الدرس في تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 110، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح العلامة السعدي حكم قتال من يدعي الإسلام ولا يهاجر، مبيناً الاستثناء الأول وهو من يلجأ إلى قوم بينهم وبين المسلمين عهد فيحرم دمه وماله. يستدل بقول النبي ﷺ: «ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم».
الفرقة الثانية اعتزلت القتال احتراماً للعهد فأمر الله بتركهم ما داموا لم يقاتلوا وألقوا السلم. الفرقة الثالثة تسعى للأمن من الجانبين وتعود للفتنة عند كل فرصة، فيُحكم بقتالهم إن لم يعتزلوا ويسلموا ويكفوا أيديهم.
الفرق الثلاث المذكورة استثنيت من القتال لوجود صلح أو عهد بينها وبين المسلمين. أما المشركون الذين لا عهد لهم فدماؤهم وأموالهم حلال ويجب قتالهم.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قال العلامة السعدي عند قول الله جل وعلا: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا * وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾. فهذا بيان من الله جل وعلا، كما تقدم من كلام الشيخ، أولاً: بيان الله عز وجل بعض المنافقين، وأن أهل الإسلام يتركونهم على ما هم عليه، ولا يخالقونهم، ولا أيضًا يسالمونهم. وكذلك أيضًا بعض من يدعي الإسلام ثم لم يهاجر من أرض العدو، وبقي في أرض العدو مع أنه يؤذى، فهؤلاء هم من أهل الضلال الذين أضلهم الله، ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلًا. ثم قال: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾، أنهم يريدون منكم أن تكفروا بالله، تكونون مثلهم كفارًا، ﴿فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، أنهم يريدون هؤلاء الذين يدعون الإسلام، أهل الكفر يريدون منهم أن يكفروا بالله جل وعلا، فلذا فواجب عليهم أن يسافروا، وإن لا فليس لكم أولياء، وإن ادعوا الإسلام، فإن تولوا عن الهجرة وعن اتباع كلام أهل الإسلام، قال: ﴿فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾، أي عاملوهم مثل معاملة الكفار. ثم أن الله عز وجل قال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾. هذه الآية يقول العلامة، يقول العلامة ابن السعدي رحمه الله: ثم إن الله استثنى من قتال هؤلاء المنافقين ثلاث فرق، فرقتين أمر بتركهم محتمًا على ذلك. قال: إحداهما: من يصل إلى قوم بينهم وبين المسلمين عهد وميثاق بترك القتال، فينضم إليهم، فيكون له حكمهم في حقن الدم والمال. أن إذا كان هناك طائفة من هؤلاء الكفار، لكنهم بينهم وبين بعض المسلمين عهد وميثاق، فهنا يتركون ولا يقاتلون، فيحقن دمهم ومالهم، لأنهم بينهم عهد مع بعض المسلمين، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم»، فإذا كان بينهم وبين المسلمين عهد فلا يقتلهم، فلا يجوز له أن يقتلهم، لأن هناك من المسلمين من عاهدهم وصالحهم لترك القتال، فهؤلاء استثناهم الله عز وجل. قال: والفرقة الثانية: قوم حصرت صدورهم أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم، أي بقوا لا تسمح أنفسهم بقتالكم، ولا بقتال قومهم، وأحبوا ترك قتال الفريقين، فهؤلاء أيضًا أمر بتركهم أن لا تقتلوهم. بعض الناس يقع في حيرة، هو يريد الإسلام لكن لا يريد أن يقاتل قومه، معنى ما يستطيع، تستطيع نفسه أن تقاتل مثلًا أهله، أباه وأخاه، فلذا أيضًا لا يستطيع أن يقاتل أهل الإسلام لما يرى مثلًا في قلبه من المحبة لهم، أو أنه يعلم أن فيهم من أهله ومن ذويه، فلذا فلا يريد أن يقاتلهم. كان في زمن النبي عليه الصلاة والسلام بعض الناس هكذا فكرهم، يقول: إذا قاتلت نبي محمد وأصحابه، معنى أني قاتلت أهلي، وأيضًا إذا قاتلت معه معنى أيضًا أني قاتلت أهلي وقومي، فهو لا يريد أن يقاتل من كان من أهله ومن قومه، فهؤلاء أبرهم الله عز وجل أيضًا أن يتركهم، ﴿حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ﴾. قال: ثم ذكر الحكم في ذلك بقول: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ﴾، فمدام أنهم لا يقاتلون فاتركوهم. وهذا كان قبل، ثم أنزل الله عز وجل آيات المقاتلة أو آيات القتال، وأن كل مشرك يقاتل إلا إذا كان من أهل الكتاب، فإما أن يضع الجزية ويعطي الجزية للمسلمين، أو قبل ذلك أن يسلم وينتصر الإسلام، أو أنه يكون من أهل الجزية من أهل الذمة، أو أنه يقاتل مثل غيره، ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾، فلذا هذا كان قبل، معنى من كان ترك القتال، قتال المسلمين يترك. قال رحمه الله: فإن الأمور الممكنة ثلاثة أقسام: إما أن يكونوا معكم ويقاتلوا أعداءكم، وهذا متعذر من هؤلاء، فدار الأمر بين قتالكم مع قومهم، وبين ترك قتال الفريقين، وهو أهون الأمرين عليكم، والله قادر على تسليطهم عليكم، فاقبلوا العافية، واحمدوا ربكم الذي كف أيديهم عنكم مع القدرة على ذلك. فهؤلاء: ﴿إِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾، أي لا تقاتلونهم، مدام أنهم لم يقاتلوكم فلا تقاتلونهم. قال: ثم ذكر الفرقة الثالثة، وهي في قوله جل وعلا: ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّمَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾. هناك فرقة ثالثة، ذكرها الله فوق، هؤلاء الذين: قوم يريدون مصلحة أنفسهم بقطع النظر عن احترامكم، وهم الذين قال الله فيهم: ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ﴾، أي من هؤلاء المنافقين يريدون أن يأمنوكم، أي خوفًا منكم، أن يعلمون بطش أهل الإسلام وشدتهم في الحرب، فلذا لا يستطيعون أن يقاتلوا أهل الإسلام، وهم أيضًا لا يريدون أن يكونوا مع أهل الإسلام لأنهم غير راغبين في الإسلام، ولا يريدون أن يقاتلوا قومهم، فقال الله عز وجل: أي خوفًا منكم، ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ﴾، أي خوفًا منكم، ﴿وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ﴾، ﴿كُلَّمَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا﴾، أي لا يزالون مقيمين على كفرهم ونفاقهم، وكلما عرض لهم عارض من عوارض الفتن، أعماهم ونكسهم على رؤوسهم، أي كلما جاءت فتنة تشبثوا بها، وازدادوا في كفرهم وعنادهم ونفاقهم، أي يريد فتنة، أي دخول مثلًا، أو ظهور بعض الكفار وعمل مثلًا صلح معهم أو كذا، فهم بسرعة يوافقون. أي بعض المنافقين كعبد الله بن أبي وغيره كانوا في المدينة، كل من جاءهم يريد أن يضر النبي صلى الله عليه وسلم أو يقاتل النبي صلى الله عليه وسلم، تجد أنهم يحالفوه، كلما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها، قال: ونكسهم على رؤوسهم، وازداد كفرهم ونفاقهم. وهؤلاء في الصورة الفرقة الثانية، وفي الحقيقة مخالفة لها. أي إيش الفرق بين الفرقة الثانية والفرقة الثالثة؟ الفرقة الثانية تركوا القتال ليس لأجل خوف من المسلمين، وإنما خشيوا أنهم يقاتلون أهل الإسلام وفيهم من أهليهم وكذا، فيحصل من ذلك الضرب بأهليهم، وتركوا أيضًا القتال مع المسلمين لأجل أيضًا أن لا يقاتلوا قومهم، فتركوا واعتزلوا القتال من الفريقين، ولم أيضًا يتآمروا مع أحد، بل اعتزلوا تلك الحرب. وهناك قوم مثلهم تركوا القتال لكن لمصالح، وكلما جاءهم أحد يريد أن يتآمر معهم تآمروا معه ضد أهل الإسلام، فإن هؤلاء شر، فلذا أمر الله عز وجل بقتالهم. قال: فإن الفرقة الثانية تركوا قتال المؤمنين احترامًا لهم لا خوفًا على أنفسهم، وأما هذه الفرقة فتركوه خوفًا لا احترامًا، بل لو وجدوا فرصة في قتال المؤمنين فإنهم سيقدمون لانتهازها، فهؤلاء إن لم يتبين منهم ويتضح اتضاحًا عظيمًا اعتزال المؤمنين وترك قتالهم فإنهم يقاتلون، لهذا قال: ﴿فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾، أي حجة بينة واضحة لكونهم معتدين ظالمين لكم، تاركين المسالمة، فلا يلوموا إلا أنفسهم. فهذه الثلاث الفرق التي ذكرها ربنا جل وعلا هنا في هذا، أو في هذه الآيات، وكما قلنا أن هذا تركهم الله عز وجل، أو لم يأمر بقتلهم لأجل الصلح والعهد الذي بينهم وبين المسلمين، فلذا استثناهم من القتال، وأما من لم يكن بينه وبين المسلمين صلحًا أو عهدًا وهو مشرك فإنه يقاتل، ودمه دم حلال، وماله حلال، طيب. هذا ما يذكر، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر