الدرس في شرح منظومة السير إلى الله والدار الآخرة للعلامة السعدي 18، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يشرح المقطع منزلة الصدق مع الله وتعدد مراتبه في الأقوال والمعاملات والأعمال. يشدد على أهمية جعل الحياة كلها لله.
الصدق مع الله في النوايا والإرادات يحقق المراد للعبد كما ورد في حديث الأعرابي. الصدق يعين العبد في تحقيق نواياه.
الصدق مع الله يحقق المراد أو يعوض بالأجر، ويجب تجنب الرياء وطاعة الشيطان في الأعمال والنوايا. الإنسان إما طائع لله أو للشيطان.
النص ينتهي بذكر توجه أفعال المؤمنين لله وحده، ويطلب المتحدث الهداية من الله ويصلي على النبي محمد وآله وصحبه.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال النظم رحمه الله تعالى: حركاتهم وهمومهم وعزومهم لله لا للخلق والشيطان. في هذا البيت، إخواني في الله، والذي يشير فيه النظم رحمه الله تعالى إلى هذه المنزلة العلية التي يتصف بها السائر إلى الله جل في علاه، فقال: حركاتهم وهمومهم وعزومهم لله لا للخلق والشيطان، أي أن هؤلاء قد جعلوا كل حياتهم، سواء كان صغيرها أو كبيرها، أو عظيمها أو حقيرها، جعلوه لله، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين﴾. فحياتهم قد بذلوها لله، وقد حاول بعض الشراح أن يتوصلوا إلى المنزلة التي أرادها النظم رحمه الله تعالى في هذا البيت، فوجدوها أنها تتلاءم مع منزلة الصدق مع الله، إذ أن من آثار الصدق مع الله أن العبد يقبل بحياته وأفعاله كلها لله سبحانه وتعالى. فقوله: حركاتهم، أي أن أعمالهم وأفعالهم قد جعلوها لله، فلا يعملون عملا إلا وأرادوا من هذا العمل وجه الله سبحانه وتعالى، كما قال عليه الصلاة والسلام: «من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان». أولئك النخبة، روى أصحاب المنازل العليا من أهل الإيمان كل ما يفعله لله ولوجه الله، أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله، قال نبينا: «فقد استكمل الإيمان». هذا إذا قلنا أن قول النظم: حركاتهم، بمعنى الأفعال والأعمال. لأن هناك معنى آخر لشراح البيت يرون أن هذه الكلمات الثلاثة مترابطة: حركاتهم وهمومهم وعزومهم، أنها مترابطة، إذ أن فيها الانتقال من مرحلة إلى مرحلة أكمل. فما هي الروابط التي تربط بين هذه المراتب الثلاث؟ ذهب جماعة من الشراح إلى أن معنى حركاتهم، أي قول النظم: حركاتهم، أي الإرادة، وهمومهم هنا هموم جمع الهم بمعنى الإرادة المقرونة بجزم، وعزومهم جمع عزيمة وهي الإرادة المقترنة بجزم مع تهيئ فعل الأسباب. إذن، عندي ثلاثة مراتب ينتقل فيها القلب، وهي مرتبة الحركة بمعنى الإرادة مجرد الإرادة، تقال عنها حركة قلب، ثم بعد ذلك الهم، يهم فلان بفعل كذا، ما معنى الهم؟ هي الإرادة إذا اقترنت بجزم، إرادة مقترنة بجزم، أعلى من الهم العزم، وهي العزيمة والعزيمة هي الإرادة المقترنة بجزم إذا تهيئ فعل الأسباب لها. فهؤلاء في إراداتهم وفي نياتهم وفي عزائمهم قد جعلوها لله سبحانه وتعالى، هذا معنى من معاني هذا البيت إذا حملنا على هذا التفسير. على كل الإخوان في الله، إذا جعلنا هذا البيت: حركاتهم وهمومهم وعزومهم لله لا للخلق والشيطان، تأتي عندنا هنا عدة مسائل. المسألة الأولى في بيان أن مراتب الصدق ليست على مرتبة واحدة، بل لها صور متعددة، فإن من مراتب الصدق ما يكون بالصدق باللسان، بصدق الأقوال، كما قال عليه الصلاة والسلام: «ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا»، صدق في الأقوال. وقد يكون صدقا في المعاملات، صدقا في المعاملات كالبيع والشراء، قال عليه الصلاة والسلام، هذا مما يكون فيه الصدق في العلاقة وفي المعاملة. والصورة الثالثة من صور الصدق ما يكون في صدق الأعمال، في أن تكون صادقا مع الله في أعمالك، وهذه الأنواع من أنواع الصدق كلها يؤمر بها العبد أن تكون يا عبد الله صادقا في أقوالك، وصادقا في علاقاتك ومعاملاتك، وصادقا أيضا في أعمالك. قال ربنا: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين﴾، كن صادقا في هذه الدرجات وما كان بمعناها. الفائدة الثانية أن الصدق مع الله، كما أشرنا، منه ما يكون صدقا في الأعمال، وأشار الناظم رحمه الله تعالى أن الأعمال يدخل فيها كل شيء، حتى الإرادة، حتى النية، حتى ما يكون فيه من حديث النفس الذي بينك وبين نفسك. كن في هذا المقام صادقا مع الله، كن صادقا مع الله، فكن صادقا يا عبد الله في نواياك، وكن صادقا يا عبد الله في إراداتك، وكن صادقا مع الله في همك وفي عزمك. هكذا يكون الصدق في الأعمال، كن صادقا يا عبد الله، مثلا في أنك تمني نفسك بأن الله عز وجل إن أعطاك طول عمر بأنك لتفعلن وتفعلن من الطاعات والعبادات، تحدث نفسك بأن الله إن رزقك مالا فإنك ستنفق جزءا من الأموال في سبيل الله، في الصدقات والإعانة للفقراء والمحتاجين وهكذا. ولازلت تحدث نفسك في أمر ليس هو حاصل، الله أعلم بحصوله، يقع أو لا يقع، لكن أنت من الآن تحدث نفسك، هذا صدق مع الله، تصدق مع الله عز وجل في نواياك وفي مقاصدك. وأيضا من الصدق مع الله، حتى فيما تفعله في الأمور المباحة، في الأمور المباحة، دعنا كالصلاة والصيام والأعمال والطاعات والعبادات، في الأمور الإباحية المباحة، فإنك تصدق فيها مع الله بأنك تريد بها وجه الله، إن أكلت أردت بذلك وجه الله، إن شربت أردت بذلك وجه الله، وإن خرجت وإن دخلت وإن سافرت وإن عملت وإن اشتغلت، إن فعلت فعلا ما، وإن كان دنيويا بحتا، اجعل فيه النية الصالحة أنك تريد بذلك وجه الله. هذا ما يتأتى إلا لأهل الصدق مع الله، جعلوا حركاتهم وهمومهم وعزومهم جميعا لله سبحانه وتعالى. الفائدة الثالثة أن الإنسان لو طبق المسألة الثانية، وهو أنه لا زال يحدث نفسه بالصدق مع الله، بأن يكون صادقا في أعماله وفي أقواله وفي حركاته وفي سكناته، ومما يحدث به نفسه، اعلم أن مآلات الصدق مع الله عظيمة. ومن أعظم ما يجنيه العبد إن صدق مع الله أن الله عز وجل يحقق لك المراد، يعينك في تحقيق هذه النوايا والإرادات والعزائم، يهيئ لها الأسباب، وكما جاء في الحديث: «صدق الله فصدقه الله»، هذا جاء في حديث ذاكم الأعرابي. ذلكم الأعرابي الذي آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم واتبعه، ثم سأل نبينا الهجرة في أن يهاجر معه، فهاجر، وأوصى نبينا أصحابه به خيرا، استوصوا به خيرا، فحانت غزوة من الغزوات، فغزى النبي صلى الله عليه وسلم ومعه أصحابه ومعهم هذا الأعرابي. ثم جمعوا الغنائم، فقسمها نبينا صلى الله عليه وسلم فيما بينهم، وأعطى لمن عنده قسمة، قالوا: هذه قسمة ما قسمها للأعرابي لأنه خرج معهم وكان في المؤخرة، قالوا: أعطوه، فذهب الصحابة بقسمة الرجل إليه، قال: خذ، قال: ما هذا؟ قال: هذه قسمة قسمها لك نبينا صلى الله عليه وسلم، فأخذ القسمة حتى أتى بها إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام. فقال: ما هذا يا رسول الله؟ قال: هذه قسمة من الغزوة قسمتها لك، فقال الرجل: يا رسول الله، ما على هذا اتبعتك، ما على هذا اتبعتك، إنما اتبعتك على أني أقاتل في سبيل الله فأرمى بسهم وأشار بيده إلى حلقه هنا، قال: أن أرمى بسهم هنا، ثم أقتل وأموت، ثم أدخل الجنة، على هذا اتبعتك. فقال عليه الصلاة والسلام: «إن تصدق الله يصدقك الله»، إذا كنت صادقا مع الله على هذه النية، على هذه العزيمة، فالله عز وجل سيحقق لك المراد. قال الراوي عبد الله بن هاد رضي الله تعالى عنه: فما هي إلا برهة حتى نشب القتال، قام القتال مرة أخرى، قال: فذهبنا، فما هي إلا برهة من الزمن، إذ بهذا الرجل جيء به إلى رسول الله وقد قتل، وقد رمي بسهم حيث أشار، رمي بسهم حيث أشار، جيء به مقتولا إلى رسول الله. فلما رآه نبينا قال: «أهو هو؟» قالوا: نعم يا رسول الله، هو هو، قال: «صدق الله فصدقه الله»، لما كان صادقا مع الله في قصده ونيته وإرادته وعزمه، صدقه الله في أقواله وأعماله، وحقق الله له المراد. وهذا الذي ينقصنا إخواني في الله، الصدق مع الله، كثيرا ما نحدث أنفسنا بأمور وأعمال، لكن قل ما تتحقق، أو قلما نجد إعانة الله معنا، لأن صدقنا مع الله ضعيف، وإنما هو حديث النفس عابر. وإما من صدق مع الله، فالله يحقق له المراد، فإن لم يتحقق لك المراد في هذه الدنيا، فالله عز وجل على صدقك يعطيك أجر ما نويت. ومن هنا قال عليه الصلاة والسلام: «من سأل الشهادة بصدق -وانتبه لهذا القيد- من سأل الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه»، انظر أين مات، وانظر أين يبعث، يموت على فراشه، يبعث في منازل الشهداء، بماذا؟ بصدقه مع الله سبحانه وتعالى في قصده وفي إرادته. إذا نعلم إخواني في الله أن الصدق مع الله عز وجل مآله عظيم، أن يعينك الله في تحقيقه، وإلا حقق لك الله المراد في أجره وثوابه. ثم أشار الناظم رحمه الله تعالى إلى ما لا ينبغي على السائرين إلى الله في أن يقعوا فيه في حركاتهم وفي نواياهم وفي مقاصدهم، فقال رحمه الله تعالى: حركاتهم وهمومهم وعزومهم لله لا للخلق والشيطان. أما هذا، لا هذا، ما يليق بك يا عبد الله، يا من عزمت السير إلى الله وإلى الدار الآخرة، لا يكن هذا حالك، أنت بين أمرين، إما أنك تجعل أمرك وهمك لله في كل حركاتك، في كل سكناتك، حتى في إراداتك، وفي نواياك، كنت ولا زلت تحدث نفسك فيما يرضي ربك عز وجل. إما هذا، أو لا تنتقل لغيره، ما هو الغير؟ أن تجعل الحركات، وأن تجعل النيات، وأن تجعل الأفعال والأقوال للخلق، للخلق، إما بقصد الرياء والسمعة، تعمل أعمالا وأفعالا وأنت تريد ما عند الناس، تريد منهم الثناء، تريد منهم الشكر، تريد منهم السمعة أنهم يشيرون إليك بالبيان وبالبنان. وهذا لا يليق بمسلمين، بل هذا حال ضعاف الإيمان، وخاصة أهل النفاق، يراؤون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا، يراؤون الناس، ضعيف الإيمان، لا يطلب ما عند الله، وإنما ينظر ما في الدنيا. وقد حذر نبينا صلى الله عليه وسلم من الرياء، وأسماه في أحاديث كثيرة بأنه الشرك الأصغر، وقال عليه الصلاة والسلام: «من سمع سمع الله به، ومن يرائي يرائي الله به»، هذا لا يجوز أن تجعل لأعمالك وأفعالك حظا من حظوظ الناس، أو أنك تريد منهم مآرب من أموال، من مناصب، فتؤدي بعض الأعمال لأجلهم. لا، المسلم يترفع، وإنما حياته وأعماله لله جل في علاه، قال: لا للخلق والشيطان، وأن لا تجعل أعمالك للشيطان، وهذا على عدة صور، وذلك بأن تعمل وتنوي الأعمال التي حرمها الله من المعاصي والذنوب. فإن الحركات والسكنات والنوايا والعزائم التي يراد بها معصية الله جل في علاه، هذا في الحقيقة المراد بها طاعة الشيطان، لأنك بين أمرين، إما أن تكون طائعا للرحمن، أو أنك طائع للشيطان. فمن سولت له نفسه بأن يعمل معصية، وأن يهم على فعل معصية، فليعلم أن هذا فعله للشيطان، لا ما للرحمن منها نصيب، هذا من أوجه إرادات ونوايا الشيطان. أو ما يكون من هوى النفس، هذا من أعمال الشيطان، هوى النفس، المسلم يعمل لله، وما يقربه إلى الله، أما الذي يريد هوى نفسه، هوى نفسه، يريد أن يطفئ ما في صدره، يريد أن يحقق ما في قلبه، هذا ليس لله، لا من قريب ولا من بعيد. ومن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه، أنت وشأنك، أنت وعملك، وأنت وفعلك. فبعض الناس إخواني في الله، ربما يفعل أعمالا لهوى نفسه، ومع ذلك يصبغها بأنها لله، لا، يعبد الله، الله قد بين الشرائع، بين الأحكام، دلل ربنا في كتابه، وعلى لسان رسوله، الأمور التي يحبها، فما فيها لبس، ما فيها لبس. أما أنك تأتي إلى هوى نفسك وتزعم أنها لله، لا، يعبد الله، بل هذا لمشتهياتك، وللشيطان، وللشيطان الذي يملي عليك فعل الأهواء والأردء. فالشاهد إخواني في الله في هذا البيت العظيم، والذي كما قال الشراح في إشارة إلى منزلة عظيمة من منازل الدين، وهي الصدق مع الله، ومن آثار الصدق مع الله أن يكون الإنسان يقبل على ربه في هذه الحياة بكليته، بكل أفعاله وأقواله وأحواله وسكناته. كما قال الناظم: حركاتهم وهمومهم وعزومهم لله لا للخلق والشيطان. أقول هذا القول، ما سمعتم، وأسأل المولى جل وعلا أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.