كتاب البيوع 66

الدرس في كتاب البيوع 66، ألقاها

أحكام الجوار والاستفادة من الأملاك

يناقش أحكام تمكين الجار لجاره والاستفادة من أملاكه مثل وضع الخشب في الجدار المشترك وتوجيه الماء عبر أرض الجار. يستعرض آراء الفقهاء في هذه المسائل ويستدل بالأحاديث والآثار عن الصحابة.

تعريف العارية وحكمها

يعرّف العارية بأنها هبة المنافع دون الرقبة، ويبين حكمها الشرعي بالاستناد إلى آراء الفقهاء. اختلف العلماء في حكمها بين الندب والوجوب مستدلين بالأدلة الشرعية.

أدلة وآراء حول حقوق المال

يناقش الأدلة الشرعية حول حقوق المال الواجبة ويستعرض أحاديث تتعلق بالزكاة ومنع الماعون. يبرز أهمية فهم سياق الأحكام الشرعية وتطورها عبر الزمن بتفسيرات العلماء والتابعين.

تأكيد حكم العارية واستثناءاتها

يؤكد أن العارية مستحبة وليست واجبة إلا في حالة الضرورة، مشيراً إلى قول الجمهور في هذه المسألة واستثناءاتها في حالات الضرورة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمدا كثيرا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، طيب، هنا فائدة قبل أن ندخل في الدرس، يعني وهي متعلقة بالمسألة التي أخذناها في الدرس الماضي. قال الحافظ في الفتح: قال الحافظ ابن حجر في الفتح -فتح الباري- قال: «ومحل الوجوب أي وجوب تمكين الجار لجاره إن يحتاج إلى أن يغرز خشب أو أن يخشب». قال: «ومحل الوجوب عند من قال به أن يحتاج إليه الجار، ولا يضع عليه ما يتضرر المالك، ولا يقدم على حاجة المالك». ولا فرق بين أن يحتاج في وضعه الجذع إلى نقب الجدار أو لا؛ لأن رأس الجذع يسد المنفتح ويقوي الجدار. فقوله رحمه الله تعالى: «ومحل الوجوب عند من قال به أن يحتاج إليه»... وترجع المسألة لما تقدم معنا في الدرس الماضي: هل الحاجة هنا خاصة أم أن الحاجة العامة تكفي؟ تقدم الكلام على هذا. «ولا يضع عليه ما يتضرر المالك»... وهذا كذلك تقدم معنا الكلام أنه إذا حصل تضرر فلا. «ولا يقدم على حاجة المالك» بمعنى أن المالك صاحب الجدار إن أراد أن يضع على الجدار خشبا فهو مقدم على ما ذكره الجار. وضح الجدار مثلا يريد أن يضع خشب معين، فإن الجدار لا يتحمله. فصاحب الجدار أراد أن يضع خشبه، والجار أراد أن يضع خشبه، فمن يقدم؟ يقدم صاحب الملك. واضح. قال: «ولا فرق بين أن يحتاج في وضعه الجذع إلى نقب الجدار أو لا»... يعني إن كان يحتاج إلى نقب الجدار -عمل نقب، فتح ثقب- أو لا؛ لأن رأس الجذع يسد المنفتح ويقوي الجدار. طيب، طيب. مسألة ثانية، وهي المسألة المتعلقة بالباب، أي بالحديث السابق. إذا أراد إنسان أن يجري ماء في أرض غيره لحاجة، فهل له ذلك أم أنه لا يجوز إلا بإذنه؟ يعني الآن: خشبه في جدار تقدم الحكم إذا كان في قضية أخرى، وصورة أخرى: رجل عنده مثلا بستان أو مزرعة، وجاره مرتصق به أو بجانبه، وكان من جهة جاره ماء، فأراد أن يمرر جدولا أو ربيعا من ذلك البستان للجار، هل له أن يمرره إن احتاج إلى ذلك؟ وهل للجار أن يمكنه أو أن له أن يمنعه؟ واضح. في المسألة قولان لأهل العلم، هما روايتان عن أحمد، وسيأتي معنا كذلك قول من هذا. طيب. أحدهما: لا يجوز له أن يمرر الماء في أرض جاره إن لم يأذن؛ لماذا؟ لأنه تصرف في أرض غيره بغير إذنه، فلم يجوز، كما لو لم تدع إليه ضرورة؛ لأن مثل هذه الحاجة لا تبيح مال غيره. بدليل أنه لا يباح الزرع في أرض غيره، ولا البناء فيها، ولا الانتفاع بشيء من منافع المحرمة عليه قبل هذه الحاجة. واضح. القول الثاني: أنه يجوز؛ لما رواه مالك وغيره بإسناد صحيح أن الضحاك بن خليفة ساق خليجا من العريض، فأراد أن يمر به في أرض محمد بن مسلمة، فأبى محمد بن مسلمة. فقال الضحاك: «لما تمنعني وهو لك منفعة تشرب منه أولا وآخرا ولا يضرك». فأبى محمد -أي ابن مسلمة- رضي الله عنه. فكلم فيه الضحاك عمر بن الخطاب، فدعا عمر بن الخطاب محمد بن مسلمة، فأمره أن يخلي سبيله. فقال محمد: «لا». فقال عمر: «لما تمنع أخاك ما ينفعك وهو لك نافع تسقي به أولا وآخرا وهو لا يضرك؟» فقال محمد: «لا والله» -يمنع- فقال عمر: «والله ليمرن به ولو على بطنك». فأمره عمر أن يمر به، ففعل الضحاك. وهذا القول هو الراجح؛ لقضاء عمر به، واشتهاره بين الصحابة، ولا يعلم له مخالف، فكان اتفاقا. قال الحافظ في الفتح: «وقد قوى الشافعي في القديم القول بالوجوب بأن عمر قضى به ولم يخالف أحد من أهل عصره، فكان اتفاقا منهم على ذلك». وهذا في الجزار، وكذلك المرور بالأرض يأخذ حكمه. وكذلك -يعني- انتهى كلام الحافظ. وكذلك يستدل له بحديث الباب، بحديث الباب أيضا؛ فإن عمر رضي الله عنه وارضاه عمم الحكم فيه بكل ما يحتاج إليه الجار من الانتفاع بجدار جاره أو أرضه من غير إضرار به. قال الصنعاني في السبل: «وعممه عمر -أي عمم الحكم في الحديث- والعمم في الحديث قال: وعممه عمر في كل ما يحتاج الجار إلى الانتفاع به من جاره وأرضه». انتهى كلام الصنعاني. قال ابن رشد في بداية المجتهد: «واختلفوا من هذا الباب في الرجل يسأل جاره أن يعيره جداره أن يعيره جداره ليغرز فيه خشبه أو خشبة لمنفعته ولا تضر صاحب الجدار». قال: «وبالجملة في كل ما ينتفع به المستعير ولا ضرر على المعير فيه»... يعني تكلم في هذا الباب. فقال مالك وأبو حنيفة: «لا يقضى عليه به؛ إذ العارية لا يقضى بها». واضح. وقال الشافعي وأحمد وأبو ثور وداود وجماعة أهل حديث: «يقضى بذلك لحديث أبي هريرة» -لحديث أبي هريرة حديث الباب-. فنستفيد من هذا النقل عن ابن رشد فائدتان: الأولى أن العلماء عمموا الحكم في كل ما يحتاجه الجار مما له فيه منفعة من جدار جاره أو أرضه أو نحوها أو نحوهما. واضح. أن العلماء استفادوا من هذا الحديث وعمموا فيه الحكم -يعني استفادوا هذا الحديث- تعميم الحكم في كل ما يحتاج إليه الجار من جاره من غير إضرار به. طيب. المسألة الثانية أو الفائدة الثانية: أن هذا يكون من باب الاستعارة، فيحسن بنا إذن أن نتكلم على أحكام الاستعارة تحت هذا الحديث لهذه المناسبة. ونسأل الله جل وعلا التوفيق والسداد. طيب، طيب. المسألة الثالثة: العارية. ما معنى العارية لغة وشرعا وحكمها؟ العارية -بالتشديد على التحتانية- ويجوز تخفيفها -يعني يقال: العارية والعارية- وحكي: عارة. العارية وعارة -براء خفيفة بغير تحتانية- يعني العارية والعارية والعارة. قال الأزهري: «مأخوذة من عارة إذا ذهب وجاء». ومنهم سمي العير -يعني العير- سميت عيرا لأنها تذهب وترجع تعير -تذهب وتأوب- قالوا: «لأنه يكثر الذهاب والمجيء». قالوا: «أما العارية والإعارة والاستعارة فإن العرب تقول فيها: هم يتعاورون العوارى ويتعورونها بالواو، كأنهم أرادوا تفريقا -كأنهم أرادوا تفريقا- بينما يتردد من ذات نفسه، وبينما يردد... وبينما يردد». وقال ابن الهيثم: «العارية منسوبة إلى العارة وهي اسم الإعارة». يقال: «أعرته الشيء أعيره إعارة وعارة». ويقال: «استعرت منه عارية فأعارنيها». وقال الليث: «سميت عارية لأنها عار على طالبها». قال: «والعار كل شيء تلزم به سِبة أو عيب». والفعل منه: التعيير. قال: «ومن قال هذا قال: هم يتعيرون من جيرانهم الماعون والأمتعة». قال الأزهري: «وكلام العرب يتعورون بالواو، والمعاورة والتعاور شبه المداولة والتداول بالشيء»... يقول: بين اثنين -يعني- وكأن الأزهري رحمه الله تعالى يميل إلى المعنى الأول -إلى المعنى الأول- أن العارية مأخوذة من الإعارة -من الإعارة- وهذا هو الأظهر. وهذا هو الأظهر. وأما القول الثاني الذي ذكره الليث، فبعض أهل العلم تعقبه. بعض أهل العلم تعقبه قال: «كيف تكون عارا عيبا وقد فعلها الشارع؟ -أي فعلها الرسول صلى الله عليه وسلم- كيف تكون عارا وعيبا وقد فعلها الرسول صلى الله عليه وسلم وهو لا يفعل ما هو كذلك؟» -أي لا يفعل ما هو عار- واضح. فأجاب الحافظ في الفتح قال: «وهذا التعقيب إن كان صحيحا في نفسه، لكن لا يرد على ناقل اللغة. وفعل الشارع في مثل ذلك لبيان الجواز -لبيان الجواز- لكن الأظهر -والله أعلم- هو الأول -هو الأول- أن العارية من الإعارة -من الإعارة- أي من تداول الشيء بين من يحتاج إليه باعتبار منافع». طيب. هذا معناها لغة وشرعا. قالوا: «هي هبة المنافع دون الرقبة» -هبة المنافع دون الرقبة- إنسان يريد مثلا يقول: «أعرني الكتاب أقرأ فيه» أو «القدر أطبخ فيه» أو ما شابه ذلك، فهذه سمى إعارة. فينتفع بمنافع ذلك الشيء، ولكنه لا يتملك الرقبة -الأصل- أي ذلك الشيء، أصل ذلك الشيء. طيب. وحكمها الندب، أي أنها من المستحبات؛ لأنها من أفعال الخير. والأصل فيها الكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿ويمنعون الماعون﴾ [الماعون:7]، فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون الذين هم يراؤون ويمنعون الماعون. وقد ثبت عن ابن مسعود أنه قال: «كل معروف صدقة». كنا نعد الماعون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم عارية الدلو -أو الدلو- عارية الدلو والقدر. وحيث رواه النسائي في الكبرى وعبد الرزاق في مصنفه وغيرهم بإسناد صحيح. ورواه ابن أبي شيبة عنه بلفظ: «هو ما يتعاور الناس بينهم». وهذا يؤكد أنها من ماذا؟ من عار يعور ويتعاور. طيب. ما يتعاور الناس بينهم: الفأس والقدر والدلو وأشباهه. وأيضا سنده صحيح. ورواه كذلك ابن أبي شيبة عن ابن عباساء: «ويمنعون الماعون» قال: «عارية المتاع». وإسناده كذلك صحيح. ومن السنة: حديث أبي أمامة رضي الله عنه قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في خطبته عام حجة الوداع يقول: العارية مؤداة، والمنحة مردودة، والدين مغضى، والزعيم غارم». رواه أحمد وأبو داود وغيرهما، بإسناد حسن، ويرتقي إلى الصحة بشواهده الصحاح. والعلامة الألباني رحمه الله تعالى وغيره. وكذلك حديث صفوان بن أمية: حديث صفوان بن أمية رضي الله عنه «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعار منه يوم حنين أدرعا، فقال: أغصبا يا محمد؟» -وهذا قبل أن يسلم- فقال: «بل عارية مضمونة». الشاهد: «بل عارية مضمونة». قال: «فضاع بعضها، فعرض عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يضمنها له، فقال: أنا اليوم -يا رسول الله- في الإسلام أرغب». فهذا فيه أنه أسلم. وشاهد منه: «بل عارية مضمونة». استعار النبي -استعار- وقال: «عارية مضمونة». ففيه جواز الاستعارة، وفيه استحبابها. طيب. وأما الإجماع، فقد قال ابن قدامة في المغني: «وأجمع المسلمون على جواز العارية واستحبابها؛ لأنه لما جازت هبة الأعيان جازت هبة المنافع. ولذلك صحت الوصية بالأعيان والمنافع جميعا». طيب. إذا ثبت هذا، فإن الصحيح من أقوال أهل العلم بأن العارية مندوبة -مندوب إليها- وليست واجبة، في قول أكثر أهل العلم. في قول أكثر أهل العلم أنها مندوبة وليست واجبة. وذهب بعض العلماء إلى أنها واجبة، واستدل لذلك بما روى أبو هريرة: «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما من صاحب إبل لا يؤدي حقها...» الحديث. قيل: «يا رسول الله، ما حقها؟» قال: «إعارة دلوها، وإطراق فحلها، ومنحة لبنها يوم وردها». والحديث رواه مسلم عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما. وجاء كذلك من حديث أبي هريرة رضي الله عنهما جميعا. طيب. أشياء منه: ماذا؟ النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من صاحب إبل لا يؤدي حقها إلا إذا جاء يوم القيامة...» -الحديث الذي في الزكاة- «أنه تدوسه بإضرارها» إلى آخر الحديث. فقيل: «ما حقها؟» قال: «إعارة دلوها» -إعارة دلوها- «وإطراق فحلها» -وهذا من الإعارة- «ومنحة لبنها يوم وردها» -وهذا كذلك من ماذا؟ من الإعارة- هو. طيب. فهذا الحديث تدل به على وجوب -على وجوب الإعارة- إلى جانب ما تقدم ذكره عن ابن عباس وابن مسعود في الآية: ﴿فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون الذين هم يراؤون ويمنعون الماعون﴾ [الماعون:4-7]، والآية فيها وعيد شديد. طيب. وقد جاء عنهما أنهما قالا: «أنها العارية». طيب. استدل الجمهور على الاستحباب بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا أديت زكاة مالك فقد قضيت ما عليك». رواه الترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه. ورواه ابن خزيمة في صحيحه عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم. هو حديث -هو حديث- حسن. وقد كان العلامة الألباني ضعفه في الضعيفة، ثم تراجع عنه؛ فالحديث حسن -يعني من الطريقين- هذا حسن، وهذا حسن، فارتقى الصحيح لغيره. وأيضا مما استدلوا به: الحديث: «ليس في المال حق سوى الزكاة» -ليس في المال حق سوى الزكاة- رواه ابن ماجه وغيره عن فاطمة بنت قيس رضي الله عنها، ولكنه حديث ضعيف؛ بل قال بعض أهل العلم: لأنه منكر. ومن ضعفه العلامة الألباني رحمه الله تعالى في الضعيفة. وكذلك استدلوا بحديث الأعرابي الذي سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن فرائض الإسلام، ومنها أنه قال: «فماذا فرض علي من الصدقة؟» قال: «زكاة». قال: «هل علي غيرها؟» قال: «لا؛ إلا أن تطوع». -«إلا أن تطوع»- والحديث متفق عليه من حديث طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه وأرضاه. شاهد منهم: «ليس عليه إلا ماذا؟ إلا الزكاة». «ليس عليه إلا ماذا؟ إلا الزكاة». قال: «وأما الآية... وأما الآية» -هو الذين يمنعون الماعون- «ويمنعون الماعون». قال: «وأما الآية، فقد قال مجاهد: نهى عن الزكاة -قال: يمنعون الماعون أي يمنعون الزكاة-» رواه عبد الرزاق في تفسيره وفي مصنفه، وابن جرير الطبري رحمه الله تعالى بإسانيده صحيحة إلى مجاهد. إلا أن مجاهدا لم يدرك علي -يعني مجاهد عن علي- إلا أن مجاهدا لم يدرك أو لم يسمع من علي رضي الله عنه وأرضاه. ورواه كذلك عبد الرزاق في تفسيره بسند صحيح. وكذلك ابن جرير الطبري وغيرهم عن علي بن ربيع قال: «سألت ابن عمر عن الماعون، فقال: هي الصدقة -الصدقة- هي الزكاة». فقال: «فقلت: إن ناسا يقولون: هو كذا» -يعني يقصد الماعون العارية- «يقولون: هو كذا». قال: «هو ما أقول لك». وعند ابن جرير الطبري -عند رواه ابن جرير الطبري- بسند صحيح: «قلت: إن ابن أم عبد -من هو ابن أم عبد؟ ابن مسعود- قال: قلت: إن ابن أم عبد يقول: هو المتاع الذي يتعاطاه الناس بينهم». قال ابن عمر: «هو ما أقول لك» -يعني هو ماذا؟ الزكاة- هو الزكاة. وكذلك فسره بالزكاة طائفة من التابعين، منهم: الحسن، وقتادة، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وابن الحنفية، والضحاك وغيرهم؛ كما في تفسير الطبري. والله أعلى وأعلم. طيب. وأما حديث جابر: «ما حقها؟ قال: إعارة دلوها»... الحديث. فقد أجاب عنه العلماء بأجوبة: أحدها: أن هذا الوعيد كان قبل فرض الزكاة. ويؤيده ما سيأتي من حديث ابن عمر في الكنز. لكن قال الحافظ: «لكن يعكر عليه أن فرض الزكاة متقدم على إسلام أبي هريرة؛ كما تقدم تقريره». وهذا سيأتي جواب عنه -يعني أن قوله: أنه كان متقدما على إسلام أبي هريرة- يقال: هذا إذا ثبت أن أبا هريرة سمعه مشافهة من الرسول صلى الله عليه وسلم، يكون هذا التعقيب في محله. أما إذا لم يثبت أنه سمعه من الرسول، فيبقى الاحتمال أنه سمعه من غيره من الصحابة الذين أسلموا قبله، فيكون الجواب متجها. وسيأتي توضيح ذلك. طيب. ثانيا -أو ثاني الأجوبة- قالوا: «إن المراد بالحق القدر الزائد على الواجب -القدر الزائد على الواجب- ولا عقاب بتركه، وإنما ذكر استطرادا» -يعني في الحديث ذكر استطرادا لما ذكر حقها- «بيّن الكمال -لما ذكر حقها بيّن الكمال- فيه، وإن كان أصل يزول الذنب بفعله، وهو الزكاة». طيب. قالوا: «ويحتمل -وهذا الوجه الثالث- ويحتمل أن يراد: إذا كان هناك مضطر إلى شرب لبنها، فيحمل الحديث على هذه الصورة». وقال ابن بطال في شرح البخاري: «قال: في المال حقا -في المال حقا- فرض عين، وغيره -فرض عين، وغيره- قال: فالحلب من الحقوق التي هي من مكارم الأخلاق -أي ليست واجبة- وإنما هي من مكارم الأخلاق». طيب. طيب. نص حديث ابن عمر -من باب الفائدة- نص حديث ابن عمر: هو أن خالد بن أسلم -مولى عمر بن الخطاب- مولى عمر بن الخطاب قال: «خرجت مع عبد الله بن عمر، فلحقه أعرابي، فقال له: قول الله: ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله﴾ [التوبة:34]...» قال له ابن عمر: «من أو... قال ابن عمر: من كنزها أو من كنزها فلم يؤدي زكاتها فويل له -من كنزها فلم يؤدي زكاتها فويل له- فويل له». فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون الذين هم يراؤون ويمنعون الماعون. واضح. فويل له -مع هذه الآية: ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله﴾ [التوبة:34]- فقال ابن عمر: «فويل له؛ إنما كان هذا قبل أن تنزل الزكاة -فويل له إنما كان هذا قبل أن تنزل الزكاة- فلما أنزلت جعلها الله طهورا للأموال». ثم التفت فقال: «ما أبالي لو كان لي أحد ذهب أعلم عددهم وأزكيه وأعمل فيه بطاعة الله عز وجل». واضح. ملا الحديث -كما ذكر- أخرجه المذكورون: ابن ماجه والبيهقي وغيرهم من طريق ابن إسحاق قال: «حدثني خالد بن أسلم به». وعلقه البخاري. قال العلامة الألباني رحمه الله في الصحيح: «وإسناده صحيح». قال: «وهو وإن كان موقوفا فوفي حكم المرفوع؛ لأنه في أسباب النزول، وذلك لا يكون إلا بتوقيف من الرسول صلى الله عليه وسلم». قال: «وحديث ابن عمر هذا هام جدا في تفسير آية الإنفاق». واضح. لماذا؟ قال: «فإن ظاهرها وجوب إنفاق جميع ما عند المسلم من الذهب والفضة. وقد أخذ بهذا الظاهر بعض الأحزاب الإسلامية في العصر الحاضر، ولم يرتقوا إلى هذا الحديث المبين المراد منها». وأنها كانت قبل فرض الزكاة المطهرة -المطهرة للأموال- «فلما نزلت قيدت الآية، وبينت أن المقصود منها إنفاق الجزء المفروض عن الأموال -من الزكاة- وعلى ذلك دل سائر الأحاديث التي وردت في الترهيب من منع الزكاة». وكذلك سيرة السلف في الصدقة. فإن من المقطوع به أن عثمان وعبد الرحمن بن عوف وغيرهما من أغنياء الصحابة لم ينفقوا أموالهم كلها؛ بل ماتوا وقد خلفوا لورثتهم أموالا طائلة؛ كما هو مذكور في كتب السيرة والتراجم». انتهى كلام العلامة الألباني. التعليق على هذا الحديث: هو كما ترون مهم. نحن قرأنا وذكرناه لأهميته. فالشاهد والحاصل من هذا: أن الصحيح قول الجمهور: أن الصحيح من هذه المسألة أو في هذه المسألة قول الجمهور: أن العارية مستحبة وليس بواجبة؛ إلا الضرورة، إذا كان ضرورة، فها هنا يكون للضرورات أحكام. والله تعالى أعلى وأعلم. وسبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، استغفرك وأتوب إليه.

شاركنا على