التعليق على كتاب السيرة النبوية من تاريخ الإسلام للذهبي 30

التعليق على كتاب السيرة النبوية من تاريخ الإسلام للذهبي 30

الدرس في التعليق على كتاب السيرة النبوية من تاريخ الإسلام للذهبي 30، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

إعجاب الوليد بن المغيرة بالقرآن ووصفه له

سمع الوليد بن المغيرة القرآن من النبي ﷺ فأقر ببلاغته وأنه ليس بسحر ولا شعر ولا كهانة، وتأثر به حتى بلغ آية الإنذار بالصاعقة.

موقف الوليد بن المغيرة وقريش من وصف النبي صلى الله عليه وسلم ومحاولتهم تكذيبه

اجتمع الوليد بن المغيرة مع نفر من قريش لتنسيق رأي موحد في وصف النبي محمد صلى الله عليه وسلم، فرفضوا أوصاف الكاهن والمجنون والشاعر، وأقروا بأنه سحر يفرق بين الناس.

عرض عتبة بن ربيعة الإغراءات على النبي صلى الله عليه وسلم

عرض عتبة بن ربيعة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم الرياسة والمال والزواج مقابل ترك دعوته، فقرأ عليه النبي مطلع سورة فصلت فانصرف عتبة مهموماً وحلف ألا يكلمه.

