تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 58

تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 58

الدرس في تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 58، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تفسير قوله تعالى: ﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنبِ﴾ عند الإمام السعدي

يستعرض المقطع أقوال المفسرين في معنى «الصاحب بالجنب» ويرجح الإمام السعدي أن المراد الصاحب المطلق الذي يلازم صاحبه في السراء والضراء. وتظهر الصحبة الحقيقية في الشدة لا في الرخاء فقط.

حقوق الصحبة وآدابها في الإسلام

تبين أن الصحبة الحقيقية تصمد في الشدة وأن الصحبة في الله من كمال الإيمان. وتوضح حقوق الصاحب على صاحبه ومن أهمها النصيحة في الدين والدنيا.

فضل الصحبة في الله وحق ابن السبيل

يذكر فضل صحبة من يخوّف في الله على من يرجو ويغري بالأماني، وحقوق الصحبة من المواساة في اليسر والعسر. كما يوضح حق ابن السبيل والغريب في الإكرام والتوجيه.

خاتمة الدرس وصور من الإحسان

يختتم الشيخ الدرس مبيناً أن إعطاء المحتاج للمال أو ما يحتاجه يُعد من الإحسان. ويعلن الاكتفاء بهذا القدر على أن يستكمل في درس قادم.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد: قال العلامة السعدي رحمه الله عند قول الله جل وعلا: ﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنبِ﴾ [النساء: 36]، بعد ما ذكر عبادته سبحانه وتعالى والإحسان إلى الوالدين وذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب، قال: «والصاحب بالجنب». قال رحمه الله: «قيل: الرفيق في السفر»، لأنه أرادوا أن يفسروا لفظة «والصاحب بالجنب» بمعنى أنه مصاحب ومجانب، فلهذا اختار بعض المفسرين أنه الرفيق في السفر. والإمام السعدي رحمه الله غالباً ما يذكر الأقوال إلا إذا كان الخلاف شديداً فيذكر الأقوال في التفسير. فقيل: الرفيق في السفر، وقيل: الزوجة لأنها تحتاج إلى إحسان. لكن قد يكون أن الله عز وجل لم يذكر الزوجة في هذا لأنه ذكرها في مكان آخر وأمر بإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان، وقال الله عز وجل: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: 19]، أيضاً العشرة بالمعروف، ومن المعروف الإحسان. «خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي». قيل: وقيل الصاحب مطلقاً، ولعله أولى؛ لأن هنا بالجنب. بعض العلماء يقول: إنما قال الله عز وجل «بالجنب» لأن الصاحب هو الذي يصاحب صاحبه ويكون بجنبه في السراء والضراء، وفي الرخاء والشدة. وأما الصاحب الذي يكون في الرخاء ولا يكون في الشدة، أو يكون في السراء ولا يكون في الضراء، فهذا ليس بصاحب أصلاً. هذا ليس بصاحب، وإنما الصاحب الذي يقوم بجانب صاحبه فيجده في سرائه وضرائه، يجده في الشدة كما يجده في الرخاء. قد ذكر بعض أهل الأدب أن الصحبة في الرخاء فقط ليست بصحبة صحيحة، وإنما هي صحبة مصالح. فالصاحب هو الذي يكون في الشدة، يكون بجانب صاحبه في شدته، في مصيبته، في الأوقات التي يحتاج إليها أو يحتاج إلى صاحبه. وأما إذا كان صاحبه في الرخاء ثم في الشدة يتركه، في أن ما يحتاج إليه لا يجده، فهذه ليست صحيحة. ولهذا فالصاحب هو الذي يكون هكذا، ولا شك أن الصحبة لها تأثير على المصاحب، وأيضاً لها حق من الحقوق التي ينبغي للمسلم أن يراعيها لصاحبه. ومن ذلك قول النبي عليه الصلاة والسلام: «إذا تحاب الرجلان في الله فأحبهما إلى الله أحبهما إلى صاحبه» أو «أحبهما لصاحبه»؛ فالذي يكون أصدق وأحب إلى صاحبه يكون أحبهما إلى الله. ولا شك أن الصحبة المقصود بها التي تكون في الله عز وجل: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: 67]، فالصحبة التي تكون لله هي الصحبة المطلوبة، وهي من كمال الإيمان، وأيضاً تشرب الإيمان في قلب العبد، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، لا يحبه إلا ليس لأجل مصالح ولا لغيره». فلذا قال هنا المؤلف: «الصاحب مطلقاً»؛ لأنه كما قلنا الصاحب بالجنب هو الذي يقوم مع صاحبه. قال رحمه الله: «فإنه يشمل الصاحب في الحضر والسفر، ويشمل الزوجة». فعلى الصاحب... لأن الزوجة تسمى صاحب صاحبته وبنيه، فالزوجة تسمى أيضاً صاحب. وقال: «فعلى الصاحب لصاحبه حق زائد على مجرد إسلامه، من مساعدته على أمور دينه ودنياه، والنصح له». أن هذه من الحقوق العظيمة التي تكون لصاحب لصاحبه، أنه ينصح له، يكون ناصحاً له. وأيضاً على الصاحب أنه ينتصح لصاحبه، لا يكون عنيداً، وخاصة إذا كان في أمر فيه خير له، ينصح في دينه، في أمر دينه، في أيضاً استقامته في كذا، فإنه فالنصح مطلوب، والدين النصيحة. فإذا لم يكن بين الصاحب وصاحبه أو بين الصاحبين النصيحة، فليست هذه الصحبة صحيحة. ولهذا قال الحسن: «لأن تصحب أقواماً يخوفونك في الله خير لك من أن تصحب أقواماً يرجونك»، يجعلونك في رجاء دائم: «الله غفور رحيم، الله سيغفر لك، الله كذا، لا تشدد على نفسك، لا تفعل كذا»، فيجعلونك في الرجاء ولا يخوفونك. لكن الصاحب الذي يخوفك: «اتق الله، فستلقى الله عز وجل غداً، فماذا ستقول له وأنت تفعل مثل هذه الأفعال أو تقول مثل هذه الأقوال؟» فهذا الناصح. قال: «والموافاة معه في اليسر والعسر والمنشط والمكره»، هذا أيضاً من حقوق الصحبة، وأن يحب له ما يحب لنفسه. وقد ألف بعض العلماء في مثل هذه الحقوق: حقوق الصحبة والعشرة وآداب الصحبة، ومن ذلك منظومة الماوردي في الآداب، فهي أغلبها في الصحبة. قال: «أن يحب له ما يحب لنفسه، ويكره له ما يكره لنفسه، وكلما زادت الصحبة تأكد الحق وزاد». فأيضاً من الإحسان أن الإنسان يحسن إلى صاحبه، ومن الإحسان العظيم النصح، أن ينصح له، وأن يحب له ما يحب لنفسه. قال: «وابن السبيل وهو الغريب الذي احتاج في بلد الغربة أو لم يحتج، فله حق على المسلمين لشدة حاجته وكونه في غير وطنه، بتبليغه إلى مقصوده أو بعض مقصوده، وبإكرامه وتأنيسه». ليس أن المراد فقط يعطى مال، قد يكون مثلاً يحتاج إلى أن يدل على أماكن فيدله الشخص، أو هذا الدال يدله على بعض الأماكن التي يريدها، فهذا من الإحسان، يرشده أيضاً على بعض المخاطر، يرشده كذلك إلى الطريق الصحيحة. مثلاً حتى إذا كان إنسان مار بسيارة يريد منطقة أخرى، فإرشاده إلى الطريق الصحيح، وإرشاده إلى الطريق الذي يوصله بسلامة، ليس فيه مثلاً ما يؤذيه أو ليس فيه مخاطر، أيضاً يعتبر من الإحسان إلى ابن السبيل، يعتبر من الإحسان إلى ابن السبيل. وكذلك أيضاً إذا احتاج إلى مال، احتاج إلى كذا، فأعطيها، فهذا أيضاً من الإحسان. طيب، إن شاء الله نكتفي بهذا، ونخرج في درس قادم. ترجمة نانسي قنقر.