الدرس في التعليق على اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم 163، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يوضح الفرق الجوهري بين المسجد الأقصى وقبة الصخرة التي بناها عبد الملك بن مروان، مؤكداً أن الصحابة لم يعظموا الصخرة لأنها قبلة منسوخة. وينتقد الاعتماد على الإسرائيليات والروايات الضعيفة في إثبات فضائل الأماكن.
يؤكد عدم قبول الروايات بلا إسناد صحيح، خاصة الإسرائيليات من كتب أهل الكتاب، ويقرر قاعدة «لا تصدقوهم ولا تكذبوهم» مع التفريق بين ما وافق الشرع وما خالفه. ويبين أن الصحابة لم يصلوا عند الصخرة ولا قبر إبراهيم، وأن ما أضيف في الإسراء كذب مختلق.
يبيّن أن تعظيم أماكن كقبر الخليل لم يثبت عن السلف، بل هو بدعة أحدثها النصارى واقتدى بهم الرافضة والصوفية. ويقرر أن أصل الإسلام حصر العبادة في المساجد مع بيان فضل الصلاة في المسجد النبوي والأقصى.
يروي قصة امرأة نذرت الصلاة في بيت المقدس فأمرتها ميمونة بالصلاة في مسجد النبي لفضله، ثم يبين مشروعية الاعتكاف في المساجد حصراً محذراً من التشبه بالمشركين في عكوفهم على الأضرحة. ويستدل بآيات التوحيد النافية للشفاعة بغير الله.
استشهد المؤلف بآية من سورة الأنعام تحذر الذين يخافون الحشر بلا ولي ولا شفيع، وقسم الناس في مسألة الشفاعة إلى ثلاث فرق: طرفان ووسط. وأشار إلى استكمال البيان في درس قادم.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فذكر المؤلف رحمه الله، شيخ الإسلام، في آخر ما ذكرنا وقرأنا، ما ذكره عن المسجد الأقصى، وهو أحد المساجد الثلاثة التي تشد إليها الرحال. ولكن ليس هو بحرم كحرم مكة وحرم المدينة، أو مسجد المدينة ومسجد مكة. ثم بيّن أن بيت المقدس ليس هو الصخرة، وإنما بيت الصخرة هو قبلة اليهود، وإنما قبلة المسلمين هي التي في المسجد. وذكر رحمه الله أن الذي بنى القبة هذه هو عبد الملك بن مروان، عندما حصل بينه وبين ابن الزبير الفتنة. قال رحمه الله: ولا ريب أن الخلفاء الراشدين لم يبنوا هذه القبة، أي القبة التي في بيت الصخرة، ولا كان الصحابة يعظمون الصخرة ويتحرون الصلاة عندها. حتى ابن عمر رضي الله عنهما، مع كونه كان يأتي من الحجاز إلى المسجد الأقصى، كان لا يأتي الصخرة. وذلك أنها كانت قبلة ثم نُسخت؛ أنها كانت قبلة لما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي إليها، مثل صلاة اليهود، وهي قبلة اليهود، ثم نُسخت هذه القبلة. قال: وهي قبلة اليهود، فلم يبقَ في شريعتنا ما يوجب تخصيصها بحكم، كما ليس في شريعتنا ما يوجب تخصيص يوم السبت. قالوا: في تخصيصها بالتعظيم مشابهة لليهود، أن الذي يعظم قبة الصخرة فهو يشبه اليهود في تعظيمها، وإنما المعظم هو بيت المقدس، المسجد الأقصى. والآن تجد، كما قلنا، خلطًا بين هذه المفاهيم؛ الناس يظنون أن بيت الصخرة هو المسجد الأقصى. حتى إذا قلت لهم: تعرفون المسجد الأقصى؟ يقولون: نعم، هذا المدور الذي فيه القبة الصفراء. هذا ليس المسجد الأقصى، وإنما هذا قبة الصخرة، وهي ليست المسجد، ولا يجوز تعظيمها، وشد الرحال لا يكون إلى القبة الصفراء هذه أو قبة الصخرة، وإنما يكون إلى بيته، إلى البيت المقدس والمسجد الأقصى. قالوا: قد ذكر طائفة من متأخري الفقهاء من أصحابنا وغيرهم أن اليمين تغلظ ببيت المقدس بالتحليف عند الصخرة، كما تغلظ في المسجد الحرام بالتحليف بين الركن والمقام. والشيخ يريد أن يبين أن مسألة الغلو هذه في الأماكن وغيرها تسري حتى إلى بعض الفقهاء، فيعظمون أشياء لم يعظمها الله ورسوله. فهذا القول الذي