الدرس في تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 123، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
توضح آية صلاة الخوف وجوب صلاة الجماعة فرض عين من وجهين: أمر الله بها في الخوف الشديد فهي أوجب في الأمن، وإسقاط الشارع للشروط لأجل الجماعة. كما يُستحب الاتحاد بإمام واحد لتحقيق الوحدة وإرعاب الأعداء.
شرعت صلاة الخوف مع أخذ السلاح والحذر من العدو، ونزلت آيتها في غزوة ذات الرقاع لمنع هجوم الكفار أثناء الصلاة. رخص للمريض وصاحب المطر وضع السلاح مع الحذر، وحذر من اتخاذ الكفار بطانة مستشهداً بنهي عمر رضي الله عنه.
يتناول المقطع عذاب الكافرين بقتال المؤمنين، وحكمة الله في قتل العدو، ثم يشرح تفصيلاً لوصف من أوصاف صلاة الخوف وكيفية قيام الطائفتين مع الإمام وانتظاره لإتمام صلاتهما.
يناقش المقطع وجوب انتظار الإمام للمسبوقين حتى يكملوا ما فاتهم من الصلاة، وهو الرأي الراجح عند المحققين. ويختم المتحدث بالتنويه لاستكمال الموضوع لاحقاً مع الشكر للحضور.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قال العلامة السعدي رحمه الله عند الكلام على آية: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمْ الصَّلَاةَ﴾: قال: "وهذه الآية تدل على أن صلاة الجماعة فرض عين من وجهين". وقوله: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمْ الصَّلَاةَ﴾، الإقامة هنا ليست إقامة إقامة الصلاة، المراد بها الصلاة نفسها، أي: صَلِّ بهم أو صَلِّ لهم. قال: "وهذه الآية تدل على أن صلاة الجماعة فرض عين من وجهين: أحدهما أن الله أمر بها في هذه الحالة الشديدة، وقت اشتداد الخوف من الأعداء، وحذر مهاجمتهم، وحذر مهاجمتهم، أي: أن الله عز وجل أمر أهل الإسلام أن يكونوا على حذر من مهاجمة الكفار". قال: "فإذا أوجبها في هذه الحالة الشديدة، أوجبها في حالة الطمأنينة والعمل من باب أولى وأحرى"، أي: أوجب صلاة الجماعة في هذه الحالة التي فيها خوف شديد، والتي تسقط فيها بعض الأركان كما سيبينه أيضاً الشيخ في الوجه الثاني، فمن باب أولى أنها لا تسقط الجماعة، لكن لم يسقطها. قال: "والثاني: أن المصلين صلاة الخوف يترخصون فيها كثيراً من الشروط واللوازم، ويعفى فيها عن كثير من الأفعال المبطلة في غيرها، وما ذاك إلا لتأكد وجوب الجماعة، لأنه لا تعارض بين واجب ومستحب، فلولا وجوب الجماعة لم تترك هذه الأمور اللازمة لأجلها". فعنى هناك أموراً تترك لأجل ذلك، مثل: الائتمام بالإمام يترك في بعض الحالات في صلاة الخوف، وأيضاً كذلك أنها قد تكون ركعة واحدة، وهذا قول جماعة من أهل العلم، وجاء في حديث ابن عباس أن تكون ركعة واحدة فقط، وغير ذلك من الأشياء التي تنقص في هذه الصلاة. وهذه اللوازم التي تنقص مع أن الله عز وجل أمر بإقامة الصلاة في جماعة، قالوا: تدل الآية الكريمة على أن الأولى والأفضل أن يصلوا بإمام واحد، ولو تضمن ذلك إخلالاً بشيء لا يصلح به لو صلوها بعدة أئمة، وذلك لأجل اجتماع كلمة المسلمين واتفاقهم، وعدم تفرق كلمتهم، وليكون ذلك أوقع هيبة في قلوب أعدائهم، أنهم لا يصلون جماعات، وإنما يصلون جماعة واحدة. قال: "وأمر تعالى بأخذ السلاح والحذر في صلاة الخوف، وهذا وإن كان فيه حركة مشغلة عن بعض أحوال الصلاة، فإن فيه مصلحة راجحة، وهو الجمع بين الصلاة والجهاد، والحذر من الأعداء الحريصين غاية الحرص على اللقاء بالمسلمين والميل عليهم وعلى أمتعتهم". ولهذا قال تعالى: ﴿وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً﴾. وقد جاء في السنن أن هذه الآية نزلت كما قلنا في غزوة ذات