الدرس في شرح تطهير الإعتقاد 4، ألقاها
التوحيد هو تفرد الله بالعبادة وعدم الشرك به، وهو أمر ضروري للإيمان. الشرك بالله يعتبر أعظم الذنوب لأنه يعني جعل شريك لله في العبادة.
الدعاء هو عبادة لله وحده ولا يجوز توجيهه لغيره، سواء كان نبيًا أو ملكًا. الدعاء ينقسم إلى دعاء عبادة ودعاء مسألة وكلاهما يجب صرفه لله.
التوكل على الله يعني الاعتماد عليه مع الأخذ بالأسباب، وأهل التوحيد لا يتوسلون بشفعاء. الدعاء والتوكل من العبادات التي يجب إخلاصها لله.
الله يتحدى من يدعي خلق شيء، مؤكدًا أنه الخالق الوحيد. عبادة من يدعي خلق شيء بلا دليل هي عبادة باطلة.
بسم الله الرحمن الرحيم. والحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، قال الإمام الصنعاني رحمه الله في كتابه «تطهير الاعتقاد»: الحمد لله الذي لا يقبل توحيد ربوبيته من العباد حتى يفردوه بتوحيد العبادة كل الإفراد. تقدم معنا أمس أن المطلوب من العباد أن يحقق التوحيد لله رب العالمين، بأن يفردوه سبحانه وتعالى بجميع أنواع العبادات، فلا يصرف شيئا من العبادات لغير الله جل وعلا، لكائنا من كان ذلك الغير، سواء كان نبيا مرسلا أو كان ملكا مقربا أو كان صالحا من الصالحين أو كان شجرا أو حجرا أو غير ذلك، لا يجوز أن تصرف العبادة لغير الله جل وعلا؛ لأنها الحق الأعظم لله رب العالمين جل وعلا. قال رحمه الله تعالى: ﴿فَلَا يَتَّخِذُونَ لَهُ شُرَكَاءَ﴾، والشريك هو النظير والمثيل، كما قال الله جل وعلا: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، أندادا شركاء نظرا مساوون لله جل وعلا في استحقاق العبادة، هذا من الشرك بالله جل وعلا، وهو أعظم الذنب وأعظم جرم في حق الله جل وعلا، ﴿إِنَّ الظُّلْمَ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾، قال الله جل وعلا على لسان لقمان الحكيم: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾، فهو أعظم ذنب في حق الله رب العالمين جل وعلا. قال: ﴿فَلَا يَتَّخِذُونَ لَهُ شُرَكَاءَ﴾ كائنا من كان ذلك الشريك؛ إذ لا أحد مساو لله جل وعلا، كما قال الله جل وعلا: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، وكما قال الله جل وعلا: ﴿هَلْ تَعْلَمُونَ لَهُ سَمِيًّا﴾، وكما قال الله جل وعلا: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾، فكيف يجعل العبد لربه جل وعلا نظيرا ومماثلا يستحق العبادة كاستحقاق الله جل وعلا لها؟ هذا ظلم عظيم وإثم كبير في حق الربوبية وفي حق الألوهية وفي حق الله رب العالمين جل وعلا. قال رحمه الله تعالى: ﴿وَلَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾، وقال الله جل وعلا: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾، هذا نهيٌ من الله رب العالمين جل وعلا أن يُدعى معه أحد، كائن من كان ذلك الغير، كائن من كان ذلك الغير، ولو كان نبيا مرسلا ولو كان ملكا مقربا؛ فإنه لا يستحق شيئا من العبادة؛ لأن الدعاء عبادة، قال الله جل وعلا: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾، فسمى الله جل وعلا الدعاء عبادة. وروى الإمام الترمذي رحمه الله تعالى بإسناد صحيح عن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الدعاء هو العبادة»، فالدعاء هو العبادة، وهو روح العبادة، وهو حقيقة العبادة؛ لأن حقيقة الدعاء هو طلب العون، طلب دفع الضر، كشف الضر، جلب الخير والمنافع الدنيوية والأخروية من الله جل وعلا، فهي مصحوبة بمعنى التضرع وبمعنى الافتقار وبمعنى اللجوء وبمعنى التفويض لله رب العالمين جل وعلا. فالعلماء رحمهم الله تعالى باستقرائهم لكتاب الله جل وعلا ولسنة رسوله صلى الله عليه وسلم قسموا الدعاء إلى قسمين، فالدعاء منقسم إلى قسمين بالاستقراء: الأول دعاء العبادة، والثاني دعاء المسألة. فأما دعاء العبادة فهو طلب العبد من ربه جل وعلا تضرعا وخوفا، ففيه معنى الرجاء وفيه معنى الخوف، فهو دعاء العبد ربه جل وعلا خوفا وطمعا، دعاء العبادة، ومنه يعلم أن كل دعاء عبادة مستلزم لدعاء المسألة، وكل دعاء مسألة متضمن لدعاء العبادة، فكل النوعين متلازم، كلا النوعين بينهما تلازم. ولا يجوز للعبد أن يصرف شيئا من الدعاء لغير الله جل وعلا؛ لأن الدعاء حق لله جل وعلا، كما تقدم، قال الله جل وعلا: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾، كائنا من كان ذلك المدعو، فلا يجوز أن يدعى سوى الله جل وعلا. قال الله جل وعلا في كتاب الكريم: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾، فسمى الله جل وعلا من يدعو غير الله، من يدعو مع الله جل وعلا سماه ماذا؟ أنه كأنه اتخذه إلها مع الله جل وعلا يجيب دعاءه ويكشف كربه ويعطيه حاجاته، وهذا لا يتأتى ولا يكون إلا من الله رب العالمين جل وعلا. قال الله جل وعلا في كتاب الكريم: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾، وقال ربنا جل وعلا: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾، فلا يجوز للعبد أن يصرف الدعاء لغير الله جل وعلا؛ لأن الدعاء عبادة، فصرف الدعاء لغير الله جل وعلا شرك بالله جل وعلا. قال: ﴿وَلَا يَتَوَكَّلُونَ إِلَّا عَلَيْهِ﴾، أي ولا يتوكلون إلا على الله، والتوكل اعتماد القلب على الله في حصول ما ينفع العبد في دينه ودنياه، ودفع ما يضره في دينه ودنياه، ولابد مع هذا الاعتماد من مباشرة الأسباب، وحقيقة التوكل إنما تكون بالقيام بالأسباب والاعتماد على المسبب. قال الله جل وعلا: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، أي من كان مؤمنا حقا وصدقا صادقا في دعواه عليه أن لا يتوكل إلا على الله، قال الله جل وعلا: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾، فالتوكل لا يكون إلا على الله رب العالمين جل وعلا. قال: ﴿وَلَا يَفْزَعُونَ فِي كُلِّ حَالَةٍ إِلَّا إِلَيْهِ﴾، وهذه الحالة هي حالة أهل التوحيد والإيمان، أنهم إذا نزل بهم الفزع، نزل بهم الخوف الشديد، لا يلتفتون إلى أحد إلا إلى الله، إلى الله رب العالمين جل وعلا الذي يجيب المضطر إذا دعاه، والذي يكشف السوء سبحانه وتعالى وحده لا شريك له. قال رحمه الله تعالى: ﴿وَلَا يَدْعُونَهُ إِلَّا بِأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى﴾، أي لا يدعون الله جل وعلا إلا بأسمائه الحسنى؛ لأن الله جل وعلا قال في كتابه الكريم: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾، ومن الإلحاد في أسماء الله جل وعلا أن لا يسمى الله بما سمى به نفسه، أو أن ينكر شيء من أسماء الله جل وعلا بتعطيل أو بتمثيل أو بصرفها عن حقيقتها وماهيتها. قال: ﴿وَلَا يَتَوَسَّلُونَ إِلَيْهِ بِالشُّفَعَاءِ﴾، أي لا يحتاجون إلى شفعاء، لا يحتاجون إلى وسائط تقربهم إلى الله جل وعلا زلفا، كما هو حال المشركين الذين قال الله جل وعلا عنهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾، قال الله جل وعلا: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾، هذا حال المشركين، فأهل التوحيد براء من هذه الحالة. قال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾، وهذا الأسلوب يسميه علماء المعاني والبيان استفهام إنكاري، أي نفي ذلك الشيء وزيادة، ما هي هذه الزيادة؟ أن فيها معنى التحدي، فهو نفي متضمن للإنكار والتحدي. قال رحمه الله تعالى: ﴿فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا﴾، أي ممن تدعونهم من دون الله جل وعلا، ممن تتقربون إليهم مع الله جل وعلا بأنواع من القرابين، فأروني ماذا خلق الذين من دونه؟ كيف تتقربون إليهم، وهم لم يخلقوا شيئا؟ إنما الخالق هو الله رب العالمين جل وعلا وحده لا شريك له. والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم، وعلى آله وصحبه أجمعين.