا وبؤسًا، ويجد غيرها من الابتلاءات، فيقول: أفضل لي في الوقت الذي كنت فيه، أو الحالة التي كنت فيها، فيرجع إلى ما كان عليه من المعاصي أو البدع أو غير ذلك. أن بعض الناس حتى هذا المقياس يقيسه في الفتن، يقول: من سأجد نفسي عنده؟ عندي أموال، عندي كذا. من الذي هو مرتاح من هذه الفرق؟ سأدخل معه. أو إذا كان مثلًا على طريقة، ثم عرف أن هذه الطريقة باطلة، دخل طريقة أخرى، فوجد أن ماله ذهب، وصار فقيرًا بعدما كان عنده أموال، عنده كذا. يقول: هذه الطريقة غير صحيحة، مادام أنه افتقر وذهب المال. ولا يدر المسكين أن هذا ابتلاء من الله يرى صدقه، هل هو صادق في ما ادعاه أم لا؟ والله عز وجل أعلم به. فلذلك من هذا الباب تجد أن كثيرًا - وهذا يلاحظ على كثير من التائبين - أنه يبتلى. أنا تجد أنه مثلًا كان على خير في الدنيا، عنده أموال، عنده كذا، عقله تمام. لما يأتي إلى المسجد أو يطلب العلم ويستمر في الطاعات، يتغير عليه، حتى عقله. تجد أنهحيانًا يصاب بحالة من حالات مثلًا المس أو الشياطين، أو يخف عقله، أو الوسوسة يأتيه الوسوسة. كل هذا من الشياطين، لأنه كان قبل غافلًا، كان قبل غافلًا عن هذه الأمور، فلما عرف الحق جاء الشياطين يحاربونه. فهذا يمسه، هذا يأتي شيطان ويجد فرصة فيه فيمس هذا الشخص ويدخل فيه، وهذا يوسوس له بأشياء عظيمة. تجد كثير من التائبين يشتكي من الوسوسة أو التفكر، تفكر في أشياء كبيرة جدًا فتتعبه، مع أن حلها سهل، لكن بسبب مثلًا ما يعرف هذه الأمور قد يكون، أو جديد عليها، فيتحمل. فبعضهم كما قلنا قد يذهب عقله، وبعضهم يثبته الله عز وجل على الحق، وبعضهم تجد كما قلنا إما أنه يترك، وإما أنه يبقى على ما هو عليه من الوسوس وغيره، ولا يريد أن يعالج نفسه. أقصد معالجة شرعية. فلذلك كما قلنا ينبغي على المسلم أنه إذا رأى مثل هذه الأشياء فيعلم أنه من كيد الشياطين، وكيد الشيطان كما قال الله عز وجل ضعيفًا، لكن يحتاج إلى قوة إيمان، قوة توكل على الله، قوة تقوى من العبد. فإذا وجد مثل هذه الأمور انحاز أو انزاح عنه هذه الأشياء، ووجد الخير بعد ذلك. فأما أنه إذا استمر وفي هذه الوسوس وغيرها، فإنه سيأتي اليوم الذي يترك الخير. ولهذا بعض الناس تجده من كثرة الوسوس يترك الصلاة. أن بعضهم تجد يجلس في الحمام ساعتين، ويزداد بعد ذلك عنده المرض، يجلس ثلاث أربع. ولو أنه استخدم العلاج الشرعي من الاستعاذة بالشياطين، ويدعو الله عز وجل أن يذهب منه هذا المرض. وكذلك أيضًا الحزم، وهذا من أشد العلاج على هؤلاء أهل الوسوس، أنه لا يرجع إلى الخلف، يجعل كما يقولون البريك لا، قدام يمشي، لا قدام، لا يرجع أبدًا، لا يجعل شيء اسمه باطل. «لعل هذا باطل، لعل هذا غير صحيح». لا يمشي، حتى ولو كان غير صحيح، لأنه لو فعل ورجع إلى الخلف فإنه سيثبت فيه الشيطان وتزيد الوسوس. لكن لو مشى، يأتيه الشيطان يقول له: هذا الآن أنت ما غسلت وجهك، يأتي ويرجع. الآن بعض الناس تجده يجلس عند الحنفيات ساعة كاملة، بعضهم أكثر. لماذا؟ إذا غسل وجهه رأى وزلة ويابس، قال: الظاهر ما غسلت وجهه. إذا جاء لليدين قال: عاد وجهه ما غسلته. ويستمر على هذا. حتى ذكر ابن عقيل، ذكرها ابن الجوزي عن ابن عقيل في تلبيس إبليس، أن رجلًا قال لابن عقيل: يا إمام، إني أجنب وأغتسل، ثم أخرج، أغتسل، أغتمس فيه ماء، قالوا: أخرج وأجد نفسي يابسًا، ثم أصلي، ما أستطيع. معنى أصلي: هل تقبل صلاتي؟ لأن الآن لما أخرج من أجد نفسي قد يبست، فأرجع وأغتسل، فإذا صليت، قال: صلاتي هل هي مقبولة؟ أو قال: لا، حتى لا تصلي. قالوا: ليش يا إمام؟ قالوا: أنت الآن مجنون. كيف تغتسل وتخرج وتقول ما اغتسلت؟ معنى هذا جنون أصلًا، فلا تصلي. قالوا: معنى ما كتب عليك القلب، لأنك إذا أدت تغتمس ثم تقول: لعلي ما اغتسلت، ويبست. مثل هذا الآن صاحب الوضوء يأتي يغسل وجه ويغسل يديه، فإذا جاء إلى اليدين قال: الظاهر ما أغسلت الوجه، يرجع يغسل وجه. فإذا جاء إلى الرجلين يقول: ما أغسلت اليدين، ما مسحت رأسي، وهو قد مسح عدة مرات. فيأتي الشيطان يفعل به هكذا. لكن لا يرجع أبدًا. أيضًا في الصلاة، في الصلاة تجد بعضهم يكبر تكبيرة الإحرام عدة مرات، الله أكبر ويبطل، ثم يكبر مرة أخرى. أن بعضهم تجده يجلس فترة في تكبيرة الإحرام، فإذا كبر تكبيرة الإحرام يقرأ الفاتحة عدة مرات، كلما قرأ الفاتحة يقول: ما قرأت، يقرأ. وكذلك أيضًا في الركوع والسجود، قوة. والمهم حتى يصبح عنده مثل المرض. بعض الناس مثلًا تجده في التكبير ما يكبر، أي تكبيرة ما يكبر حتى ينخفض، يخفض رأسه، بل يكون مثل الراكع. فهذا كله من وساوس الشيطان والعياذ بالله. والواجب كما قلنا على المسلم أنه يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، وكذلك يلتجئ إلى ربه جل وعلا، فهو الذي يفكه من هؤلاء الشياطين. وبعد ذلك أيضًا كما قلنا أنه لا يرجع إلى الخلف، لا يجعل الشيطان يضحك عليه، ويجعل الشيطان يستولي عليه. لا يرجع أبدًا إلى الخلف. حتى كما قلنا لو قال له الشيطان: صلاتك باطلة، يقول له: خلاص عادي، خليه تبطل. تبطل مرة ومرتين، ولا تبطل أكثر من مرة. أنا كما قلت سيأتي يوم وتترك الصلاة كلها. أن كثير من المسوسين تركوا الصلاة. أولًا: صل في بيته، لأن مثلًا الآن يدخل يريد ساعتين في الحمام، تقام الصلاة ويصلون، يأتي بعد ما يصلي الناس ويصلي هذه الصلاة. إن كان عنده عازم بعد ذلك يكسل، يقول: كل يوم الناس يروني هكذا، يكسل. في المسجد يصلي في البيت، فأيضًا يزيد عنده الوسوس، يترك الصلاة كلها. وهذا كما قلنا من خطوات الشيطان على العبد. وغالبًا هذه الوسوس ما تأتي إلا للقلوب الطيبة، معنى قلبه طيب، وأيضًا كذلك عنده إخلاص. غالبًا يكون الموسوس عنده إخلاص، وإلا ما رجع. لكن لا يجعل الشيطان يلعب عليه ويستولي عليه بالرجوع. لا يرجع أبدًا. معنى: تكون الصلاة باطلة، ولا يرجع، لأنه لو بطلت الآن هي مرة واحدة، لكن سيكتسب عزما في قلبه، وسيكتسب أيضًا أشياء أخرى تضعف الشيطان عليه. فإذا ضعف الشيطان صار بخير إن شاء الله. فلذلك فالابتلاء كما قلنا واقع، لكن من استعد له، هذا الابتلاء استعد له المؤمن، يكون أهون عليه. فلذلك قال الشيخ هنا: ومنها أنه أخبرهم بذلك تتوطن نفوسهم على وقوع ذلك والصبر عليه إذا وقع، لأنهم قد استعدوا لوقوعه، فيهون عليهم حمله وتخف عليهم مؤنته، ويلجؤون إلى الصبر والتقوى. ولهذا قال: ﴿ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا ﴾. أنا في آخر الآية قال: ﴿ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ﴾. فعزم الأمر لا بد منه، لا بد في الابتلاء من عزم الأمر والتوكل على الله عز وجل والصبر وتقواه جل وعلا. قال: إن تصبروا على ما نالكم في أموالكم وأنفسكم من الابتلاء والامتحان، وعلى أذى الظالمين، وتتقوا الله في ذلك الصبر، بأن تنووا به وجه الله والتقرب إليه. لأن الإنسان إذا صبر احتسابًا تحصى الأجر، أما إذا كان عادة، أو مثلًا ليس احتسابًا للأجر، وإنما فقط لأنه اعتاد على هذا الأمر فيصبر على ما أصيب، ويقول: نحن فيها أصلًا، كما مثل ما يقول بعض الناس: نحن أصلًا في الفقر، خلقنا للفقر. فهذا جزع، وليس الصبر. الذي يقول مثل هذا الكلام هذا كأنه جزع، وأيضًا اعتراض على الله عز وجل، فيقول: نحن ما خلقنا للفقر، الناس أغنياء وكذا، ونحن فقراء. فهذا اعتراض على الله، وهو من الجزع الذي لا يجزي. طيب، قال: بأن تنووا به وجه الله والتقرب، لكي لم تتعدوا في صبركم الحد الشرعي من الصبر في موضع لا يحل لكم فيه الاحتمال، بل وظيفتكم فيه الانتقام من أعداء الله. أن الانتقام هنا من أعداء الله جميعًا، سوى كان من شياطين الإنس أو من الجن. قال: ﴿ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ﴾. أي من الأمور التي يعزم عليها وينافس فيها، ولا يوفق لها إلا أهل العزائم والهمم العالية. كما قال تعالى: ﴿ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ﴾. أما من أن انجر مع الشياطين، وسوى كان شياطين الإنس والجن، وانجر مع نفسه الأمارة بالسوء، وانجر كذلك مع الدنيا وغيرها، فإنه لا يوفق للخير. أما من عزم وصبر واتقى الله عز وجل، فلا شك أن الله عز وجل يجعله من الفائزين. وكما قال الله عز وجل: ﴿ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ﴾. أي أن هذا العزم ينجيك من هذا الابتلاء، ينجيك من فتن الابتلاء، وينجيك كذلك من... أو أيضًا يجعلك فائزًا في الابتلاء. الابتلاء امتحان واختبار، فكيف يراك ربك جل وعلا؟ فإذا عزمت وصبرت، فإن ذلك من الفوز في هذا الابتلاء والامتحان. فهذا شيء ما يذكر في هذا المقام، سنكتفي به، والله تعالى أعلم.