الرقاع، وكانوا يواجهون فيها كفار قريش، وكان على قيادة جيش الكفار خالد بن الوليد رضي الله عنه قبل أن يسلم. فلما فاتتهم صلاة الظهر، صلوا صلاة الظهر على الصلاة المعتادة، ففات الكفار أن يهجموا عليهم. فقال خالد: "إن لهم صلاة ستأتي يحبونها"، يريد صلاة العصر. فلما جاءت صلاة العصر، أو قبل أن تأتي صلاة العصر، نزل الأمر بصلاة الخوف، فصلوا صلاة الخوف، فتعجب الكفار من هذا الحذر، أنهم كانوا معهم أسلحتهم ويصلون، وأناس تجاه العدو. قال: "ثم إن الله عذر من له عذر من مرض أو مطر أن يضع سلاحه، ولكن مع أخذ الحذر، فقال: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾". أي: لا ينبغي للمؤمن أن يأمن الكافر، الكافر لا يُؤمن. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾. لما كان عمر رضي الله عنه، كان ينهى أن يتخذ المسلم كاتباً من النصارى، أو يتخذ من يقوم بشؤونه من النصارى أو من غيرهم من الكفار. وكان يكلم المغيرة بن شعبة على غلامه أبي لؤلؤة المجوسي أخزاه الله، حتى كان هو السبب في قتل عمر رضي الله عنه، أو هو الذي قتل عمر، طعنه بسكين مسمومة. فلما قال لعمر، أو قال عمر: "من هذا الذي طعنني؟" قالوا: غلام المغيرة. قال: "لقد كنت أكلمه في ذلك، والحمد لله أن الله عز وجل لم يجعل ذلك على يد مسلم"، أن قدر الله أن قتله لم يكن على يد رجل مسلم، وإنما كان على يد رجل كافر. لهذا أهل الكفر لا يؤتمنون. قال: "فقال المؤلف رحمه الله: ومن العذاب المهين أن الله عدا للكافرين عذاباً مهيناً". قالوا: "من العذاب المهين ما أمر الله به حزبه المؤمنين وأنصار دينه الموحدين من قتلهم وقتالهم حيثما ثقفوهم، أي: حيثما وجدوهم، ويأخذوهم ويحصروهم ويقعدوا لهم كل مرصد، ويحذروهم في جميع الأحوال، ولا يغفلوا عنهم، خشية أن ينال الكفار، أن ينال الكفار بعضهم مطلوبهم فيهم أو بعض مطلوبهم فيهم". فلله أعظم حمد وثناء على ما من به على المؤمنين، وأيدهم بمعونته وتعاليمه التي لو سلكوها على وجه الكمال لم تهزم لهم راية، أن لو أخذوا بهذه التعاليم التي ذكرها الله عز وجل فإنها حِصن حصين لهم. قال: "ولم يظهر عليهم عدو في وقت من الأوقات". قال: "وقوله: ﴿فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾ يدل على أن هذه الطائفة تكمل جميع صلاتها قبل ذهابهم إلى موضع الحارسين". وهذا النوع من أنواع صلاة الخوف، وقد قلنا أنها صحت كما قال الإمام محمد على ستة أوجه. قالوا: "أن الرسول صلى الله عليه وسلم يثبت منتظراً للطائفة الأخرى قبل السلام حتى يكملوا ما تركوا من الركوع والسجود والاعتدال والسجود والتشهد، فإذا جلسوا للتشهد تشهد النبي عليه الصلاة والسلام وسلم". لأنه أولاً ذكر أن الطائفة تقوم معه، فأخبر عن مصاحبتهم له، ثم أضاف الفعل بعد إليهم دون الرسول، فدل ذلك على ما ذكرناه. قال: "في قول: ﴿فَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾، دليل على أن الطائفة الأولى قد صلوا، وأن جميع صلاة الطائفة الثانية تكون مع الإمام حقيقة في ركعتهم الأولى، وحكماً في ركعتهم الأخيرة، لأنهم إذا انتهوا من الركعة الأولى قاموا وأكملوا الركعة الثانية وحدهم دون الإمام، ثم إذا انتهوا من الصلاة رجعوا إلى الخلف، وجاء الذين كانوا تجاه العدو، جاءوا إلى مكانهم وأكملوا ركعتهم، وإن كانوا في اتجاه العدو فإنهم يلزمون أماكنهم لكن يتحولون فقط، هؤلاء يتقدمون وهؤلاء يتأخرون". قال: "فيستلزم ذلك انتظار الإمام إياهم حتى يكملوا صلاتهم ثم يسلم بهم، وهذا ظاهر المتأمل". طيب، إن شاء الله نكمل هذا. شكراً للمشاهدة. شكراً للمشاهدة. شكراً للمشاهدة.