تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 96

تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 96

الدرس في تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 96، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

مراحل تشريع الجهاد من مكة إلى المدينة

تدرج تشريع الجهاد بدأ في مكة بأمر المسلمين بكف الأيدي وإقامة الصلاة والزكاة دون قتال، ثم أذن الله بالقتال دفاعاً عن المظلومين، وتطور إلى أمر بقتال المعتدين ونزول آية السيف التي توسع الجهاد في عهد النبي والخلفاء. يعكس هذا التدرج حكمة إلهية في بناء الأمة عسكرياً وعقائدياً قبل فرض القتال.

حكمة تأخير الجهاد لرسوخ العقيدة والتربية

أخّر الله فرض الجهاد إلى المدينة ليتمكن المسلمون من ترسيخ العقيدة الصحيحة وتعلم التوحيد، لأن القتال مع عقيدة فاسدة لا ينفع كما شوهد في تجارب تاريخية. أكد العلماء كالألباني على أولوية التربية والتصفية العقدية قبل مشروعية الجهاد مراعاة للمصلحة العظمى.

حكمة تأخير الجهاد لقلة العدد والعتاد في مكة

لم يفرض الله القتال في مكة لقلة عدد المسلمين وعتادهم أمام كثرة المشركين خشية استئصال الدين، بينما فُرض في المدينة عند توفر القوة والاستطاعة. قتال العدو الأضعف جائز، أما الأضعف بكثير فيحرم لئلا يلقوا بأنفسهم إلى التهلكة.

اعتراض المنافقين على توقيت فرض القتال

اعترض المنافقون على توقيت فرض القتال بقولهم: ﴿ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ ﴾، وبين المقطع أن من يستعجل الأمور قبل أوانها يفتقر إلى الصبر والثبات عند حلولها فيعاقب بحرمانه من تحملها. يبرز هذا الموقف خطورة الاستعجال ومخالفة التوقيت الإلهي.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن ولاه. أما بعد، قال العلامة سعد رحمه الله تعالى عند قول الله جل وعلا: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَىٰ وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا * أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ ﴾. قال رحمه الله: كان المسلمون في مكة مأمورين بالصلاة والزكاة، أي مواساة الفقراء، للزكاة المعروفة ذات النصب والشروط؛ فإنها لم تفرض إلا بالمدينة، ولم يؤمروا بجهاد الأعداء لعدة فوائد. أن هذا الآن يذكرهم الله عز وجل بالوضع الذي كان عليه أهل الإسلام في مكة، بعدما ذكر لهم الأمر بالجهاد في المدينة وغيره، الآن يذكرهم ما حصل بمكة: أنه لم يأمرهم بالجهاد، لكن هناك من الصحابة رضي الله تعالى عنهم من كان يأتي إلى النبي عليه الصلاة والسلام ويقول له: نريد أن نقاتل. جاء عن جماعة من الصحابة الذين كانوا في مكة، ومنهم عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنهم، وهذا لشدة معنى لصلابة دينهم وإيمانهم؛ أرادوا أن يقاتلوا المشركين، أرادوا أن يقاتلوا أهل الشرك، ولا يجعلون لأنفسهم الهوينة والدنية، فلذلك طلبوا من النبي عليه الصلاة والسلام أن يأذن لهم في قتالهم، وهذا سبب نزول هذه الآية، جاء في الصحيحين: «أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ»، أي في مكة. ونبأ هنا الشيخ أن قوله: ﴿ وَآتُوا الزَّكَاةَ ﴾ أي مواساة الفقراء؛ لأن الزكاة لم تفرض إلا في المدينة في السنة الثانية. قال: ﴿ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً ﴾. قال: لما كتب عليهم القتال، وفرض عليهم، أولا أذن الله عز وجل لهم بأن يقاتلوا من يعتدي عليهم، وأولا أذن أيضا لهم أنهم مظلومون: ﴿ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ﴾. لم يأمرهم بقتال، ثم أمرهم بأن يقاتلوا من يقاتلهم ومن يعتدي عليهم: ﴿ وَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ ﴾. ثم بعد ذلك نزلت آية السيف، أي آية القتال: ﴿ وَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ ﴾. وأيضا قال الله عز وجل: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ ﴾. نزلت في أهل الكتاب أنهم يقاتلون، وفي المشركين: ﴿ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً ﴾، و﴿ اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ ﴾. فهذه آية أو آيات السيف، أي نزول الجهاد وقتال الكفار من أهل الكتاب ومن المشركين. لكن أهل الكتاب جعل الله عز وجل لهم الجزية حتى يرجعوا؛ لأنهم أهل دين، فأعطاء، فإذا رضوا بالجزية بدفع المال للمسلمين وحكم المسلمين عليهم فيتركوهم. وأما أهل الشرك وعبادة الأوثان فهؤلاء لا جزية لهم، وإما أنهم يدخلون في دين الإسلام، أو أنهم يقعون في حرب أهل الإسلام حتى لا تكون لهم شوكة وتكون لهم جولة وصولة، بعد ذلك تسلطوا على المسلمين. ولهذا لما فرض الله عز وجل الجهاد بدأ بقريش، ثم باليهود، ثم بمن كان في المدينة من يهود بني قريضة وبني قينقاع وغيرهم، ثم بعد ذلك توسع النبي صلى الله عليه وسلم حتى قاتل الروم، وأرسل جنوداً إلى الشام، ثم بعد ذلك توسعت الفتوحات في عهد الخلفاء رضي الله عنهم، وكذلك في عهد بني أمية توسعت أكثر. فلذلك حصل من بعض الصحابة رضي الله عنهم أنهم طلبوا من النبي عليه الصلاة والسلام في مكة أنهم يقاتلون المشركين، فلما كتب عليهم القتال في المدينة كأنهم رأوا أنه ليس وقت قتال، لما استقروا في المدينة رأوا أنه ليس وقت قتال، فلذلك خشي بعضهم من الأعداء، يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية، وقالوا: ﴿ رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ ﴾. قال هنا المؤلف رحمه الله: فإنها لم تفرض إلا بالمدينة، ولم يؤمروا بجهاد الأعداء لعدة فوائد، لذلك سيذكر الفوائد العظيمة والمسائل التي من أجلها لم يأمر الله عز وجل المسلمين بقتال الكفار وهم ببكة. قال رحمه الله: منه أن من حكمة الباري تعالى أن يشرع لعباده الشرائع على وجه لا يشق عليهم، ويبدأ بالأهم فالأهم، والأأسهل فالأأسهل. فإنهم كانوا في مكة يحتاجون إلى علم، يحتاجون إلى رسوخ العقيدة؛ لأن رسوخ العقيدة له أهمية عظيمة في جهاد الأعداء. أما إنسان عقيدته ليست صحيحة، يعتقد في القبور ويعتقد في كذا، ثم يقاتل المشركين، ليست هناك فائدة في قتاله، ليست هناك فائدة في قتاله؛ لأنه ليس راسخاً في عقيدة، عقيدة الإسلام غير صحيحة عنده. فلذلك تجد في الجهاد الأفغاني مثلاً كانوا يستغيثون بالمقبورين، يستغيثون بالأموات، وهم في مكان الجهاد، لكن الله عز وجل لم ينصر أهل الإسلام بهؤلاء، فلذلك خذلوا، لكن نصر الله عز وجل الإسلام بأهل السنة حتى طردوا هؤلاء الروس أهل الشيوعية والاشتراكية، فطردوا من أفغانستان بحمد الله جل وعلا وبنصره سبحانه وتعالى. لكن كما قلنا عاد هؤلاء أهل الشرك وأهل الوثنية فتصدروا الأمور بعد ذلك، وصاروا هم القادة، مثل صبغة الله مجددي، أو وهو صبغة الشيطان، وهو ممن هو متأثر بأهل القبور وغيره. المهم أنه حصل بعد ذلك عدم الاستقرار في هذه الدولة، لكن الله عز وجل أبعد عنهم العدو الأكبر. فلذلك يحتاج أهل الإسلام إلى العلم، أن يتعلموا أولاً التوحيد، ترسخ عقائدهم. يأتي رجل في الجهاد وهو يعمل تميمة، أن الكثير من من يجاهد تجد أنه عليه تميمة، يعتقد في مخلوق، كيف تقاتل في سبيل الله وأنت تعتقد في مخلوق مثله؟ وهكذا من الأشياء التي تحصل عند هؤلاء بعدم رسوخ عقيدتهم. وأيضاً كذلك بعضهم يتحول إلى الفرق الباطلة، تجد إذا حمل السلاح وقاتل في شيء من الغزوات مثلاً أو الخروجات، فتجد بعد ذلك يألف القتل، يألف القتل؛ لأنه ما يقاتل لأجل الله، وإنما يقاتل لأجل أنه يجد أنه شجاع وأنه كذا، فبعد ذلك يكون تجد من أهل التفجير والفساد. فهذا أيضاً بسبب أنه لم ترسخ عقيدته، لم يتعلم منهج الصحابة رضي الله عنهم، فيحصل له الخلل، فيذهب مع هؤلاء من أهل الفساد والتفجير والتكفير، فيكفر المسلمين بعد ذلك. وهذا كله بسبب كما قلنا عدم رسوخ العقيدة، يقولون: نحن أهل عقيدة، نحن أهل توحيد، لكنه لو كانوا أهل توحيد لما كفروا أهل الإسلام، ولما قتلوا وفجروا أهل الإسلام، لكن جاءهم الشيطان من طريق أخرى. فلذلك يحتاج أهل القتال إلى تعلم الدين، فلذلك النبي صلى الله عليه وسلم لم يشرع لهم، لم يشرع الله عز وجل لهم الجهاد وهم في مكة؛ لأنهم يحتاجون إلى دعوة، يحتاجون إلى علم. وهذا كان يقوله بعض العلماء، الشيخ الألباني رحمة الله عليه، وغير من الأئمة، يقولون: الناس الآن ما يحتاجون إلى جهاد مثل حاجتهم إلى العلم، يتعلمون، يتربون. ولهذا الشيخ رحمه الله كانت عنده قاعدة: أن التربية أولاً، يتربون على العلم، يتربون على الخير، أو يقول: التصفية ثم التربية، التصفية ثم التربية، أولاً يصفون في عقيدتهم، ثم بعد ذلك يربون على شرائع الإسلام، ومنها الجهاد في سبيل الله. قالوا: منه أنه لو فرض عليهم القتال مع قلة عددهم وكثرة أعدائهم لأدى ذلك إلى اضمحلال الإسلام، فروعي جانب المصلحة العظمى على ما دونها، ولغير ذلك من الحكم. أنه في مكة يستطيعون أن يقاتلوا، لكن سيتكالب عليهم أهل الشرك وهم كثير، وليس لهم أيضاً عدة من ناحية العدد، عددهم قليل، ومن ناحية العدة ليس ما أهم تلك العدة التي يعدون بها على هؤلاء المشركين، وأيضاً المشركون كثيرون، فلذلك لم يأمر الله عز وجل بالقتال. وحتى لما فرض الله عز وجل على أهل الإيمان القتال جعل أولاً الواحد بعشرة من المشركين، جعل الواحد من المسلمين بعشرة من المشركين، ثم خفف ذلك لما علم فيهم من الضعف، فخفف ذلك فجعل الواحد باثنين، فجعل الواحد باثنين. فلذلك إذا كان قال العلماء: إذا كان الأعداء أكثر من ضعف أهل الإسلام فلا يجب عليهم القتال. إذا كان الأعداء أكثر من ضعف أهل الإسلام فلا يجب عليهم القتال، معنا عند المواجهة لا يواجهون أكثر من ضعفهم، لكن إذا فعلوا ذلك ما في شيء هو جائز، الأمر يخرج من الوجوب إلى الاستحباب، إذا كانوا يستطيعون قتالهم وعندهم القدرة على القتال. وأما إذا كان ليس عندهم قدرة على قتالهم فقد يكون يخرج من الاستحباب إلى التحريم، قد يخرج من الاستحباب إلى التحريم؛ لأنهم يؤدون أنفسهم إلى التهلكة. على عدد قليل يقاتل جيش كبير لا يستطيعون. أما إذا كان يستطيعون وقد جربوا مثل الصحابة رضي الله عنهم جربوا حروباً واستطاعوا بدهائهم وخبرتهم أن ينتصروا على هؤلاء المشركين فهذا جائز. أما إن كان مثلاً ما عندهم خبرة، ولا عندهم أيضاً تصور للحروب، ولا عندهم أيضاً ما يستطيعون أن يقاوموا غيرهم، أو هذا العدو أحياناً مثلاً العدو يكون معه سلاح لا يستطيع هؤلاء أهل الإسلام رده، أو هؤلاء الذين اجتمعوا لأجل قتالهم لا يستطيعون رده، مثل ما حصل في كتاف، لما كان أهل السنة يقاتلون الحوثي فلم يستطع أن ينتصر عليهم، ثم جاءوا بدبابات حديثة لم يستطع ردها شباب أهل السنة، وأيضاً المقاتلون ضد هذا الحوثي، فلذلك هزموا، هزموا بسبب أنهم لم يستطيعوا أن يردوا هذه الدبابات وغيرها، وقد يكون أيضاً هناك أسباب أخرى. المهم أنه أحياناً يأتي العدو معه سلاح لا يستطيع أن يقف عنده أهل الإسلام وجيوش الإسلام، بسبب أنه ما عندهم ما يردون بهذا السلاح، عندهم أسلحة لكنها ضعيفة، لكنها ضعيفة. فلذلك لم يجعل الله عز وجل الجهاد في مكة لأجل هذه الأمور، أيضاً ما عندهم عدة ولا عدد. فقال الشيخ: لو فرض عليهم القتال مع قلة عددهم وكثرة أعدائهم لأدى ذلك إلى اضمحلال الإسلام، فروعي جانب المصلحة العظمى على ما دونها. ولهذا تجلّى في بعض الأماكن لما حاول أهل تلك الأماكن جهاد أعدائهم وليس عندهم ما يقاومون، فصار هؤلاء الأعداء يتسلطون عليهم ويقتلونهم، وأيضاً يجلونهم ويغتصبون نساءهم وكذا، مثل ما حصل في بعض بلاد، حصل في أوروبا وغيرها، لما قاتلوا أهل الشيشان الصرب، فكانوا مدفوعين من الكفار، وأيضاً عندهم أسلحة، عندهم كذا، وهؤلاء ليس معهم تلك الأسلحة التي يردون به أعداءهم، فقتلوا كثيراً من أهل الشيشان، وسبوا أيضاً كثيراً منهم، وأيضاً سبوا نساء واغتصبوهن، وهكذا حصل ما حصل بسبب ضعف عدتهم وعددهم. قالوا: كان بعض المؤمنين يودون أن لو فرض عليهم القتال في تلك الحال، غير اللائق فيها ذلك، وإنما اللائق فيها القيام بما أمر به في ذلك الوقت من التوحيد والصلاة والزكاة ونحو ذلك، كما قال تعالى: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا ﴾. فلما هاجروا إلى المدينة وقوي الإسلام كتب عليهم القتال في وقته المناسب لذلك، فقال فريق من الذين استعجلوا القتال قبل ذلك: خوفاً من الناس وضعفاً وخوراً: ﴿ رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ ﴾. أنا بعد هذا جاء أمر القتال في المدينة، فقالوا: ﴿ رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ ﴾. قالوا في هذا تضجرهم واعتراضهم على الله، وكان الذي ينبغي لهم ضد هذه الحال التسليم لأمر الله والصبر على أمره، فعكسوا الأمر. المطلوب منهم أن استعجلوا في مكة، ولما كتب عليهم القتال قالوا: ﴿ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ ﴾. قالوا: ﴿ فَقَالُوا لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ ﴾، أي هلا أخرت فرض القتال مدة متأخرة عن الوقت الحاضر، كأنهم يرون أن هذا الوقت ليس مناسباً، وهذا اعتراض على الله عز وجل. قالوا: هذه الحال كثيراً ما تعرض لمن هو غير رزين واستعجل في الأمور قبل وقتها، فالغالب عليه أنه لا يثبت عليها وقت حلولها، ولهذا يقولون: من استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه. قال: ولا ينوء بحملها، بل يكون قليل الصبر؛ لأنه استعجل هذه الأمور قبل أوانها. فلذلك لما فرضت ولما جاء وقتها تجد أنه لم يستطع أن يتحملها. طيب، إن شاء الله تعالى نكون في درس اللاحقات.