تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 80

تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 80

الدرس في تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 80، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

معنى الأمانة ووجوب أدائها

يشرح العلامة سعد أن الأمانة تشمل كل ما ائتمن الله عليه الإنسان من عبادات وأموال وولايات، ويؤكد وجوب أدائها كاملة دون نقص أو بخس أو مماطلة. يستدل المحور بالآية الكريمة وحديث الراعي والرعية لتأكيد شمولية المفهوم ووجوب الوفاء.

أنواع الأمانة وحفظ الأسرار وضمانها

يستعرض المحور أنواع الأمانة شاملة الولايات والأموال والأسرار، مستدلاً بحديث «إذا كلمك أخاك ثم التفت فهي أمانة» وقصة أنس بن مالك. يبين الحكم الفقهي بضمان من ضيع الأمانة ولم يحفظها في حرز مثلها، وعدم جواز أدائها إلا لصاحبها أو من أذن له.

أحكام رد الأمانة ومفهوم العدل الشرعي

يبيّن المحور أحكام رد الأمانة إلى صاحبها أو وكيله وعدم جواز تسليمها لغيرهما إلا في حالات الضرورة. يستعرض مفهوم العدل الشرعي بأنه وضع الشيء في موضعه وفق ما شرعه الله، مؤكداً أن كل أحكام الله عدل وما خالفها ظلم وجاهلية.