تحذير قريش الناس من النبي ﷺ ونزول الآيات في الوليد ومن سموا القرآن سحراً

جلس كفار قريش في موسم الحج يحذرون الوافدين من النبي محمد ﷺ، فنزلت آيات في الوليد بن المغيرة وآيات فيمن جعلوا القرآن عضين، مع نقد المؤلف لأسانيد ابن إسحاق في ذلك.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والى الآن ما بعد. قال علامة الذهب رحمه الله: قال يونس بن بكير عن ابن إسحاق، وكما ذكرنا يونس بن بكير هو ابن عبد الله، وهو أفضل مروية للسيرة عن ابن إسحاق. قال عن ابن إسحاق: أن الوليد بن المغيرة اجتمع ونفر من قريش، أن الوليد بن المغيرة اجتمع مع نفر من قريش، وكان ذا سن فيهم، وقد حضر الموسم على وقت موسم الحج، فقال: «إن وفود العرب ستقدم عليكم فيه، وقد سمعوا بأمر صاحبكم، فاجمعوا فيه رأياً واحداً، ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضاً. أنا أقول كلمة واحدة فيه، اتفقوا على هذه الكلمة تقولونها في التنفير من محمد صلى الله عليه وآله وسلم». قالوا: «فأنت فقل وأقم لنا رأياً». قال: «بل أنتم فقولوا وأنا أسمع». قالوا: «نقول: كاهن». فقال: «ما هو بكاهن، لقد رأيت الكهان، فما هو بزمزمة الكاهن وسجعه». فقالوا: «نقول: مجنون». فقال: «ما هو بمجنون، ولقد رأينا الجنون وعرفناه، فما هو بحنقه، ولا نخالجه، ولا وسوسته». قالوا: «فنقول: شاعر». قال: «ما هو بشاعر، قد عرفنا الشعر برجزه وهزجه وقريضه ومقبوضه ومبسوطه، فما هو بالشعر». قالوا: «فنقول: ساحر». قال: «ما هو بساحر، قد رأينا السحرة وسحرهم، فما هو بنفثه ولا عقده». فقالوا: «ما تقول يا أبا عبد شمس؟» وأنا هذه كنيته، وعبد شمس أكبر من خالد. قال: «والله إن لقوله حلاوة، وإن أصله لعدق، أو لغدق بالذال، والعدق هو الماء الكثير». وجاء في الحديث الذي مر أنه لعدق، يعني عدق كأنه عدق نخلة عندما يطيب تمرها والرطب، أي أن الإنسان يتذوقه مثل ما يتذوق الرطب، العرب كانت عندهم الرطب من أفضل ما يؤكل، فلذلك تشبهه بهذا، وإنه لعدق، والعدق أو هنا قال أصله لغدق، والغدق هو الماء الكثير، وإن فرعه لجني، وهذا يدل على أن الكلمة الأولى لعدق وليس لغدق، وإن فرعه لجني، جني: معناه قد صار جاهزاً للأكل. قال: «فما أنتم بقائلين من هذا شيئاً إلا عرف أنه باطل، وإن أقرب القول أن نقول: ساحر، يفرق بين المرء وبين ابنه، وبين المرء وبين أخيه، وبين عشيرته». معنى كأنه يريد ساحراً، أي في الكلام يسحر الناس بكلامه. قال: فافتروا عنه بذلك. وهذا كله خوفاً من الكذب، أنهم يكذبون في كلامهم فينكر كلامهم. انظروا إلى الحرص، حرص هؤلاء الكفار على دينهم وعلى ما هم عليه، وحتى لا يستجيب الناس لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، لأن الإنسان إذا رأى أن هذا الشخص يكذب فإنه يبغضه ولا يستمع لكلامه مرة أخرى، وهذا قد يجعله يتحول إلى غيره، وهذا من فطر الناس غالباً، إذا رأى مثلاً أن هذه الطائفة تكذب ويكثر فيهم الكذب يتجنب أمرهم ويذهب إلى أعدائهم. قال: فجعلوا يجلسون للناس حين قدموا الموسم، لا يمر بهم أحد إلا حذروه. فأنزل في الوليد: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً﴾ إلى قوله: ﴿سَوْفَ أُصْلِيهِ سَقَرَ﴾. وأنزل الله فيهم الذين كانوا معه، الذين جعلوا القرآن عضين: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾. وهذا حكاية ذكرها ابن إسحاق بدون إسناد. وقال ابن بكير عن ابن إسحاق عن رجل عن عكرمة عن ابن عباس في بعض الروايات أنه ذكر هذه الحكاية من طريق محمد بن أبي محمد عن هذه التي ذكرناها، والظاهر هنا كأنه سقط هذا، أو أن ابن هشام اختصر الكلام، وإلا هذه الرواية حتى في التاريخ في سيرة أعلام النبلاء مكتوبة عن ابن إسحاق: قال حدثني محمد بن أبي محمد عن عكرمة عن ابن عباس. ومحمد بن أبي محمد هذا مجهول لا يعرف، وقد أكثر عنه ابن إسحاق. قال: وقال ابن بكير عن ابن إسحاق عن رجل عن عكرمة عن ابن عباس: قال قام النضر بن الحارث بن كلدة العبدري، فقال: «يا معشر قريش، إنه والله لقد نزل بكم أمر، ابتليتم بمثله، لقد كان محمد فيكم غلاماً حدثاً، أرضاكم فيكم، وأصدقكم حديثاً، وأعظمكم أمانة، حتى إذا رأيتم في صدغيه الشيب وجاءكم بما جاءكم قلتم: ساحر. لا والله، ما هو بساحر، ولا بكاهن، ولا بشاعر، قد رأينا هؤلاء وسمعنا كلامه، فانظروا في شأنكم». قال: وكان النضر من شياطين قريش ممن يؤذي رسول الله وينصب له العداوة، معناه يريد أيضاً ما الأمر الذي ينفر عن النبي عليه الصلاة والسلام، وحتى لا يختلف الناس، وهذا نفس الذي ذكره الوليد بن المغيرة. قال: وقال محمد بن فضيل بن غزوان، وهو صدوق شيعي، قال: حدثنا الأجلح، وأيضاً الأجلح فيه تشيع وهو ثقة، وعن الديال بن حرملة، هذا الديال لم أجد له ترجمة، لكن ذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً. قال: عن جابر بن عبد الله قال: قال أبو جهل والملأ من قريش: «لقد انتشر علينا أمر محمد، فلو التمستم رجلاً عالماً بالسحر والكهان والشعر فكلموه ثم أتانا ببيان من أمره». فقال عتبة: «لقد سمعت بقول السحر والكهان والشعر، وعلمت من ذلك علماً، وما يخفى علي، إن كان كذلك». فأتاه، أي عتبة بن ربيعة، وهو أبو الوليد بن عتبة، الذين قتلوا في بدر: عتبة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة. قال: فلما أتاه قال له عتبة: «يا محمد، أنت خير أم هاشم؟» أنا هاشم جدك. «أنت خير أم عبد المطلب؟» لم يأتوا بمثل ما جئت به. أنا يريد أن يعكر على النبي صلى الله عليه وسلم. قال: «أنت خير أم عبد الله؟» فلم يجبه. وهذا الأثر جاء بأسانيد صحيحة، أو بأسانيد يشهد بعضها لبعض كما سيذكر بعضها الذهبي. قال: فلم يجبه. قال: «فيم تشتم آلهتنا وتضل آباءنا؟ فإن كنت إنما بك الرياسة، عقدنا لك ألويتنا، فكنت رأسنا ما بقيت. وإن كنت لا تريد أن تترأس علينا، أعطيناك الرياسة. وإن كان بك الباءة، زوجناك عشر نسوة، تختار من أي بيوت قريش شئت، إذا كانت عندك شهوة للنساء، زوجناك عشراً من النساء. وإن كان بك المال، جمعنا لك من أموالنا ما تستغني به أنت وعقبك من بعده». هذا كله إغراءات، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ساكت. فلما فرغ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في رواية: «أفرغت يا أبا الوليد؟» قال: نعم. فقرأ النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ۝ حَامِيمَ ۝ تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ﴾ فقرأ حتى بلغ: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾. قال: فأمسك عتبة على فيه، أي على في النبي عليه الصلاة والسلام، أمسك على فم النبي عليه الصلاة والسلام، وناشده الرحم أن يكف، أن لا يكمل الكلام، لأن هؤلاء العرب يذوقون الكلام ويعرفونه. قال: ولم يخرج إلى أهله واحتبس عنهم. فقال أبو جهل: «يا معشر قريش، والله ما نرى عتبة إلا قد صبأ إلى محمد، وأعجبه طعامه، وما ذاك إلا من حاجة أصابته». انطلق بنا إليه، فأتوه. وقال أبو جهل: «والله يا عتبة، ما حسبنا إلا أنك صبوت، فإن كانت بك حاجة جمعنا لك ما يغنيك عن طعام محمد». فغضب وأقسم بالله لا يكلم محمداً أبداً. وهذا الخبيث يأتي بكلام لكي يستفزهم. وقال: «لقد علمتم أني من أكثر قريش مالاً، ولكني أتيته فقص عليهم القصة، فأجابني بشيء، والله ما هو بسحر، ولا شعر، ولا كهانة، ثم قرأ ما جاء به، حتى بلغ: ﴿فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً