الدرس في تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 17، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يبيّن المقطع أن التركة لا تُقسّم على الورثة إلا بعد استيفاء جميع الديون المستحقة على الميت، سواء كانت حالّة أو مؤجلة، وتنفيذ الوصايا الشرعية. كما يُشير إلى خلاف الفقهاء في وجوب الحج عن الميت من التركة إن لم يحج في حياته.
يُؤكد المقطع إجماع العلماء على تقديم سداد الديون على تنفيذ الوصايا، حيث يُخرج الدين من رأس المال كاملاً حتى لو استلزم بيع العقارات غير الضرورية. ويتناول حكم الوصية الواجبة لأبناء الابن المتوفى قبل أبيه، مبيناً أن الجمهور على عدم وجوبها واستحبابها فقط مع تفصيل شروط نفاذ الوصية من الثلث بإجازة الورثة.
يوضح المقطع أن الديون تُسدد من رأس المال بينما الوصية تُنفذ من الثلث فقط، وأن الوصية للوارث باطلة شرعاً ولا تنفذ إلا بإجازة الورثة. كما يُستحب الاقتصار على الربع أو أقل مراعاة لمصلحة الورثة.
إذا أعطى الشخص مالاً لمن خدمه في حياته على سبيل المكافأة فلا حرج، لكن جعل ذلك وصية يُعد باطلاً شرعاً. غير أن الوصية تنفذ إذا أجازها الورثة بعد وفاته.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد، قال العلامة السعدي رحمه الله: ثم قال تعالى: ﴿ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ ﴾ [النساء: 11]. أي: هذه الفروض والأنصباء، الأنصباء: جمع نصب، وهو السهم الذي يكون في المواريث. قال: وإنما تُرد وتستحق بعد نزع الديون التي على الميت لله أو للآدميين، وبعد الوصايا التي قد أوصى بها ميتُه بعد موته. فالباقي عن ذلك هو التركة التي يستحقها الورثة. هذه الآية يبين الله عز وجل أن هذه المواريث التي ذكرت ومما ترك هذا الميت، لكن نبه الله عز وجل: ﴿ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ ﴾. فهذه التركة لا تقسم للورثة إلا بعد أن تخرج أو يخرج منها الدين، وسواء كان هذا الدين لشخص أو أنه رهن، كما يقولون العلماء: إنه متعلق بالتركة. فأي دين كان عليه فإنه يخرج من هذا المال، وسواء حل أو لم يحل، أي: سواء حل الأجل أو لم يحل الأجل. فمثلا: لو أن رجلا أخذ دينا إلى سنة، أخذ دينا إلى سنة، بعد خمسة أشهر توفي هذا الرجل، فترك مالا أو ترك أشياء من الأموال التي قد تباع ويسدد بها هذا الدين، أو عنده مثلا دكان أو كذا. فهنا هذا الدين لا بد أن يُرصد، لا يقال: إنما هذا الدين مؤجل فنقسم ميراث الورثة، يقولون: نقسم أولا التركة ثم نؤخر، أو هذا الدين نسدده من أموالنا. لا، وإنما يجب أن يخرجوه من التركة، يخرجوه من هذه التركة التي تركها مورثهم، فيجعلونه في مكان ويحفظونه عند أحد حتى يأتي موعده، ولا بأس أن يعطونه إياه ولو قبل الموعد، فهذا جائز، ما في شيء. مثلا: لو عنده مئة ألف، قالوا لصاحب الدين: هذه المئة ألف التي على أبينا مثلا، فهذا ما في شيء إذا كان صاحب الدين سيقبله في ذلك الوقت، فهو جائز أن يعجل الدين، جائز أن يعجل. وأيضا بعد ذلك ينظر الوصية التي أوصى بها الميت، الوصية التي أوصى بها الميت، فإنه يخرج أيضا من التركة. فإذا أوصى لأحد من هذه التركة فإنه يخرج منها. وبعض الأشياء أدخلها العلماء في الوصية، من ذلك مثلا: الحج، إذا لم يحج فعند الشافعي والمشهور عند أحمد أنه يحج له من ذلك المال، يحج له من ذلك المال الذي تركه إن كان فيه مثلا أو يستطيعون الحج به بذلك المال، ويكون فيه قيمة هذا الحج فيخرج من تركته. وعند مالك وأبي حنيفة أنه إذا أوصى أخرج من تركته، وأما إذا لم يوصِ لا يخرج، والأمر للورثة: فإن أرادوا أن يخرجوا يخرجوا من باب الاستحباب وليس من باب الوجوب. لكن كما قلنا عند الشافعي أنه يجب أن يخرج ولو لم يوصِ إذا لم يحج، وخاصة إذا كان معذورًا، أو كان مثلا... أقصد إذا كان ليس معذورًا، معناه: أنه يستطيع لكن شغل وشغل وسوف حتى جاءه الموت وهو لم يستطع أن يذهب. واختلف في من يتعمد عدم الذهاب، أن تهيأت له الأسباب للذهاب لكنه لا يذهب ويرفض الذهاب. فهل هذا يحج عنه؟ الآن بعض الناس مثلا تجد يعيش في جدة، بل بعضهم في مكة، وتمر عليه سنوات كثيرة ولا يحج وهو قريب من الحج، إذا شاء... معنى: إذا أراد أن يحج ما سيكلفه شيئا لكنه يتكاسل، وأيضا كذلك لعدم... مثلا قلة الإيمان وضعفه، فتجد أنه يبتعد عن هذه الأمور أو يسوف، يقول: إذا صرت مثلا شيخا كبيرا سأذهب. فمثل هذا كثير من العلماء يقولون: إنه لا يحج عنه لأنه فرط ولم يكن له عذر في ترك الحج. لكن من ترك الحج وليس له عذر لكنه لم يستطع الحج لشغله أو لكذا، فهذا لا بأس أن يحج له. وكذلك أيضا من كان معذورًا في وقت من حياته، فهذا أيضا يرى كثير من العلماء أنه يستحب أيضا له أن يحج له الورثة. وكذلك أيضا ما يسميه الناس كما قلنا قبل: الوصية الواجبة، أو ما يسمى بالتنزيل الشرعي، فهذا الوصية الواجبة وهي: يعطى أبناء الابن الميت قبل أبيه، يعطون من المال مثل أعمامهم. فهذا سماها بعضهم في القانون الآن الموجود في الدول العربية أو الدول الإسلامية: الوصية الواجبة. والصحيح أن بعض العلماء يقول: إنها... الوصية للوالدين والأقربين، بعضهم يقول: إنها نسختها آيات الميراث، ومنهم من جعلها للاستحباب، أما أنها واجبة فأكثر العلماء على عدم وجوبها، وقال بعض الحنفية بالوجوب. المهم أن هناك بعض الأشياء قد تخرج مع الوصية، قد تخرج مع الوصية، وليس هذا بابها. طيب، لكن هنا نبه أيضا الشيخ، هنا قال: وقدم الوصية مع أنها مؤخرة عن الدين للاهتمام بشأنها، لكون إخراجها شأنا على الورثة أو شاقا على الورثة، وإلا فالديون مقدمة عليها وتكون من رأس المال، وأما الوصية فإنها تصح من الثلث فأقل للأجنبي الذي هو غير وارث، وأما غير ذلك فلا ينفذ إلا بإجازة الورثة. الآن ذكر مسائل: أولا: أن الدين الأصل أنه مقدم على الوصية، لكن في الآية قدم الله عز وجل الوصية على الدين: ﴿ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ ﴾. قد جاء عن علي، عن علي بن أبي طالب وغيره، أن الدين مقدم على الوصية، وهذا إجماع العلماء، إجماع العلماء على أن الدين يقدم على الوصية. معنى: لو ترك مثلا إنسان ترك مالا مائة ألف، وعليه الدين مائة ألف أو أقل قليلا، وعنده وصية، فهنا أولا يخرج الدين، يخرج الدين. مثلا: عليه تسعون ألفا، يخرج من هذا المائة، وتبقى عشرة، تعطى للورثة أو يعطى ثلثها للوصية والثلثين للورثة. طيب، فالدين أولا يقدم. قال: وتكون من رأس المال. عن الدين يكون من رأس المال. هذا أيضا ما يفرق بين الدين والوصية: أن الدين يخرج من رأس المال، أي: من تركته كلها. مثلا: ترك بيوتا، ترك أيضا أموالا، ينظر في كم هذا الدين الذي عنده، فأولا يسدد الدين، حتى لو بيعت البيوت. معنى: البيوت التي لا تسكن ليست ضرورية، معنى: عنده مثلا بيوت مؤجرة وعنده أراض مثلا، هذه الأراضي له باسمه يمتلكها، فمات، وعنده دين، فحسب النقد الذي عنده وجدوا أقل من الدين الذي عليه، وهنا يبيعون من الأراضي هذه، فإن نفذت هذه الأراضي كلها أيضا يبيعون من البيوت التي معه التي هي ملك، والتي ليست ضرورية، معنى: أهله أو أولاده يعيشون في بيت، وبيت يكفيهم هذا البيت، وإنما هناك بيوت يؤجرها، فهذه البيوت المؤجرة تأخذ وتباع، تباع حتى يسدد دينه. فإذا استكمل الدين فبعد ذلك يرجع إلى الورثة. فالدين يأخذ من رأس المال، وأما الوصية فهي تأخذ من الثلث. عن الميت له أن يوصي بالثلث كما جاء في حديث سعد، لما قال سعد رضي الله عنه: إن لي مالا وليس لي إلا بنت، فأوصي... فأوصي يا رسول الله بمالي، فقال: لا، قال: فالنصف، قال: لا، قال: فالثلث، قال: الثلث، والثلث كثير. قال: الثلث. النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الثلث، والثلث كثير، يا سعد، أنتذر ورثتك أغنياء خير لك من أن تذرهم عالة يتكففون الناس». عالة: فقراء لا يسندهم شيء. «أنتذر ورثتك أغنياء خير لك من أن تذرهم عالة يتكففون الناس». فلهذا فإنه يؤخذ من الثلث، يؤخذ من الثلث. إذا كان أوصى وصية مطلقة أخذ من الثلث، وإذا كان مثلا حدد شيء معين وهذا الشيء المعين ليس ثلث المال، يؤخذ من هذا الذي عين. لو عين أكثر، لو قال مثلا: أعطوا فلانا أو أعطوا المسجد الفلاني خمسمائة ألف، وليس له ترك إلا سبعمائة مثلا، فهنا لا يعطون خمسمائة، وإنما يعطون الثلث، ثلث السبعمائة تعطى لذلك المسجد الذي أوصى به. فالوصية تكون من الثلث. لكن الأولى كما قال ابن عباس: لو غض الناس عن الثلث إلى الربع لكان خيرا، لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «الثلث، والثلث كثير»، أي: لا يوصِ بالثلث، وإنما يوصِ بالربع لأجل أن يتحصل الورثة أكثر مالا. قال: فإنها تصح من الثلث فأقل للأجنبي الذي هو غير وارث. هذه الوصية تكون للأجنبي، أما الوصية للوارث فهي باطلة، الوصية للوارث تعتبر وصية باطلة لا تنفذ إلا بإجازة الورثة، لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لا وصية لوارث، لا وصية لوارث». فإذا أوصى مثلا إنسان لأحد ورثته من أبنائه أو من إخوانه إذا كانوا من الورثة أو غيرهم ممن يرث، فإن أوصى له فهذه الوصية تكون باطلة. فإن كان مثلا لما أوصى له لم يكن من الورثة، ثم لما مات كان من الورثة، أيضا الوصية تكون باطلة. يعني: إذا كان مثلا إنسان أوصى لابن ابنه، أوصى لابن ابنه أن يتحصل المال، وكان ابنه موجود، ابن هذا الذي أوصى موجودا، ثم مات ابنه الوحيد الذي لهذا الذي أوصى، ثم مات الموصي، فهنا الابن يتحصل على ميراث لأنه ليس هناك من أعمامه أحد، فلا شك أنه سيتحصل من الإرث، فهنا تكون هذه الوصية باطلة، تكون هذه الوصية باطلة. فلا وصية لوارث، سواء كان أوصى قبل أن يكون من الورثة أو بعد، كان من الورثة، أيضا كذلك. قال هنا: وأما غير ذلك فلا ينفذ إلا بإجازة الورثة. بعض العلماء يقول، وهو قول الجمهور: أنه يجوز للورثة أن يجيزوا الوصية الباطلة، معنى: الوصية للوارث باطلة، لكن لو أجازها الورثة تكون صحيحة، لأن الحق حقهم، أو لأن الحق لهم. مثلا: لو قال: أعطوا ابني فلان كذا وكذا من المال، أوصى إخوته، أوصى أبناءه، وقال لهم: فلان هذا اشتغل معي وفعل وفعل، فإذا مت فأعطوه كذا وكذا. فهنا هذه الوصية تعتبر وصية باطلة، تعتبر وصية باطلة. لو أعطاه وهو في حياته ما في شيء، معنى: لأجل مكافأته، لأجل خدمته معه أو كذا، لا بأس، لكن يجعل ذلك وصية فهذا خطأ، فتكون الوصية باطلة. لكن لو أجازها الورثة فتنفذ هذه الوصية بإجازة الورثة. طيب، إن شاء الله تعالى نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم. شكرا للمشاهدة.