الدرس في تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 94، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يفسر العلامة السعدي آية النساء 75 مبيناً عتاب الله للمؤمنين على ترك القتال بينما يستغيث المستضعفون، وأن الجهاد فرض عين لدفع الظلم وحماية بيوت الله، وهو من أعظم المصالح لحفظ الدين والأمة. ويوضح أن التشريع جاء لحكمة بالغة في نصرة الضعفاء من الرجال والنساء والولدان.
يصف المقطع اعتداء الأعداء على المساجد وتخريبها ومنع ذكر الله، مستشهداً بالآية الكريمة، ويبين أن الجهاد في الإسلام مراتب تبدأ بالدعوة ثم الجزية ثم القتال كملاذ أخير. ويؤكد أن قتال المعتدين يهدف لردعهم ونشر دين الله وحماية حرماته.
يبيّن المقطع أن قتال الكفار حتى يرجعوا عن كفرهم يدخل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن من أعظم مقاصد الجهاد الدفاع عن المستضعفين العاجزين عن الدفاع عن أنفسهم كما في حال غزة. ويوضح أن الآية نزلت في المدينة تأمر بقتال الكفار لاستنقاذهم، وهذا جهاد دفع أعظم أجراً من جهاد الطلب وواجب على المستطيعين أينما كانوا.
يختم المتحدث بذكر الحكمة العظيمة للجهاد في سبيل الله وهي نصرة ضعفاء المسلمين، مشيراً إلى أن الله سيذكر أحكاماً وحكماً أخرى في الآيات القادمة. ويؤكد أن هذه الحكمة هي العلة الكبرى لتشريع الجهاد في مواطن الضعف والاستغاثة.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد: قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى عند قول الله جل وعلا: ﴿ وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا ﴾ [النساء: 75]. يقول رحمه الله: هذا حق من الله تعالى لعباده المؤمنين، وتهييج لهم على القتال في سبيله، وأن ذلك قد تعين عليهم، وتوجه اللوم العظيم عليهم بتركه. أن الله عز وجل يعاتب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ ﴾، أي: يقول الله عز وجل: لماذا لا تقاتلون في سبيل الله جل وعلا، والحال أن المستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا؟ أي: من يدفع عنهم هذا الظلم، ومن يدافع عن هؤلاء إلا أنتم؟ ففي هذا حكمة من الحكم العظيمة للجهاد في سبيل الله، وهو المدافعة عن المستضعفين من أهل الإيمان، لأن الكفار لا يبالون بأهل الإيمان، بل يقتلونهم ويعذبونهم، فلذلك يحتاجون من يدافع عنهم، فأنتم تدافعون عنهم، فلذلك قاتلوا هؤلاء الكفار، ولا تجلسوا، ولا تتأخروا عنهم، ولا تتباطؤوا في قتالهم، بل قاتلوهم في سبيل الله جل وعلا. وقيل: إن هذه الآية نزلت كما جاء في الصحيح، نزلت في بعض أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام لما كانوا في مكة، وقيل: أوسية. إن شاء الله تعالى أيضا الآيات التي نزلت في هذه الحادثة. وهنا الله عز وجل يأمر عباده، ويحثهم، ويهيجهم على القتال. وهذا كما قلنا من الحث على أعمال البر، أن الله عز وجل يحث في كتابه، كما قال جل وعلا: ﴿ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [يونس: 25]، وكما قال جل وعلا: ﴿ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ ﴾ [البقرة: 221]. فربنا جل وعلا يدعو عباده إلى الخير، وإلى البر، وإلى ما فيه صلاحهم في الدنيا والآخرة. فهذا الجهاد في سبيل الله فيه مصالح عظيمة، كما قال جل وعلا: ﴿ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾ [الحج: 40]. فمن هذه الحكم العظيمة أن الله عز وجل يدفع بهذا الجهاد عن أهل الإيمان، أن لا يتسلط عليهم الكفار، فيقتلوهم ويخربوا مساجدهم، ويفعلوا ويفعلوا. وهذا دأب أعداء الله عز وجل، فتجد أنهم يقتلون أهل الإيمان، ويقتلون أهل الإسلام، وأيضا كذلك يعتدون على ما يوصل الناس إلى الخير كالمساجد، ومراكز العلم، وأيضا غيرها مما يكون فيه خير عظيم، ونشر لدين الله، وفيها أيضا عبادات الناس، عبادات أهل الإسلام من المساجد وغيرها، فيأتي هؤلاء الأعداء ويهدموا مثل هذه المساجد حتى لا تقام فيها الصلاة، وكما قال الله عز وجل: ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا ﴾ [البقرة: 114]. فتجد أعداء الله عز وجل يحرصون على هذا، مثل ما حصل هذه الأيام، يحصل في بعض المناطق، تجد أن هؤلاء الروافض يخربون المساجد، ويفجرونها، يفجرون مساجد أهل السنة، وكذا لأجل أن لا يكون فيها خير، ويجعلون المساجد أماكن للتخزين، أو مكانا لملاهيهم ومجالسهم، فليست عندهم حرمة للمساجد أبدا، بل هم لا يصلون أصلا في المساجد، أنصلوا. وأما أهل الحرب منهم فقد جاء عذرهم من عند سيدهم، يعذرهم عن الصلاة، خلاص. معنا معي يقولون: أصحاب الغزو والقتال لا صلاة عليهم، تسقط عنهم الصلاة. وهذا ليس من دين الله عز وجل في شيء، بل هؤلاء أعداء الله وأعداء الإسلام، حرفوا دين الله جل وعلا، ولهذا تجد أنهم يقتلون أهل الإسلام، ويخربون مساجدهم. فلذلك أمر الله عز وجل بالجهاد في سبيله سبحانه وتعالى، لردع مثل هؤلاء الذين يريدون أن يتسلطوا على أهل الإسلام. كذلك أيضا هذا الجهاد في سبيل الله هو سبيل عظيم لنشر هذا الدين، من السبل العظيمة، ومن الدعوة إلى الله جل وعلا. ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام إذا أوصى، أو إذا بعث البعوث، يوصي قائدهم بثلاث: أولا أنه يدعوهم إلى الإسلام، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «انفذ على رسلك»، قال لعلي: «انفذ على رسلك، فادعهم إلى الإسلام، فإن هم أجابوك، وإلا فسلهم الجزية»، أي: صالحهم، خذ منهم الجزية، «فإن هم لم يجيبوك فاستعن بالله وقاتلهم». فأولا يدعوهم إلى الله جل وعلا، يدعوهم بالكلام، يبين لهم حجة الإسلام، يبين لهم الآيات التي جاءت، فيدعوهم إلى الله، لأن المقصد هو أنهم يدخلون دين الله، المقصد هو الخير لهم. فإن لم يأتوا بالكلمة الطيبة، جعلوا أنهم يكونون تحت إمرة المسلمين، حتى لا يتسلطوا على أهل الإسلام، فيكونون تحت إمرتهم، فيدفعون الجزية، وتحت حكمهم. فإن لم يحصل ذلك أيضا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «فاستعن بالله وقاتلهم». فالقتال بعد هذه الأمور لأجل أن المقصود هو دعوة الناس للخير، دعوة الناس لدين الله جل وعلا: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ [آل عمران: 110]. فالله عز وجل يقول: لو كان هؤلاء سيؤمنون، هذا هو الخير، فلا يكون بعد ذلك قتال بينكم وبينهم. لكن إن أبوا إلا الكفر، فيقاتلون حتى يرجعون عن كفرهم. وكما قلنا: هذا القتال هو من الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله، وإخراج الناس من ظلمات الجهل، من ظلمات الكفر إلى نور الإسلام، ولا هداية الله جل وعلا. وأيضا من هذه الحكم: أن هذا الجهاد هو مدافع أيضا، مدافع عن المستضعفين من المؤمنين. فإذا لم يدافع عن هؤلاء أحد من المسلمين، فإنهم سيقتلون ويبيدوهم هؤلاء الأعداء، مثل ما يحصل الآن في غزة، وفي بعض بلاد المسلمين، تجد أن هؤلاء الكفار من اليهود والنصارى وغيرهم يقتلون هؤلاء العزل، يقتلون هؤلاء المستضعفين، وأيضا يخربون بيوتهم ومساجدهم وغير ذلك. قال: والحال أن المستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا، ما عندهم الطريق للمدافعة. قالوا: مع هذا فقد نالهم أعظم الظلم من أعدائهم، فهم يدعون، يدعون، يدعون الله أن يخرجهم من هذه القرية الظالم أهلها لأنفسهم بالكفر والشر، وللمؤمنين بالأذى والصد عن سبيل الله، أن يحتاجون إلى من يدافع عنهم، من يدافع عنهم، لأن هؤلاء يظلمونهم، وهم من أهل هذه القرية نفسها. وهذا قيل: إن المراد بها مكة قبل الهجرة، ولهذا أمر الله عز وجل بالهجرة، لكن بقي هناك من المستضعفين في مكة، بقي من المستضعفين في مكة، فلذلك أمر الله عز وجل أهل الإسلام بجهادهم حتى يدافع عن هؤلاء المستضعفين. وكأن هؤلاء المستضعفين ينادون إخوانهم، ويستغيثون بإخوانهم على أن ينقذوهم من هؤلاء الكفار. قالوا: مع هذا فقد نالهم أعظم الظلم من أعدائهم، فهم يدعون الله أن يخرجهم من هذه القرية الظالم أهلها لأنفسهم بالكفر والشرك، وللمؤمنين بالأذى والصد عن سبيل الله، ومنعهم من الدعوة لدينهم والهجرة، ويدعون الله أن يجعل لهم مولى ونصيرا، لأن كفار قريش، فمن علموا أنه أسلم، تجد أنه يحبسونه ويعذبونه، ولا يجعلونه يهاجر في سبيل الله. قال: ونصيرا يستنقذهم من هذه القرية الظالم أهلها. فصار جهادكم على هذا الوجه من باب القتال والذب عن عيلاتكم وأولادكم ومحارمكم. لأن باب الجهاد الذي هو الطمع في الكفار، فإنه وإن كان فيه فضل عظيم، ويلام المتخلف عنه أعظم اللوم، فالجهاد الذي فيه استنقاذ المستضعفين منكم أعظم أجرا وأكبر فائدة، بحيث يكون من باب دفع الأعداء. وسواء كان هذا يحصل بجهاد الدفع، أو جهاد الذي يكون فيه هجوم على الكفار، فكل ذلك ينبغي أن يكون فيه المسلم يعجل أن ينقذ إخوانه. وهذا عند الاستطاعة بذلك: إذا استطاعوا أن ينقذوا إخوانهم، فالواجب عليهم أن ينقذوهم. وسواء كان كما قلنا هم في نفس البلاد، أو في خارجها، حتى يستنقذ هؤلاء المستضعفين. وهذه الآية نزلت في المدينة، هذه الآية نزلت في المدينة، أمر الله عز وجل أهل الإسلام أن يقاتلوا الكفار، أن يقاتل الكفار حتى، حتى يستنقذ هؤلاء الضعفة الذين يعذبوهم هؤلاء ويقتلونهم. فهذا حكمة من حكم العظيمة في الجهاد في سبيل الله، لأجل ضعفة المسلمين. وسيذكر الله عز وجل أيضا بعد ذلك أيضا حكم عظيمة أيضا لأجل الجهاد في سبيل الله، أو في الجهاد في سبيل الله، في الآيات التي ستأتي، إن شاء الله تعالى. فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.