أخلاق حملة القران للإمام الآجري 1

أخلاق حملة القران للإمام الآجري 1

المحاضرة بعنوان أخلاق حملة القران للإمام الآجري 1، مجلس علمي والذي كان بجامع التوحيد بمدينة تريم بحضرموت يوم الاثنين من بعد صلاة العصر إلى بعد صلاة العشاء 12 محرم 1447هـ الموافق 7 يوليو 2025م ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

افتتاح المجلس ومقدمة كتاب «أخلاق حملة القرآن»

افتتح المحاضر مجلس قراءة كتاب «أخلاق حملة القرآن» للإمام الآجري في دار الحديث بتريم، معرفاً بأن حمل القرآن الحقيقي هو العمل به والتخلق بأخلاقه اقتداءً بالنبي ﷺ، ثم استعرض مقدمة المؤلف التي استفتحها بالحمد والثناء مبيناً أن القرآن عصمة لمن اعتصم به.

فضائل القرآن ووجوب العمل به والتدبر والتجارة به

استعرض المقطع فضائل القرآن كهدى ونور وشفاء ورحمة، وأكد وجوب الإيمان به كله والعمل بمحكمه والرد إليه عند الاشتباه، مبيناً أن مقصود إنزاله التدبر والتفكر، وختم بذكر تجارة الله الرابحة التي تجمع تلاوة القرآن وإقامة الصلاة والإنفاق.

خصائص القرآن من الهداية والشفاء وحبل الله المتين

تناول المقطع آيات قرآنية تبرز مكانة القرآن وخصائصه كهداية وشفاء ورحمة وبرهان ونور مبين وحبل الله المتين وأحسن الحديث متشابهاً مثاني وكتاباً مباركاً للتدبر، مبيناً أن من تمسك به واتبع أحسنه فاز بالهداية والرضوان.

فضل الاستماع للقرآن ومثال الجن في الاستجابة السريعة

بين المقطع أن اتباع أحسن القرآن يعني التقرب بأفضل الأعمال، ووجوب الإنصات بقلب وجوارح لتحصيل الرحمة، وضرب مثلاً بالجن الذين استمعوا مرة واحدة فآمنوا وأنذروا قومهم، مقارناً بهم من يسمع مراراً دون أثر.

التفريغ النصي الكامل

والعالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فنحمد الله جل وعلا الذي يسر لنا هذا اللقاء المبارك وهذا المجلس الطيب في هذه الدار المباركة، دار الحديث جامع التوحيد، مدينة تريم، التي يقوم عليها أخونا المفضل الشيخ عمر رجبير، حفظه الله، ومن معه من إخوانه. نلتقي وإياكم في مجلس علمي من مجالس العلم التي هي أحب المجالس إلى الله سبحانه وتعالى. نقرأ وإياكم هذه الرسالة النافعة الماتعة، ألا وهي «أخلاق حملة القرآن» للإمام الآجري رحمه الله، أبي بكر محمد بن الحسين الآجري رحمه الله، المتوفى عام ستين وثلاثمائة للهجرة. في هذا اليوم المبارك، يوم الاثنين الثاني عشر من شهر محرم، في عام 1447 للهجرة. وهذا الكتاب كتاب نافع، كبير الفائدة، كثير النفع، يحتاج له المسلم، أو كل مسلم على جهة العموم، وطالب العلم وحامل القرآن على جهة الخصوص، وذلك لما احتواه هذا الكتاب من أخلاق وآداب وتنبيهات وفوائد يحتاج لها حامل القرآن في تعلمه وفي تعليمه وفي عمله وفي إصلاح ظاهره وباطنه. فإن حقيقة حمل القرآن لا تكون بمجرد حفظ حروفه وإحسان قراءته، كما أنه يكون بالعمل بهذا القرآن، كما سيأتي في هذه الرسالة المباركة. ولذلك كان نبينا عليه الصلاة والسلام خلقه القرآن، كما سئلت عائشة رضي الله عنها عن خلق النبي عليه الصلاة والسلام، فقالت للسائل: ألست تقرأ القرآن؟ فإن خلق النبي صلى الله عليه وسلم كان القرآن. وهكذا ينبغي أن يكون حامل القرآن متخلقاً بأخلاق هذا الكتاب العظيم. فلذلك نبه المصنف رحمه الله في هذه الرسالة إلى مثل هذه المسائل وهذه الأخلاق والآداب التي يحتاج لها حامل القرآن ليتخلق بها وليتأدب بها. وهذه الرسالة أملاها المصنف رحمه الله في المسجد الحرام بمكة عام أربع وخمسين وثلاثمائة للهجرة، يعني قبل وفاته بست سنوات، قبل وفاته بست سنوات. قال رحمه الله: «أحق ما استفتح به الكلام الحمد لمولانا الكريم، وأفضل الحمد ما حمد به الكريم نفسه، فنحن نحمده به». فنبه رحمه الله