ذكره عن بعض متأخري الحنابلة: يقولون أن اليمين تغلظ ببيت المقدس بالتحليف عند الصخرة، إذا حلف عند الصخرة تكون يمينًا مغلظة، كما تغلظ في المسجد الحرام بالتحليف بين الركن والمقام، وكما تغلظ في مسجده صلى الله عليه وسلم بالتحليف عند قبره. ولكن ليس لهذا أصل في كلام أحمد ونحوه من الأئمة، بل السنة أن تغلظ اليمين فيها كما تغلظ في سائر المساجد عند المنبر، ولا تغلظ اليمين بالتحليف عند ما لم يشرع للمسلمين تعظيمه، كما لا تغلظ بالتحليف عند المشاهد ومقامات الأنبياء ونحو ذلك. ومن فعل ذلك فهو مبتدع ضال مخالف للشريعة. وأعظم منه من يعظم الحلف بغير الله، ويجعله من أعظم اليمين، وهو الحلف بالولي الفلاني. فقد يحلف بالله عز وجل أكثر من عدد شعره، لكنه لا يستطيع أن يحلف بالولي الفلاني، ولي الفلاني، إلا عند المطاع. عظّم لهذا الولي، وهذا شرك أكبر، وهو الذي يسمى بخوف السر. قالوا: قد صنف طائفة من الناس مصنفات في فضائل بيت المقدس وغيره من البقاع التي بالشام، ذكروا فيها من الآثار المنقولة عن أهل الكتاب، وعن من أخذ عنهم، ما لا يحل للمسلمين أن يبنوا عليه دينهم. وأمثلوا ممن ينقل عن تلك الإسرائيليات: كعب الأحبار. وكان الشاميون قد أخذوا عنه كثيرًا من الإسرائيليات. وقد قال معاوية: ما رأينا في هؤلاء المحدثين عن أهل الكتاب أمثل من كعب، وإن كنا لنبلغ عليه الكذب أحيانًا. أن الكذب، أي: الخطأ، الخطأ الواضح في كلامه. وهذا الحديث أخرجه البخاري. يقول معاوية: ما رأينا في هؤلاء المحدثين عن أهل الكتاب أمثل، أي: أفضل من كعب الأحبار، لكنه أيضًا يأتي بأشياء غريبة، وقد يكون أيضًا كذبًا وخطأ. قال: وقد ثبت في الصحيحين عن النبي عليه الصلاة والسلام: «إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم، فإما أن يحدثوكم بباطل فتصدقوه، وإما أن يحدثوكم بحق فتكذبوه». وليس هذا هو لفظ البخاري، هذا لفظ أحمد ولفظ أبي داود. وأما لفظ البخاري فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا: آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إليهم». قالوا: من العجب أن هذه الشريعة المحفوظة المحروسة، مع هذه الأمة المعصومة التي لا تجتمع على ضلالة، إذا حدث بعض أعيان التابعين عن النبي صلى الله عليه وسلم بحديث، كعطاء بن أبي رباح والحسن البصري وبالعالية ونحوهم، وهم من خيار علماء المسلمين وأكابر أئمة الدين، توقف أهل العلم في مراسيلهم. فمنهم من يرد المراسيل مطلقًا، ومنهم من يقبلها بشروط، ومنهم من يميز بين من عادته لا يرسل إلا عن ثقة، كسعيد بن المسيب وإبراهيم النخعي ومحمد بن سيرين، وبين من عرف عنه قد يرسل عن غير ثقة، كأبي العالية والحسن. وهؤلاء ليس بين أحدهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم إلا رجل أو رجلان أو ثلاثة. مثلا: أنا يريد الآن الشيخ أن يبين أنه كيف يحدث الرجل عن بني إسرائيل، وعن ناس مثلا من الأنبياء، وبينه مفاوز، وبينه مجموعة منقطعة، معنى منقطع، قد يكون بألف رجل أو بمئة رجل أو بكذا. كيف يصدق مثل هذا أنه أخذه عن هذا الشخص نفسه؟ الذي قال فيه الآن مثلا: تجد كعب الأحبار يقول: قال موسى، أو وهب بن منبه يقول: قال نبي الله عيسى. من أين هذا؟ قد يكون موجودًا في بعض الكتب التي كانوا يقرؤونها من أهل الكتاب. فلذلك يقول الشيخ: المرسل في ديننا اختلف فيه علماء الحديث وعلماء الفقه، وهو ما بينه يرويه التابعي الصغير أو التابعي عن النبي صلى الله عليه وسلم، وما بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم إلا قد يكون الرجل أو الرجلين أو الثلاثة أو الأربعة. حتى ذكر الحافظ ابن حجر أنه بالنقل عُرف، أو بالتجربة عُرف، إلى ستة أو سبعة. ستة أو سبعة، معنى هذا: جاء تابعي يروي عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأكثر ما يكون بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم ستة أو سبعة. فكيف بهذا الذي يروي، وبينه وبين ذلك النبي أو قصة من بني إسرائيل، بينه وبينها مفاوز؟ قال: وأما ما يوجد في كتب المسلمين في هذه الأوقات من الأحاديث التي يذكرها صاحب الكتاب مرسلة، فلا يجوز الحكم بصحتها باتفاق أهل العلم، إلا أن يعرف أن ذلك من نقل أهل العلم بالحديث الذين لا يحدثون إلا بما صح. كالبخاري في المعلقات التي يجزم فيها بأنها صحيحة عنده. معنى الآن يقول: الآن هذه المتأخرات، الأوقات المتأخرة، لو قال الإنسان: قال رسول الله، هل يقبل هذا؟ لا، ما يقبله أحد أبدًا. ما يقبله أحد لو جاء شخص وقال: قال رسول الله كذا. نحن نحن نحن... وقال مثلا: قال أبو هريرة، أيضًا ما يصدق إلا إذا كان هذا منسوبًا إلى شيء من الكتب التي روت الأحاديث. وأما أن يأتي وهو لم يرويه بإسناد، ولا يعرف في أي كتاب، مثل أحاديث الشيعة التي يذكرونها في كتبهم، ليست لها خطام ولا زمام، ولا أسانيد. وإن كانت لها أسانيد فهي أسانيد مجهولة، لا يعرف هؤلاء الرجال: هل هم وجدوا أو لم يوجدوا؟ مثل هذه الأحاديث أو الآثار لا تقبل أبدًا، لا يقبلها أحد، كما قال الشيخ. قال: والذين لا يحدثون إلا بما صح، إلا إذا كان من هؤلاء، كالبخاري في المعلقات التي يجزم فيها بأنها صحيحة عنده. وما وقفه في قوله، وقد ذكر عن بهز بن حكيم، وقد ذكر عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده، ونحو ذلك، فإنه حسن عنده، وإن كان هذا لم يصرح به في شيء من الكتب، لكن عُرف بالاستقراء من كتابه. قال: هذا، وليس تحت أديم السماء بعد القرآن كتاب أصح من البخاري. فكيف بما ينقله كعب الأحبار وأمثاله عن الأنبياء، وبين كعب وبين النبي الذي ينقل عنه ألف سنة وأكثر وأقل، وهو لم يسند ذلك عن ثقة بعد ثقة، بل غاية ما ينقل عن بعض الكتب التي كتبها شيوخ اليهود. وهذا أيضًا مما يدل على وهن هذه الأشياء، وهن هذه الأشياء. وإلا فمعنى الأشياء التي تأتي عن بني إسرائيل: ليست لها أسانيد صحيحة، بل ليست لها أسانيد أصلًا، كلها نقولات من كتب قديمة، واليهود لا يؤتمنون. لم يؤتمنوا على كتاب الله فحرفوه، فكيف يؤتمنون على غيره؟ قالوا: قد أخبر الله بتبديلهم وتحريفهم، فكيف يحل للمسلم أن يصدق شيئًا من ذلك بمجرد هذا النقل؟ بل الواجب أن لا يصدق ذلك ولا يكذبه أيضًا، إلا بدليل يدل على كذبه. وهكذا أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم: «فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم». نحن لا نصدقه، لماذا؟ لأننا نعلم أن هذا لم يأتِ بدليل صحيح أو بإسناد صحيح. ثم لا نكذبه، لماذا؟ حتى لا يكون مثلًا هذا الذي جاء به من الكتب التي أنزلها الله من التوراة والإنجيل، فنكذب بشيء أنزله الله، نكذب بشيء أنزله الله. فلذلك جاء في الحديث: «فلا تصدقوهم ولا تكذبوا». لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا: آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إليهم. قالوا: في هذه الإسرائيليات مما هو كذب على الأنبياء، أو هو منسوخ في شريعتنا، ما لا يعلمه إلا الله. الآن عندما يقرأ الإنسان الإسرائيليات في كتب التفسير أو في غيره، ليس معنى ذلك أنها صحيحة، ليس معنى ذلك أنها صحيحة. وبعض الناس مثلًا إذا جاء بقصص الأنبياء وغيره، تجد أنه يشحنها بالإسرائيليات، ويظن أن هذا صواب، وهذا ليس صحيحًا. لكن أن النبي صلى الله عليه وسلم أجاز لأمته أن يحدثوا عن بني إسرائيل، فقال كما جاء في البخاري في حديث عبد الله بن عمر: «حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج». حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج. قالوا: معلوم، لكن ما كان مخالفًا لشريعتنا فهو غير مقبول. قالوا: معلوم أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم من السابقين الأولين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، قد فتحوا البلاد بعد موت النبي عليه الصلاة والسلام، وسكنوا بالشام والعراق ومصر وغير هذه الأمصار، وهم كانوا أعلم بالدين وأتبع له ممن بعدهم. فليس لأحد أن يخالفهم فيما كانوا عليه. فما كان من هذه البقاع لم يعظموه، أو لم يقصدوا تقصده بصلاة أو دعاء نحو ذلك، لم يكن لنا أن نخالفهم في ذلك. لم يكن الصحابة رضي الله عنهم يخترعون أشياء يعظمونها. معنىً مثلًا: صخرة أو قبة الصخرة هذه، يقول اليهود أنها فيها أنبياء بني إسرائيل، فهذا ليس صحيحًا، ولم يؤثر عن النبي عليه الصلاة والسلام. فلو كان هذا شيء صحيحًا أيضًا، لما أيضًا عظمه الصحابة. بل عمر لما رأى... لما قال كعب: أين أصلي؟ جاء إلى الصخرة وقال: صلِّ هنا. فقال: قد ظاهرت اليهودية، أنا وافقت اليهودية، أي: الدين اليهودي. فصلى عمر رضي الله عنه في المسجد، في صدر المسجد، ثم بعد ذلك بُني المسجد على ذلك المكان. قال: فما كان من هذه البقاع... قال: وإن كان بعض من جاء بعدهم من أهل الفضل والدين، فعلى ذلك، لأن اتباع سبيلهم أو لا من اتباع... اتباع سبيلهم أو لا من اتباع سبيل من خالف سبيلهم. وما من أحد نقل عنه ما يخالف سبيلهم إلا وقد نقل عن غيره ممن هو أعلم وأفضل منه أنه خالف سبيل هذا المخالف. أنا يقول شيخ الإسلام: أن هناك من الناس من نقل عنهم تعظيم بعض الأماكن، وهم لهم فضل ولهم أيضًا شهرة في العلم، لكن هذا لا يدل على أن هذا الفعل صحيح، أو الاعتقاد هذا صحيح، لأن هذا غير صحيح، لأنه وجد من هو أعلم منه. ولا شك أن السلف والصحابة والقرون المفضلة أعلم من هؤلاء الذين جاءوا بعد، ممن عظموا ما لم يعظمه الله عز وجل ولا رسوله، فهم أعلم. لو كان هذا الشيء معظمًا لعظمه أولئك. قال: وهذه جملة جامعة، لا يتسع هذا الموضع لتفصيلها. قد ثبت في الصحيح أن النبي عليه الصلاة والسلام لما أتى بيت المقدس ليلة الإسراء، صلى فيه ركعتين، ولم يصلِ بمكان غيره، ولا زاره. يعني: لم يزر قبة الصخرة، بل صلى في المسجد، والأنبياء صلوا في المسجد. قالوا: حديث المعراج فيه ما هو في الصحيح، وفيه ما هو في السنن والمسانيد، وفيه ما هو ضعيف، وفيه ما هو من الموضوعات المختلقات. مثل ما يرويه بعضهم فيه: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال له جبريل: هذا قبر أبيك إبراهيم، انزل فصل فيه. وهذا بيت لحم، مولد أخيك عيسى، انزل فصل فيه. هذا كذب، لم يأتِ أحد، ولم يروِ أحد من أهل الكتب شيئًا من هذا. وعجب من ذلك أنه روي فيه: قيل له في المدينة: انزل فصل هنا، قبل أن يبني مسجده، وإنما كان المكان مرقدًا للمشركين، كما جاء في الصحيحين في قصة الهجرة، في حديث البراء بن عازب. قال: والنبي عليه الصلاة والسلام بعد الهجرة إنما نزل هناك لما بركت ناقته هناك. فهذا ونحوه من الكذب المختلق باتفاق أهل المعرفة. وبيت لحم كنيسة من كنائس النصارى، ليس في إتيانها فضيلة عند المسلمين، سواء كان مولد عيسى أو لم يكن. بل قبر إبراهيم الخليل لم يكن في الصحابة، ولا في التابعين لهم بإحسان، من يأتي للصلاة عنده، ولا الدعاء، ولا كانوا يقصدونه للزيارة أصلًا، مع أنه مشهور أن قبر نبي الله إبراهيم في ذلك المكان. معنى: في عند قبة الصخرة. لكن لم يثبت ذلك، ومع ذلك أيضًا لم يثبت عن الصحابة، ولا عن التابعين، ولا عن تابعيهم، أنهم كانوا يعظمون ذلك المكان. وأما ما فعله عبد الملك بن مروان، إنما هذا فقط شيء سياسي، ليس داخلًا في دين الله. قالوا: قد قدم المسلمون إلى الشام غير مرة، مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه، واستوطن الشام خلائق من الصحابة، وليس فيهم من فعل شيئًا من هذا. ومنهم أئمة الصحابة، كمعاذ بن جبل، وهو عالم الصحابة، سبق العلماء بربوة، رمية حجر، سكنى الشام، وأبو عبيدة بن الجراح، وغيرهم ممن سكن من الصحابة رضي الله عنهم، لم يكونوا يذهبون إلى شيء من هذه الأماكن. قالوا: ليس فيهم من فعل شيئًا من هذا، ولم يبني المسلمون عليه مسجدًا أصلًا. لكن لما استولى النصارى على هذه الأمكنة في أواخر المائة الرابعة، لما أخذوا بيت المقدس بسبب استيلاء الرافضة على الشام، لما كانوا ملوك مصر الرافضة... أمة مخذولة، ليس لها عقل صريح، ولا نقل صحيح، ولا دين مقبول. أن الرافضة العبيدية الذين كانوا... الرافضة العبيديون الذين كانوا في مصر، أو كما مصر، فجاءت النصارى واستولت على بيت المقدس. وهم لا يهمهم ذلك، هم يعظمون بيت المقدس ولا الحرمين، وإنما يعظمون كربلاء وغيرها من هذه المشاهد التي عندهم. قال: ولا نقل صحيح، ولا دين مقبول، قال: ولا دنيا منصورة. قويت النصارى وأخذت السواحل وغيرها من الرافضة. وحينئذ نقبت النصارى حجرة الخليل، صلوات الله عليه، وجعلت لها بابًا، وأثر النقب ظاهر في هذا الباب. فكان اتخاذ ذلك معبدًا مما أحدثه النصارى، ليس من عمل سلف الأمة وخيارها. وهذا في الخليل، في منطقة الخليل، سميت منطقة الخليل لأنه يقال أن قبر الخليل موجود فيها. مع ذلك، كما قلنا، لم يثبت عن الصحابة، بل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال مثلًا: زرت قبر نبي الله إبراهيم في مكان كذا وكذا، لما جاء إلى بيت المقدس في الإسراء. أنا عندما أسري به، ولم يأتِ عن عمر أنه دل الناس على قبر نبي الله إبراهيم، أو قال: تعالوا نقف عند قبر نبي الله إبراهيم، مثل ما يفعل الآن أهل التصوف والرفض. ما يدخلون منطقة إلا ويسألون عن القبور، عن قبر فلان وقبر فلان. وانظر إلى من قرأ رحلة ابن بطوطة، ذلك الصوفي البغيض. هذا الرجل ألف كتابًا سماه الرحلة، أول ما يدخل يسأل عن القبور، وهذا قبر من، ثم يذهب إلى الملوك ويجلس عند هؤلاء الملوك ويستطيفهم. فهؤلاء المتصوفة لم يعرفوا دين الله أصلًا، وأصل دينهم دين النصارى، والعياذ بالله. معنى: أخذوا هذه العبادات من النصارى. النصارى هم الذين يعظمون البشر كتعظيمهم لله، والنصارى هم الذين أيضًا يفعلون أو يعظمون البقع والأماكن، وأيضًا يعظمون بعض الأزمنة، مثل ما يفعل الآن اليهود. والنصارى لهم أعياد كثيرة، النصارى لهم أعياد كثيرة في السنة. فقامت الروافض واستنت به، وقام الصوفية واستنوا به. الصوفية الآن لو تعد الزيارات التي عندهم في السنة، والعياذ، كثيرة جدًا، وهذا اقتداءً بالنصارى، والعياذ بالله. قال رحمه الله: فصل. وأصل دين المسلمين أنه لا تختص بقعة بقصد العبادة فيها إلا المساجد الخاصة. وما عليه المشركون وأهل الكتاب من تعظيم بقاع للعبادة غير المساجد، كما كانوا في الجاهلية يعظمون حراء ونحوه من البقاع، وهو مما جاء الإسلام بمحوه وإزالته ونسخه. ثم المساجد جميعها تشترك في العبادات، فكل ما يفعل في مسجد يفعل في سائر المساجد، إلا ما خص به المسجد الحرام من الطواف ونحوه. فإن خصائص المسجد الحرام لا يشارك فيها شيء من المساجد، كما أنه لا يصلى إلى غيره. لو قال الإنسان: نحن نريد طوافًا أيضًا في مسجد المدينة، نقول: لا، ما يجوز. الطواف إنما يكون في مكة فقط. فكيف بغيره؟ أيضًا المساجد كلها سواء، ليس هناك مسجد أفضل من مسجد إلا بما جاء التفضيل فيه في كتاب الله جل وعلا، أو في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكذلك في كتاب الله من تعظيم الحرام. فأما إنسان مثلًا يقول: ذاك المسجد أفضل من هذا المسجد، من باب الطاعة أو العبادة، لا، ليس هذا إلا إذا كان لأجل الصلاة التي فيه، مثلًا: هذا يصلي على السنة، وذلك يأتي ببدع، أو هذا رجل من أهل السنة، فهذا شيء آخر، ليس متعلقًا بالمسجد. وأما تفضيل المسجد، يقال مثلًا: المسجد الفلاني، هذا مسجد الولي الفلاني، هذا له كذا وكذا، وله كذا وكذا، هذا ليس صحيحًا. بل هناك بعض المساجد التي لها تاريخ عظيم في الإسلام أو قبل الإسلام، لكن لم يعظمها الله عز وجل. فمسجد الخيف، مسجد الخيف، علموا المسجد الخيف في منى، جاء في الحديث الذي حسّنه الشيخ الألباني وغيره: أنه صلى فيه سبعون نبيًا. مسجد الخيف صلى فيه سبعون نبيًا. مع هذا إلا أنه لا يعظم، معناه: مسجد مثل المساجد الأخرى، ليس فيه شيء ميزة أخرى. مع أنه قال فيه: صلى سبعون نبيًا. وإنما لم يُميز لأنه لم يأتِ في الشرع شيء يميز، وليس أيضًا معظمًا على غيره من المساجد. كلها مساجد سواء، إلا ما عظمه الله وعظمه رسوله صلى الله عليه وآله وسلم. قال: وعن مسجد النبي عليه الصلاة والسلام، والمسجد الأقصى، فكل ما يشرع فيهما من العبادات يشرع في سائر المساجد، في الصلاة والدعاء والذكر والقراءة والاعتكاف. ولا يشرع فيهما جنس لا يشرع في غيرهما: لا تقبيل شيء، ولا استلامه، ولا الطواف به، ونحو ذلك. لكنه ما أفضل من غيرهما؟ فالصلاة فيهما تضاعف على الصلاة في غيرهما. أما مسجد النبي عليه الصلاة والسلام، فقد ثبت في الصحيح أن الصلاة فيه أفضل من ألف صلاة فيما سواه، إلا المسجد الحرام. وروي هذا عن النبي عليه الصلاة والسلام من غير وجه. ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «صلاة في مسجدي هذا، أي مسجد النبي، خير من ألف صلاة فيما سواه، خير من ألف صلاة في غيرهما المساجد، إلا المسجد الحرام. فإني آخر الأنبياء، وإن مسجدي هذا آخر المساجد». طيب. قال: في صحيح مسلم عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه، إلا المسجد الحرام». أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد، إلا المسجد الحرام، فهو بمئة ألف صلاة فيما سواه من المساجد. قال: في مسلم أيضًا ذلك أنه أفضل من المسجد النبوي، قد يكون بمئة، أو يكون أقل، لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: أفضل من ألف صلاة. قال: في مسلم أيضًا عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: إن امرأة اشتكت، شكوى، اشتكت شكوى، معنا: مرضت، فقالت: إن شفاني الله لأخرجن، فلا أصلين في بيت المقدس. فبرأت، ثم تجهزت تريد الخروج، تجهزت تريد الخروج إلى ذلك المكان، وهو بيت المقدس. فجاءت ميمونة زوج النبي عليه الصلاة والسلام فأخبرتها ذلك، فقالت: اجلسي، فكلي ما صنعت، أنا كلي مما صنعت، وصلي في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «صلاة فيه أفضل من ألف صلاة فيما سواه، إلا مسجد الكعبة». انظر إلى هذا الحديث وفقه ميمونة زوجة النبي عليه الصلاة والسلام. لما هذه المرأة نذرت أنها تعتكف في المسجد الحرام، أو تعتكف أقصد، أو تصلي في بيت المقدس، تصلي في بيت المقدس إذا شفاها الله. فلما شفيت جاءت إلى ميمونة وأخبرتها بذلك، فقال: اجلسي، فكلي، وصلي هنا في هذا المسجد، مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، فإن صلاة فيه أفضل من ألف صلاة فيما سواه، إلا مسجد الكعبة. قالوا: في المسند عن ابن الزبير رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه، إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من صلاة في مسجدي بمئة صلاة». قال أبو عبد الله المقدسي: إسناده على رسم الصحيح، على رسم الصحيح، أي: على شرطه. قالوا: لهذا جاءت الشريعة... وبعضهم يضعفه. قالوا: لهذا جاءت الشريعة بالاعتكاف الشرعي في المساجد، بدل ما كان يفعل قبل الإسلام من المجاورة بغار حراء. فكان النبي صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى قبضه الله. والاعتكاف من العبادات المشروعة بالمساجد، باتفاق الأئمة، أن ما تكون إلا في المساجد، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾. إلا أن بعض الفقهاء يجيزه في بيت، في مسجد البيت، كما عند الحنفية يجيزون للمرأة أن تعتكف في مسجد بيتها. معنى مسجد بيتها: أي المكان الذي تصلي فيه. قالوا: الاعتكاف من العبادات المشروعة بالمساجد. طيب. قال: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾، أي: في حال عقوفكم في المساجد، لا تباشروهن، وإن كانت المباشرة خارج المسجد. ولهذا قال الفقهاء: إن ركن الاعتكاف لزوم المسجد لعبادة الله، ومحظوره الذي يبطله مباشرة النساء. أنه ليس هناك محظور يبطل، يبطل الاعتكاف، إلا المباشرة، مباشرة النساء. فأما العكوف والمجاورة عند شجرة، أو حجر، تمثال أو غير تمثال، أو العكوف والمجاورة عند قبر نبي أو غير نبي، أو مقام نبي أو غير نبي، فليس هذا من دين المسلمين، بل هو من جنس دين المشركين الذين أخبر الله عنهم بما ذكره في كتابه. والآن تجد الروافض والصوفية وغيرهم يعتكفون عند القبور، يعتكف شهرًا عند قبر، قبر ولي الفلاني، لا يخرج من القبر، أو يعتكف أيامًا، حتى الصلاة يصلي في ذلك المكان. قال: حيث قال جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَٰذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ * قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ * قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ * قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ * قَالَ بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَىٰ ذَٰلِكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ * وَتَ اللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم بَعْدَ أَن تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ * فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَّهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾. وقال تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ * قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ﴾ إلى قوله جل وعلا: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ * الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ * وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ إلى آخر القصة. وقال تعالى: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَىٰ قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَىٰ أَصْنَامٍ لَّهُمْ * قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَٰهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ * قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ * إِنَّ هَٰؤُلَاءِ مُتَبَرٌّ مَّا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ * قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَٰهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾. قال: فهذا عكوف المشركين، فذاك عكوف المسلمين. فعكوف المؤمنين في المساجد لعبادة الله وحده لا شريك له، وعكوف المشركين على ما يرجونه ويخافونه من دون الله، وما يتخذونهم شركاء وشفعاء. فإن المشركين لم يكن أحد منهم يقول: إن العالم له خالقان، ولا أن الله له شريك يساوي في صفاته. معنى: هؤلاء ما قالوا هذا، لكن جاء الروافض معتزلًا وقالوا مثل هذا الكلام. قال: هذا لم يقله أحد من المشركين، بل كانوا يقرون بأن الله بخالق السماوات الأرض واحد، كما أخبر الله عنهم بقوله: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾. وقوله تعالى: ﴿قُل لِّمَنِ الْأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ * قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ * قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّىٰ تُسْحَرُونَ﴾. أنا هذه الآيات يذكرها الشيخ لنا ليبين أنه لا يجوز لأحد من المسلمين أن يتعلق قلبه بغير الله عز وجل، فيجعل الاعتكاف أو الطواف أو التمسح وغيرها بذلك. وكانت يقولون في تلبيتهم: «لبيك لا شريك لك، إلا شريكًا هو لك، تملكه وما ملك». وقال تعالى: ﴿ضَرَبَ لَكُم مَّثَلًا مِّنْ أَنفُسِكُمْ هَلْ لَكُم مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن شُرَكَاءَ فِيمَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ﴾. قالوا: كانوا يتخذون آلهتهم وسائط، تقربهم إلى الله زلفى، وتشفع لهم، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾. وهذا قول أيضًا عباد القبور. وقال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ * قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَّهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. وقال: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَٰؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾. وقال تعالى عن صاحب يس: ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * أَاتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً إِن يُرِدْنِ الرَّحْمَٰنُ بِضُرٍّ لَّا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنقِذُونِ * إِنِّي إِذَا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ * إِنِّي آمَنتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ﴾. سبحان الله، مع كثرة الآيات في التوحيد، الله جل وعلا، وأنه لا يجوز أن يدعى غير الله أو يستغاث بغيره، إلا أن هؤلاء الروافض والصوفية خالفوا في هذا الباب. قال: وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَىٰ كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَىٰ مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾. وقال تعالى: ﴿مَا لَكُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ﴾. وقال تعالى: ﴿وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُوا إِلَىٰ رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾. وهذا الموضع افترق الناس فيه ثلاث فرق: طرفان ووسط. معنا بمسألة الشفاعة، إن شاء الله تعالى نكمل ما تبقى في درس آخر.