الدرس في تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 16، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يستعرض المقطع الخلاف الفقهي في صلاة الغائب مرجحاً عدم مشروعيتها مطلقاً إلا لمن غلب على ظنه عدم الصلاة عليه كما فعل النبي مع النجاشي. ثم يشرح قول الإمام السعدي في ميراث الإخوة لأم من آية المواريث موضحاً أنهم يرثون السدس ذكوراً وإناثاً سواء كانوا أشقاء أو لأب أو لأم.
يتناول المقطع حكم حجب الإخوة للأم عن الثلث إلى السدس مبيناً قول الجمهور بأنهم يحجبونها حتى لو كانوا محجوبين عن الإرث، ثم يذكر اختيار الشيخ بأن الحجب يختص بالإخوة الوارثين فقط مستدلاً بظاهر الآية وسياق آيات المواريث. ويناقش الحكمة من ذلك وهي توفير نصيب للإخوة الوارثين، وينقل الراجح عند شيخ الإسلام وابن القيم أن الإخوة المحجوبين لا يحجبون الأم مع الاستدلال اللغوي على أن لفظ الجمع يشمل الاثنين فأكثر.
يوجه المعلم الحضور لكتابة عبارات محددة بشكل متكرر مؤكداً على تدوينها ضمن سياق استكمال مادة الدرس. ويشير المقطع إلى الجانب الإجرائي في إدارة الحلقة العلمية وضبط المعلومة لدى الطلبة.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد: باب التنبيه. تعلمون أن صلاة الغائب قد جاءت عن النبي عليه الصلاة والسلام، كما جاء في الصحيحين: حديث أبي هريرة وغيره، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال لأصحابه: «إن أخا لكم قد مات في غير أرضكم»، لما مات النجاشي، فقال: «فصلوا عليه». فقام النبي صلى الله عليه وسلم وكبر عليه أربعاً. وهذه سنة، إلا أن العلماء اختلفوا في توجيه هذا الحديث. فمنهم من جعله خاصة بالنجاشي، فلم يقل بشرعية صلاة الغائب. ومن أهل العلم من قال: إن صلاة الغائب تجوز مطلقاً، سواء صلي عليه أو لم يصل عليه، وهذا مذهب الشافعي، والمشهور عند أحمد. وذهب جماعة من أهل العلم من أصحاب أحمد، وأصحاب الشافعي كَالروياني والماوردي، واختار ذلك الإمام ابن القيم رحمهم الله جميعاً: أن صلاة الغائب لا تشرع مطلقاً، وإنما تشرع إذا لم يصل، أو علم، أو غلب على الظن أنه لم يصل على ذلك الميت؛ إما لأنه مات عند كفار، أو مات في لجة، أو في بحر، أو غاب في بئر، أو نحو ذلك. فإذا غلب على الظن أنه لم يصل عليه، فصل عليه المسلمون، فلا بأس بذلك، وهو سنة. كما صلى النبي عليه الصلاة والسلام على النجاشي؛ لأنه مات بين الكفار، ولم يكن قد جهر بإسلامه، فلذلك صلى عليه النبي عليه الصلاة والسلام. إنما قال هؤلاء العلماء هذا؛ لأنه لم يصل النبي عليه الصلاة والسلام على غائب إلا على النجاشي. فلو أن صلاة الغائب تشرع مطلقاً، لجاز عن النبي عليه الصلاة والسلام، وعن خلفائه، أنهم كانوا يصلون على من يموت بعيداً عنهم. لكن لم يثبت إلا أن النبي عليه الصلاة والسلام صلى على النجاشي، فلذلك فهذا القول أصح. وليس معنى ذلك أن الصلاة على الغائب بدعة، كما يظنها بعض الشباب، يقول: إنها بدعة، وليس كذلك. وإنما حتى من يصلي على كل غائب، فالدليل محتمل، فالدليل محتمل، ولهذا استدل به الأئمة كَالشافعي وأحمد على جواز صلاة الغائب. لكن الأَصح في هذه المسألة: أنه لا يصلى على كل غائب، وإنما على من لم يصل عليه، أو غلب الظن أنه لم يصل عليه. فهنا يصلى عليه، كما صلى النبي صلى الله عليه وسلم على النجاشي. فهذا من باب التنبيه، آجاكم الله خيراً. طيب. قال: قال في قوله تعالى... قال الإمام السعدي رحمه الله في قوله جل وعلا: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾. قال: أشقاء، أو لأب، أو لأم، ذكوراً كانوا أو إناثاً، وارثين أو محجوبين بالأب أو الجد. وهنا بعدما ذكر إرث الأبوين، ذكر إرث الإخوة لأم. ذكر إرث الإخوة لأم، والإخوة لأب. ذكر الله عز وجل إرثهم في آخر سورة النساء، في آخر آية من النساء، ذكر إرث الإخوة الأشقاء، والإخوة لأب. وأما الإخوة لأم فذكرهم في هذه الآية، فقال: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾. أقصد هنا: ذكر الإخوة كلهم. معنى: إذا كانوا لهم إخوة، سيأتي ذكر ميراث الإخوة الأم، إخوة لأم، وكذلك الإخوة لأب. سيأتي في هذه الآية أنه ذكر ميراث الإخوة لأم، وفي آخر آية النساء يذكر ميراث الإخوة للأشقاء والأب. وهذه الآية هنا ذكر فيها أيضاً بقية... ذكر ربنا جل وعلا كمال، أو ما تبقى من الكلام على ميراث الأبوين. فذكر أن الإخوة يحجبون الأم من الثلث إلى السدس. معنى: إذا وجد إخوة، معنى جمع من الإخوة، اثنان فأكثر، سواء كان من الذكور أو من الإناث، وسواء كان أشقاء، أو لأب، أو لأم. فإذا وجد إخوة، فإنهم يحجبون الأم حجب نقصان من الثلث إلى السدس. فقال هنا: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾. قال: أشقاء، أي: هؤلاء الإخوة، أو لأب، أو لأم، ذكوراً كانوا أو إناثاً، وارثين أو محجوبين بالأب أو الجد. حتى لو كانوا محجوبين: أنا مثلاً عند وجود الأب، إذا وجد أب وأم وإخوة، إخوة أشقاء أو لأب أو لأم، هؤلاء يحجبهم الأب، يحجبهم الأب، لكن هم يحجبون الأم من الثلث إلى السدس، فيجعلون ميراثها السدس، فيأخذ البقية... بقية الميراث الأب، معناه تعصيباً، فهو يكون العصبة للميت. قال: لكن قد يقال: ليس ظاهر قوله ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ شاملاً لغير الوارثين، بدليل عدم تناولها للمحجوب بالنصف. فعلى هذا: لا يحجبها عن الثلث من الإخوة إلا الإخوة الوارثون. ويؤيده أن الحكمة في حجبهم لها عن الثلث: لأجل أن يتوفر لهم شيء من المال، وهو معدوم. والله أعلم. وهذا اختيار الشيخ هنا. أولا: ذكر قول الجمهور أن الإخوة يحجبون الأم، حتى لو كانوا محجوبين. ثم ذكر اختياره، وهو اختيار أيضاً بعض أهل العلم: أنه إذا كانوا من المحجوبين، فلا يحجبون الأم. معنى: إذا كان ليسوا ورثة، معنى ما يرثون. إخوة الأم مثلاً حجبوا بالفرع الوارث، أو بالأصل الوارث، فإنهم... معنى من الأصل الوارث من الذكور، فإن الإخوة بعد ذلك لا يحجبون الأم من الثلث إلى السدس. فهذا اختيار الشيخ، وهو ظاهر الآيات؛ لأن الله عز وجل هنا ذكر... أو هنا ربنا جل وعلا ذكر: قال: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾. معنى: أطلق الإخوة. لكن في الآيات الأخرى، لما ذكر الإخوة، ذكر متى يرثون. فهنا يقول الشيخ: أن الله عز وجل ذكر هذه الآية، قال: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾، شاملاً لغير الوارثين، شاملاً لغير الوارثين؛ لأنه يقول: له إخوة، أي إخوة وارثين. وأما من لم يكن وارثاً، فهو ليس داخلاً في ظاهر الآية. فيقول: بدليل عدم تناولها للمحجوب بالنصف. معنى: الذي مثلاً مثل الزوج، يحجب عند وجود الأبناء إلى النصف، فلم يذكرها. قال: فعلى هذا: لا يحجبها عن الثلث من الإخوة إلا الإخوة الوارثون. وذكر أن الحكمة من حجبهم عن الثلث: لأجل أن يتوفر لهم شيء من المال. معنى: إذا حجبت الأم من الثلث إلى السدس، سيتوفر للإخوة شيء من المال، فيأخذونه، إما أشقاء، وإما لأب، وإما إخوة لأم. فلذلك جعلهم ينزلون الأم من الثلث إلى السدس. فإذا كان لا يرثون، فهم سواء: كان نزل حجب الأم من الثلث إلى السدس، أو لم تحجب، فإنهم لا يرثون أصلاً. فهكذا يقول: إن هذا حكمة في هذا الباب. وهذا من باب الاستنباط، وهذا كما قلنا من باب الاستنباط، والأخذ بظاهر الآية، والأخذ بظاهر الآية. قال: ويشكل على ذلك أتيان لفظ الإخوة بلفظ الجمع. وأجيب عن ذلك: بأن المقصود مجرد التعدد للجمع. وهذا مثل ما تقدم في البنات؛ لأن الله عز وجل قال: ﴿فَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾، أو قال: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾. فهنا العدد ليس المراد به الجمع على من يقول بأن الجمع أكثر من اثنين، وإن المراد به التعدد. ومن يقول بأن الجمع اثنين فأكثر، فيدخل في الجمع. قال: ويصدق ذلك باثنين، أي: التعدد. وقد يطلق الجمع ويراد به الاثنان، كما في قول تعالى عن داود وسليمان: ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾. وقال أيضاً الله عز وجل في سورة الطلاق: ﴿فَإِنْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾، فجمع «قلوب» جمع قلوب، مع أن المراد عائشة وحفصة، فلم يقل: «قلبيكما»، وإنما قال: «قلوبكما». فمعنى: أن الاثنين يجمع، ويدخل في الجمع عند كثير من أهل اللغة. أخذوا بهذه الآيات، وإن لم يكن كذلك، فهو يدخل في التعدد، يدخل في التعدد كما ذكر الشيخ. وهذا بإجماع أهل العلم، هذا بإجماع أهل العلم على أن العدد من الأخوة، سواء كانوا ذكوراً أو إناثاً، فاثنان فما فوق يحجبون الأم من الثلث إلى السدس. قال: وقال في الإخوة لأم: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾. فأطلق لفظ الجمع، والمراد به اثنان فأكثر، بالإجماع. أنه هذا في ميراث... في ميراث الإخوة لأم، كما سيأتي. قال: فعلى هذا: لو خلف أماً وأباً وإخوة، كان للأم السدس، والباقي للأب، كما ذكرنا قبل. فحجبوها عن الثلث مع حجب الأب، إلا على الاحتمال الآخر: فإن للأم الثلث، والباقي للأب. معنى: على القول الآخر الذي اختاره الشيخ، وهو أيضاً ترجح شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وابن القيم: على أنه إذا كان الإخوة محجوبين، فإنهم لا يحجبون الأم من الثلث إلى السدس. حسناً، إن شاء الله نكتب هذا، ونكمل في درسنا. نكتب هذا، نكتب هذا، نكتب هذا، نكتب هذا، نكتب هذا، نكتب هذا.