إلى أن أحق ما استفتح به الكلام هو حمد الله جل وعلا والثناء عليه، وكذلك ذكر محاسنه جل وعلا وبيان عظيم فضله، وذلك اقتداءً بكتاب الله، لأن الله عز وجل حمد نفسه في مواضع كثيرة في كتابه، منها قوله عز وجل: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجًا﴾. فحمد الله عز وجل نفسه على إنزاله لهذا الكتاب العظيم، وهو القرآن، الذي هو أفضل الكتب، وناسخ للكتب السابقة، ومهيمن عليها، كما أخبر الله سبحانه وتعالى. ﴿وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجًا﴾ يعني أنه ليس فيه شيء من الخلل والنقص والعيب، فأخباره صدق لا كذب فيها، وأوامره عدل لا ظلم فيها، وكذلك نواهيه كذلك عدل لا جور فيها، فهو كتاب عظيم، قيم، أي مستقيم، ليس فيه شيء من الخلل والعوج. ﴿قِيَمًا لِّينذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِّن لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا * مَّاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا﴾. فدلالة هذه الآية على أن هذا القرآن اشتمل على البشارة والنذارة، البشارة لأهل الإيمان برضوان الله ورحمته والفوز بجنته، والنذارة لأهل الكفر والفسوق بغضب الله وعقابه وكذلك ناره وجحيمه. وقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾، فكل ما في السماوات والأرض فهو ملك لله سبحانه وتعالى. ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾. الله عز وجل له الحمد في الأولى وفي الآخرة، فالحمد له كله جل وعلا من قبل ومن بعد، ولكن خص جل وعلا الحمد في الآخرة لأنه يظهر من عظيم حمده والثناء عليه ما لا يكون مثله في الدنيا. ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾، الحكيم الذي يأمر بالأوامر وينهى عن النواهي لحكمة يعلمها سبحانه وتعالى ولغاية ومقصد حسن عظيم، فكل أفعاله سبحانه وتعالى لحكمة، خلقه وأمره ونهيه وشرعه، كل ذلك لحكم عظيمة تبهر العقول وتتحير لها الأفئدة. ﴿الْخَبِيرُ﴾ بالظواهر والبواطن، فلا يخفى عليه شيء سبحانه وتعالى، يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها، وهو الرحيم الغفور. وهذا يدلنا على عموم علم الله سبحانه وتعالى، فيعلم ما يلج في الأرض، أي ما يدخل في هذه الأرض من الأموات ومن الحبوب والبذور، وما يخرج منها من الزروع والثمار والكنوز والأموال، وما ينزل من السماء من الغيث والأمطار والملائكة، وما يعرج فيها كذلك من الملائكة ومن الأعمال، فلا يخفى شيء من ذلك على الله سبحانه وتعالى. قال: «أحمده على قديم إحسانه وتواتر نعمه، حمد من يعلم أن مولاه الكريم علمه ما لم يكن يعلم». فالله عز وجل إحسانه قديم، لم يزل ولا يزال محسناً سبحانه وتعالى، وهذا وصف لجميع صفات الله سبحانه وتعالى، فالله عز وجل لم يكن في وقت من الأوقات معطلاً عن الصفات في الخلق والملك والإحياء والإماتة والرزق إلى آخر من صفات الله جل وعلا، كما هو معتقد أهل السنة والجماعة، خلافاً للجهمية. ومن ذلك إحسانه سبحانه وتعالى، فهو موصوف بالإحسان، ولم يزل محسناً، ولا انقطع إحسانه سبحانه وتعالى. وتواتر نعمه، أي أن نعم الله كثيرة متواترة متتابعة لا تنقضي نعمة إلا وتتبعها نعمة أخرى، وكما قال الله جل وعلا: ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾. حمد من يعلم أن مولاه الكريم علمه ما لم يكن يعلم، وهذه من عظيم منن الله عز وجل بها على نبيه عليه الصلاة والسلام وعلى سائر هذه الأمة، أن علمهم من العلم ما لم يعلموا. ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾. فلذلك فالله عز وجل له الحمد المطلق والكامل سبحانه وتعالى. قال: «وكان فضله عليه عظيم، وأسأله المزيد من فضله والشكر على ما تفضل به من نعمه، إنه ذو فضل عظيم». وهذا الذي يجب على المسلم تجاه نعم الله عز وجل، أن يشكر ربه عز وجل على ما أنعم به وأفضل، فإن ذلك من تمام بقاء النعم واستمرارها. ﴿وَلَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾. قال: «وصلى الله على سيدنا محمد عبده ورسوله ونبيه وأمينه على وحيه وعباده، صلاة تكون له رضا ولنا بها مغفرة، وعلى آله أجمعين، وسلم كثيراً طيباً». أما بعد، فهذا انتقال من المقدمة إلى الموضوع. قال: «فإني قائل بالله أثق لتوفيق الصواب من القول والعمل، ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. أنزل الله عز وجل القرآن على نبيه صلى الله عليه وسلم، وأعلمه فضل ما أنزل عليه، وأعلم خلقه في كتابه وعلى لسان رسوله عليه الصلاة والسلام أن القرآن عصمة لمن اعتصم به، أنه عصمة لمن اعتصم به، أي من لجأ إلى كتاب الله وتمسك به وعمل بما فيه، عصمه الله جل وعلا من الفتن والمصائب وأسباب الهلاك. ولهذا ربنا عز وجل يقول: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾، وقال عز وجل: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾. و﴿هُدًى لِّمَنِ اهْتَدَى بِهِ﴾، و﴿غِنًى لِّمَنِ اسْتَغْنَى بِهِ﴾، أي من استغنى بالقرآن كان غنى له، وليس الغنى بكثرة الأموال وعرض الدنيا، كما أن الغنى بالرضى بما قسم الله سبحانه وتعالى وبما أعطى الله عز وجل، وخير ذلك ما كان العطاء من دين الله سبحانه وتعالى، من هذا العلم والإيمان والهدى، ومن ذلك ما يستغني به المسلم بكتاب الله سبحانه وتعالى. قال: «وحرز من النار لمن اتبعه»، يعني أنه سبب للعصمة والنجاة من النار والجحيم. قال: «ونور لمن استنار به»، كما وصف الله عز وجل القرآن بذلك في مواضع، ومنها قوله عز وجل: ﴿أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا﴾، وقال: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾. وهو نور يضئ للمسلم قلبه، ويضئ له جوارحه، ويضئ له الطريق الموصل إلى مرضاة الله سبحانه وتعالى. و﴿شِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ﴾، أي من أمراضها وأسقامها، كما قال ربنا عز وجل: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَة لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾. فالقرآن شفاء لما في الصدور من أمراض الشبهات ومن أمراض الشهوات، من أمراض الشبهات التي تفسد على الإنسان اليقين والإيمان، ومن أمراض الشهوات التي تفسد على الإنسان العمل الصالح وما يقربه إلى الله سبحانه وتعالى. قال: ﴿وَهَدًى وَرَحْمَة لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾. ثم أمر الله الكريم خلقه أن يؤمنوا به، وهذا في آيات كثيرة، كذلك أمر الله عز وجل بالإيمان بالقرآن، منها قوله عز وجل: ﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا﴾، وقوله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ﴾. قال: «ويعملوا بمحكمه، فيحلوا حلاله ويحرموا حرامه، ويؤمنوا بمتشابهه، ويعتبروا بأمثاله، ويقولوا: آمنا به كل من عند ربنا». نعم، فالله عز وجل أمرنا أن نعمل بهذا القرآن، فنحل حلاله ونحرم حرامه، ﴿مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾. وهكذا الإيمان بمتشابهه، فهذا القرآن منه ما هو محكم، ومنه ما هو متشابه، المحكم الواضح البين، والمتشابه ما فيه شيء من الخفاء، ما فيه شيء من الخفاء، وهذا التشابه نسبي، يعني قد يكون عند إنسان هذا الأمر فيه اشتباه فيشتبه عليه ويعلمه غيره من أهل العلم، فالواجب عند ذلك رد المتشابه إلى المحكم، رد المتشابه إلى المحكم، هذا هو حال المؤمن مع المتشابه من القرآن. ولهذا قال ربنا عز وجل: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾. انظروا هذا حال من في قلبه زيغ ومرض وشبه، وهو أنه يتبع المتشابه، يترك المحكم ويأخذ المتشابه. والمؤمن يرد المتشابه إلى المحكم، ويعلم أن القرآن كله حق، لا يمكن أن يتناقض، ولا يمكن أن يضطرب، وكذلك يكذب بعضه بعضاً، فيقول: آمنت بأن ذلك كله من عند الله، فيرد المتشابه إلى المحكم، ويسلم من الاختلاف في كتاب الله جل وعلا في الباطل. ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام حذر من هؤلاء الذين يتبعون المتشابه، فقال: «إذا رأيتم هؤلاء القوم فهم الذين سمى الله فاحذروهم». أولئك أهل الزيغ، أهل الهوى، وأهل الباطل. فالمقصود أننا نؤمن بالقرآن كله، محكم ومتشابه، ونعتبر بأمثاله، بأمثال القرآن، الله عز وجل ضرب في القرآن أمثالاً عديدة، أكثر من ثمانين مثلاً، أمر جل وعلا بالاعتبار بها: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾، استمعوا، اعتبروا، اتعظوا. وقال جل وعلا: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾. أهل العلم والفضل هم الذين يعقلون ويفهمون عن الله عز وجل أمثاله. ولهذا كان بعض السلف إذا مر به مثل لم يفهمه بكى، قال: ألست من العالمين الذين أخبر الله سبحانه وتعالى عنهم؟ قال: «ثم وعدهم على تلاوته والعمل به النجاة من النار والدخول إلى الجنة». ثم ندب خلقه عز وجل إذا هم تلوا كتابه أن يتدبروا ويتفكروا فيه بقلوبهم، لأنه، لأن هذا، هذا المقصود من إنزال القرآن هو تدبره. ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾. ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾. وإذا سمعوه من غيرهم أحسنوا استماعه. ثم وعدهم على ذلك الثواب الجزيل، فله الحمد، أي على ذلك كله سبحانه وتعالى. فالقارئ ينتفع بقراءته ويؤجر على تلاوته، والمستمع كذلك ينتفع بسماعه للقرآن ويتدبر الآيات التي يسمعها، ويحصل له بذلك كذلك النفع العظيم. ولهذا قال ربنا جل وعلا: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾. استمع وهو شاهد، حاضر قلبه، متدبر لما يسمع، فيكون له بذلك ذكرى ونفع. ولهذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «فاستماع آيات الله والتزكي بها أمر واجب على كل أحد، فإنه لابد لكل عبد من سماع رسالة سيده التي أرسل بها رسوله إليه، التي أرسل بها رسوله إليه». يقول: لابد للمسلم أن يستمع القرآن، إما أن يقرأه ومع القراءة يستمع، وإما أن يستمع لمن يقرأ، فيسمع هذه الرسالة التي أرسل بها النبي صلى الله عليه وسلم. قال: «ثم أعلم خلقه أن من تل القرآن وأراد به متاجرة مولاه الكريم، فإنه يربحه الربح الذي لا بعده ربح، ويعرفه بركة المتاجرة في الدنيا والآخرة». قال أبو بكر: «جميع ما ذكرته وما سأذكره إن شاء الله بيانه في كتاب الله تعالى، وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ومن قول صحابته رضي الله عنهم، وسائر العلماء، وأنا أذكر منه ما حضرني ذكره إن شاء الله تعالى، والله الموفق في ذلك». هنا سيذكر بعض الأدلة الدالة على ما تقدم ذكره في هذه المقدمة. قال الله، قال الله، قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ * لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾. ففي هذه الآية أثنى الله عز وجل على التالين لكتابه سبحانه وتعالى، الذين يقرؤون كتاب الله عز وجل ويفهمون ما يقرؤون ويعملون به، لأنه كما سيأتي معنا لا يكون المسلم من حملة القرآن ومن التالين له إلا بذلك، إلا بفهم ما يقرأ والعمل بذلك. ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾، وخص ذكر الصلاة لأنها من أوجب الواجبات وأفرض الفرائض بعد الإسلام والإيمان. ﴿وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾، والزكاة قرينة الصلاة في كتاب الله جل وعلا، وهي الركن الثالث من أركان الإسلام. ﴿يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ﴾، أي تجارة لا خسارة فيها، ربحها مضمون، هذه تجارة مع الله سبحانه وتعالى. ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾، والله عز وجل كثير المغفرة لعباده، يستر ذنوبهم ويمحو سيئاتهم، وهو شكور، يشكر جل وعلا القليل ويجازي به بالكثير. وقال عز وجل: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا * وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾. كذلك في هذه الآية يخبر الله عز وجل أن هذا القرآن كتاب هداية، فيه هدايات عظيمة ترشد المسلم إلى ما فيه الهدى والنور، وكذلك الفوز برضوان الله سبحانه وتعالى. وبعض أهل العلم تتبع هذه الهدايات، كما ذكر الشيخ عبد الرزاق البدر حفظه الله، أن الشيخ عبد العزيز السلمان رحمه الله تتبع هدايات القرآن في ضوء هذه الآية في كتابه «الأنوار الساطعات لآيات جامعات»، فذكر ألفين وثمانمئة هداية، ذكر ألفين وثمانمئة هداية. وكذلك أيضاً أن هذا القرآن سبب عظيم، كما سمعتم، للفوز برضوان الله سبحانه وتعالى. وقال عز وجل: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَة لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾. فأخبر الله عز وجل أن هذا القرآن شفاء لأهل الإيمان من الأمراض الحسية والمعنوية، الأمراض المعنوية ك أمراض القلوب، الشهوات والشبهات، والأمراض الحسية التي قد تصيب الإنسان من مس أو عين أو حسد وغير ذلك، وهو أيضاً كذلك فيه الرحمة، الرحمة سبب عظيم لرحمة الله سبحانه وتعالى لعباده. وقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَة لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾. والموعظة الكلام الذي يقرن فيه الترغيب والترهيب، فالقرآن موعظة عظيمة قد اشتمل على الترغيب والترهيب، الترغيب في جنة الله وما فيها من النعيم والفوز برضوان الله سبحانه وتعالى، والترهيب من النار وما فيها من العذاب الأليم، وقد اشتمل القرآن على ذلك كله في مواضع عديدة من كتاب الله سبحانه وتعالى، فهي موعظة من الله عز وجل للعباد حتى يتعظوا ويعتبروا بها، وشفاء لما في الصدور كما تقدم، وهو كذلك هدى ورحمة للمؤمنين. وقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا * فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَة مِّنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا﴾. فأخبر الله عز وجل أن هذا القرآن برهان، أي فيه البراهين والحجج البينة الواضحة التي تدل على الحق والهدى، ويدمغ بها الباطل ويضمد أمامها. ثم وصف الآيات بأنها نور مبين، ثم أخبر أن من آمن بالله واعتصم به سبحانه وتعالى فله الفوز برحمة الله جل وعلا وبفضله، وله الهداية إلى الصراط المستقيم الموصل إلى جنات النعيم. وقال عز وجل: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾. وحبل الله تعالى هو القرآن. نعم، حبل الله هو القرآن، ومن اعتصم بكتاب الله عز وجل حصلت له الهداية العظيمة. قد جاء عن زيد بن أرقم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض». كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، والحيث، ومعنى هذا أن من أخذ بكتاب الله وتمسك به واعتصم به وعمل به، أوصله ذلك إلى رضوان الله، مرضاة الله سبحانه وتعالى، والفوز بنعيم الله عز وجل. قال: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾. فأخبر الله عز وجل أن كتابه القرآن أحسن الحديث، فلا كلام أحسن وأفضل من كلام الله سبحانه وتعالى، فهو أحسن الكلام وأكمله وأفضله في ألفاظه وفي حروفه وفي آياته وانتظامه وفي معانيه وأحكامه، وفي كذلك أوامره ونواهيه وسائر ما اجتمع فيه. ﴿كِتَابًا مُّتَشَابِهًا﴾، تشابه هنا بمعنى أن يشبه بعضه بعضاً في ذكر القصص وفي ذكر الأحكام وذكر الأوامر والنواهي ونحو ذلك. ﴿مَثَانِيَ﴾، بمعنى يثنى ويكرر ويتلى. ومن عجائب هذا القرآن أن المسلم يقرأه ويكرر قراءته ولا يمل منه، ما يمل منه أبداً، يقرأه المرة الأولى، الثانية، العاشرة، العشرين، المئة، ولا يزال يحب قراءته ويزداد شوقاً إلى تلاوته وحباً إلى تكراره، ولا يوجد كتاب يمكن أن يفعل الإنسان به ذلك غير القرآن. كتب العلم لو قرأها الإنسان مرة، مرتين، عشر مرات، يمل، يمل من قراءتها، أما القرآن فلا يمل أبداً، وهذا من عجائب هذا الكتاب العظيم. قال جل وعلا: ﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾، فحين يمر على القارئ لكتاب الله مواضع العذاب والتخويف والترهيب والنار والجحيم، يخاف المؤمن ويصيبه، يصيبه الخشية من الله سبحانه وتعالى، فتقشعر هذه الجلود وتخشع هذه القلوب، وتلين الجوارح إلى ربها سبحانه وتعالى. وقال عز وجل: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾. فوصف الله عز وجل هذا الكتاب بأنه كتاب مبارك، والبركة كثرة الخير، فهذا الكتاب كثير الخير والنفع، فهو مما ينتفع به المسلم في دنياه وفي أخراه وعند لقاء ربه سبحانه وتعالى، لما اشتمل عليه من الهدايات العظيمة التي سمعتم، توصل إلى مرضاة الله سبحانه وتعالى. ﴿لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾، الحكم من إنزاله ليتدبر آياته، التدبر لآيات القرآن التي بها يحصل الانتفاع بهذه الآيات، الانتفاع العظيم، ويحصل بذلك الذكرى. قال: ﴿كَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا﴾. فأخبر الله عز وجل أنه أنزل القرآن عربياً، أي باللسان العربي، لأنه أفصح اللغات وأفضلها وأكملها وأحسنها. ﴿وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ﴾، ففيه من الوعيد الشيء العظيم، من التخويف والترهيب الذي يأخذ بهذه القلوب إلى ربها سبحانه وتعالى، فيحصل لهم التقوى، ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾، وكذلك يحصل لها الذكرى، ﴿أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا﴾، فتتغير أحوالهم وتصلح قلوبهم وتحسن أعمالهم. قال: «ثم إن الله تعالى وعد لمن استمع إلى كلامه فأحسن الأدب عند استماعه بالاعتبار الجميل ولزوم الواجب باتباعه والعمل به أن يبشره عز وجل منه بكل خير، ووعده على ذلك أفضل الثواب». فقال تعالى: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾. فبشر عباد، من هؤلاء الذين لهم البشرى؟ هل جميع العباد؟ الجواب: لا، خص الله عز وجل منهم الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأحسن القول هو القرآن، الذين يستمعون هذا القرآن فيتبعون أحسنه ويعملون به، هؤلاء لهم البشرى، ويكون لهم الهدى، ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾، أي أصحاب العقول الزكية والفطنة التي تنتفع بما تسمع وتعقل ما يلقى عليها من الآيات. وقال عز وجل: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ * وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾. قال محمد بن الحسين، من محمد بن الحسين، هذا من محمد بن الحسين، المصنف، نعم، الآجري. قال: «فكل كلام ربنا حسن لمن تلاه ولمن استمع إليه، وإنما هذا والله أعلم صفة قوم إذا سمعوا القرآن يتبعون من القرآن أحسن ما يتقربون به إلى الله مما دلهم عليه مولاهم الكريم». وهذا تنبيه من المصنف، عندما يسمع المسلم هذه الآيات، ﴿فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾، هل معنى هذا أن القرآن ليس فيه شيء حسن؟ لا، القرآن كله حسن لأنه كله كلام الله سبحانه وتعالى، لكن المراد كما نبه أنهم يتقربون إلى الله سبحانه وتعالى بأحسن ما دلهم الله سبحانه وتعالى عليه، لأن الأعمال تتفاوت في الأفضلية وفي الدرجات، فهم يتبعون الأكمل والأفضل فيتقربون به إلى الله سبحانه وتعالى. قال: «يطلبون بذلك رضاه ويرجون رحمته». ﴿سَمِعُوا اللَّهَ﴾، قال: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾. فكان حسن استماعهم يبعثهم على التذكر فيما لهم وعليهم، وسمعوا الله عز وجل قال: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ﴾. نعم، فالله عز وجل يقول: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا﴾، إذا قرئ القرآن فالواجب على المسلم أن يستمع له وينصت، يستمع للقرآن بأذنيه وينصت له بجوارحه وقلبه، فلا يشتغل بشيء عند سماعه للقرآن، لأن هذا الذي يحصل به التدبر والانتفاع وينال بذلك رحمة الله سبحانه وتعالى، لهذا قال: ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾. قال: «فكان حسن استماعهم يبعثهم على التذكر فيما لهم وعليهم»، فيما لهم وعليهم يعني من أمر الوعد والوعيد، فإذا استمعوا بعثهم ذلك على التذكر فيما لهم من الأجر والثواب وما عليهم من العقوبة إذا خالفوا أمر الله سبحانه وتعالى، فحينئذ يصلحون أنفسهم ويقومونها على ما فيه رضوان الله سبحانه وتعالى. ولهذا الله عز وجل يقول: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ﴾، الذي يخاف وعيد الله عز وجل وعقابه وعذابه يتذكر عند سماعه للقرآن، فحينئذ يعتني بنفسه عناية عظيمة. قال: «وقد أخبرنا الله عز وجل عن الجن في حسن استماعهم القرآن واستجابتهم لما ندبهم إليه، ثم رجعوا إلى قومهم فوعظوهم بما سمعوا من القرآن بأحسن ما يكون من الموعظة». قال الله تعالى: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾. انظروا إلى هذا المثل العظيم في هؤلاء الجن الذين استمعوا للقرآن، والنبي صلى الله عليه وسلم أرسل لجميع الثقلين، الإنس والجن، فالجن استمعوا لقراءة القرآن من النبي عليه الصلاة والسلام، فوصفوا القرآن بأنه قرآن عجيب، قرآن عجباً، عجيب في ألفاظه، عجيب في آياته، عجيب في معانيه، في أحكامه. سمعوا القرآن فوصفوه بهذا الوصف العظيم، ﴿يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ﴾، والرشد كلمة جامعة تدل على الكمال في العلم والعمل، على الكمال في العلم والعمل. وقد يقرن الرشد بالهداية، قد يقرن الرشد بالهداية، فحينئذ يراد بالهداية العلم النافع، ويراد بالرشد العمل الصالح، يراد بالهداية العلم النافع وبالرشد العمل الصالح. وإذا ذكر الرشد وحده دل على المعنيين، على العلم النافع والعمل الصالح. فلما سمعوا هذه الآيات سرعان ما آمنوا به، ﴿فَآمَنَّا بِهِ﴾، إيماناً جازماً قوياً راسخاً، ولهذا أكدوا ذلك بقولهم: ﴿وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾، فنحن عباد لله، موحدون لله سبحانه وتعالى. انظروا إلى هذا التأثير العظيم في هؤلاء الجن، كيف تأثروا بالقرآن تأثيراً عظيماً. وكذلك بقوله عز وجل: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا أَنصِتُوا فَإِذَا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ﴾. ببعشرة، سمعوا، استمعوا للقرآن، فانتفعوا، ورجعوا إلى قومهم منذرين، ينذرونهم عذاب الله سبحانه وتعالى. قالوا: ﴿يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيق مُّسْتَقِيمٍ * يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. رجعوا إلى قومهم دعاة إلى الله سبحانه وتعالى، ينذرونهم عذاب الله ويأمرونهم بالإيمان بالله سبحانه وتعالى، فأثر فيهم هذا القرآن تأثيراً عظيماً، مع أنه ما سمعوا القرآن إلا مرة واحدة. كم من الإنس اليوم من يستمع للقرآن عشرات المرات، ومع ذلك لا يجد لهذا القرآن أثراً في قلبه، ما ينتفع