فضل أوامر الله وعدالتها في تحقيق المصالح

يؤكد المحور أن أوامر الله ونواهيه هي من أعظم ما شرع، فهي أحكام عدل وأقوال صادقة تتضمن مصالح العباد. يبين أن العبادة تتجلى في اتباع تلك الأوامر لما فيها من حكمة وعدل شامل.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال العلامة سعد رحمه الله تعالى عند قول الله جل وعلا: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا ﴾. قال رحمه الله: الأمانات كل ما تمن عليه الإنسان وأمر بالقيام به، فأمر الله عز وجل عباده بأدائها أي كاملة موفرة، لا منقوصة ولا مبخوصة. لا منقوصة ولا مبخوصة، ولا منقوصة بها، منقوصة بها معنى أنه يماطل في وقت السداد أو في وقت التسليم. فالأمانات كل ما تمن عليه الإنسان. إن عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان، إنه كان ظلوما جهولا. فالأمانة كل ما تمن عليه الإنسان وتعاهد عليه أو أمر به، فقد أخذ الله عز وجل الميثاق على الناس أن خلقهم أن يعبدوه جل وعلا، فهذه أمانة في عناقهم. فالأمر والنهي أمانة، وليس المراد بالأمانة فقط المال الذي يعطى به أو الوديعة. الوديعة تعتبر نوعا من أنواع الأمانة التي ينبغي لصاحبها أن يؤديها متى ما جاء صاحبها، أو ينبغي لهذا المؤتمن أن يؤديها متى ما جاء صاحبها. ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا ﴾. أيضا كذلك الوصايع، أيضا الإرسال: إنسان أرسل شيئا مع آخر، قال له: أعط فلانا هذا الشيء، فهذه أمانة. أيضا كذلك إنسان قال لشخص عنده شيء: قال له لا تعطيه إلا فلانا، فهذه أيضا أمانة. فهذا في الأموال. وكذلك كما قلنا: الأمانة في العبادات، أمنك الله عز وجل وأوثق بطاعته، فهذا وثاق وعهد على طاعة الله جل وعلا، فهي أمانة في عنقك. هكذا لا بد أن يؤديها كاملة موفرة، لا يقص شيئا منها ولا يبخس منها شيئا ولا يماطل بها، فكل ذلك يعتبر أنه لم يؤد الأمانة على ما ينبغي أن تؤدى. فإنه إن أنقصها فهو خان الأمانة، وإن أبخسها كذلك، وكذلك إن ماطل بها. قال: ويدخل ذلك أمانات الولايات، وهي أيضا من أعظم الأمانات. فعلى الولايات مثلا الخليفة الحاكم، فهذه أمانة عظيمة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما من راعي استرعاه الله رعية...» الراعي هذا أمين على رعيته، فلا بد أن يحطهم بنصحه، وإلا كان خائنا. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لكل غادر لواء ينصب له يوم القيامة، يقال: هذه غدرة فلان». هذا الغادر الذي لم يؤد الأمانة، وإذا اؤتمن خان، وإذا عاهد غدر. فهذا كله من عدم أداء الأمانة. فقال: ويدخل في ذلك أمانات الولايات، والأموال، والأسرار. أيضا الأسرار أمانة. في الحديث الذي أخرجه أحمد وغيره، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إذا كلمك أخاك ثم التفت فهي أمانة». حتى لو لم يقل لك أن هذا الكلام سر. فإذا رأيت الرجل يكلمك ويلتفت: هل في أحد جاي أو لا؟ فهذا معنى أمانة، أي سر. فإذا أعطاك هذا السر وحدك، قال لك: هذا بيني وبينك. الكلام ليس كما يفعل كثير من الناس الآن، أصبحت عادة أن المتكلم يقول: هذا الكلام بيني وبينك، وهو لا يريد أنه سر، وإنما يريد أنه يخبره بشيء استنتجه، استنتجه مثلا من الأحداث التي حصلت أو كذا، أو بعض المشاكل، فيقول له: بيني وبينك. لكن الصحيح أن هذه الكلمة المراد بها سر. فإذا قال له: هذا سر بيني وبينك، فمعنى ذلك أنها أمانة. ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام لما أمن أنس أرسله إلى مكان، فقالت له أمه أم سليم: إلى أين أرسلك رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: يا أمي، هذا سر رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقالت: فلا تفشه يا بني. قالت له: لا تفشه، لا تقول لأحد، ولا تخبر أحدا. هذه المرأة العاقلة، قالت له ما دام... كأنها تقول: ما دام أنه سر أسر لك به النبي صلى الله عليه وسلم، فلا تخبر به أحدا، حتى أمك لا تخبر به أحدا. فهذه أيضا أمانة. قالوا: المأمورات التي لا يطلع عليها إلا الله. وقد ذكر الفقهاء على أن من أوتي من أمانة وجب عليه حفظها في حرز مثلها. أن إذا ضيع، فلم يحفظها في حرز مثله، فإنه يضمن. الأصل أن من عنده أمانة يكون أمينا، وغير ضامن، يكون غير ضامن إلا إذا تعدى وفرط. فإذا تعدى وفرط فإنه يضمن. فلذلك إذا لم يحفظها في حرز مثلها، فمعناه أنه فرط. قالوا: لأنه لا يمكن أداؤها إلا بحفظها، فوجب ذلك. في قوله: ﴿ إِلَى أَهْلِهَا ﴾ دلالة على أنها لا تدفع وتؤدى لغير المؤتمن. أنا إذا قال له: هذه أمانة، أعطها أو لا تعطها أحد، سآتي لك، سآتي عندك بعد أيام، أخذها، فلا يجوز له أن يعطيها، ولو ابنه. حتى لو ابنه لا يجوز له أن يعطيها إياه، لأنه لم يأذن له لإعطائها إياه. إلا إذا كان مثلا اضطر إلى ذلك، مثلا وعده أن يأتي إليه بعد ثلاثة أيام ثم لم يأت، وهذا المؤتمن يريد أن يذهب إلى مكان، يريد أن يسافر، فهو يخاف أن تضيع هذه الأمانة، فيعطيها ابن هذا الرجل أو وكيله. قال: ووكيله بمنزلته، إذا كان قد أذن له أن يعطيه إياه. قال: فلو دفعها لغير ربها لم يكن مؤديا لها. فإذا دفعها إلى غير وليها فلم يكن مؤديا لها. قالوا: ﴿ وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ﴾. وهذا يسمى الحكم بينهم في الدماء والأموال، والأعراض، القليل من ذلك والكثير، على القريب والبعيد، والبر والفاجر، والولي والعدو. والمراد بالعدل الذي أمر الله به، الذي أمر الله بالحكم به، هو ما شرعه الله على لسان رسوله من الحدود والأحكام. وهذا يستلزم معرفة العدل يحكم به. وأحكام الله عز وجل كلها عدل. ﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا ﴾، صدقا في الأقوال وعدلا في الأحكام. فلذلك فكل أحكام الله عز وجل فهي عدل. والعدل أصلا هو وضع الشيء في موضعه، وضع الشيء في موضعه. فالأحكام هذه التي شرعها الله عز وجل، سواء كانت الحدود أو غيرها، هي من وضع الشيء في موضعه. وخلافها الظلم، وخلافها الظلم. أقصد: إذا كان هناك غيرها من الحدود أو الأحكام، يأتي الإنسان بحكم آخر غير حكم الله، غير حكم الله، فهذا الحكم يعتبر من حكم الطاغوت، حكم الجاهلية. ﴿ أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴾. فلذلك فأي حكم غير حكم الله فهو حكم ظالم، إذا كان مخالفا بحكم الله جل وعلا. قالوا: لما كانت هذه أوامر حسنة عادلة، قال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا ﴾. وهذا مدح من الله لأوامره ونواهيه، لاجتبالها على مصالح الدارين ودفع مضارهما. لأن شارعها السميع البصير الذي لا تخفى عليه خافية، ويعلم من مصالح العباد ما لا يعلمون. ﴿ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ﴾. وهو ربنا جل وعلا، هو الذي خلق العباد، وهو أعلم بما يصلحهم، وهو أعلم لما يصلح هؤلاء العباد. فلذلك قال الله عز وجل: ﴿ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ ﴾، أي أن هذه الأوامر والنواهي هي من أعظم ما أمر الله عز وجل به، وهي عدل، أحكام عدل، وأقوال صادقة، وأيضا فيها مصالح العباد، فيها مصالح العباد. فهذا معنى هذه العبادة كما ذكره المؤلف، والله تعالى أعلم.