الدرس في أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 67، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح المقطع أن إحصاء أسماء الله يتضمن معرفتها والعمل بمقتضاها، ومن أرفع مقامات ذلك شهود العبد لصفات الله وإعطاؤها حقها معرفة وعبودية. ويضرب مثالاً بصفة العلو والفوقية، مبيناً أن من أيقن بها صار الله صمداً لقلبه، فيتوجه إليه بالدعاء والمناجاة خاصة في السجود.
يوضح المقطع أن العبادة الحقيقية تتمثل في وقوف العبد ذليلاً خاشعاً بين يدي الله، مستشعراً أن كلامه وعمله يصعدان إليه فيستحي من تقديم ما يغضبه. كما يستعرض تدبير الله المستمر للكون من إحياء وإماتة، عز وذل، عطاء ومنع، ومداولة الأيام، مؤكداً أن مراسيمه نافذة لا معقب لها.
يبيّن المقطع أن استحضار معاني أسماء الله وصفاته كعلمه وسمعه وبصره وحياته وقيوميته يدفع العبد إلى مراقبة الله، والرضا بقضائه، والعمل بما يرضيه، وهو مقام الإحسان. ومن وفّى هذه المشاهد حقها استغنى بربه، ونال درجة السابقين المقربين، لأن معرفة الله تورث خشيةً ويقيناً وتعظيماً، وتمنع من المعاصي باستشعار عظمة المعبود.
يختتم المتحدث الجلسة مشيراً إلى عظمة الباب الذي تم بحثه وضرورة العناية به، موضحاً أن العلماء فصلوا فيه وبينوه تفصيلاً. ويختتم بالدعاء والاستعانة بالله.
الحمد لله محمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فقد تقدم معنا الكلام على معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من أحصاها دخل الجنة»، وعلمنا أن الإحصاء جاء تفسيره من عدة أوجه، منها: حفظها، ومعرفة معناها، والعمل بمقتضاها. وعرفنا كذلك أن العمل بمقتضاها يشمل عدة أمور، منها: دعاء الله عز وجل بها، سواء كان دعاء مسألة، أو دعاء ثناء، أو دعاء عبادة. فجواب المؤلف رحمه الله تعالى يدور حول هذه المعاني المذكورة، قال في ثنايا جوابه: «ومنها -أي مما فسر به معنى الإحصاء- شهود العبد إياها وإعطاؤها حقها معرفة وعبودية»، بمعنى أن هذه الأسماء ينبغي أن تؤثر في المسلم، وأن يتعبد لله عز وجل بها، وهذا من أرفع المقامات، ومما يتفاوت فيه أهل الإيمان. فهذه الأسماء هي غاية في الحسن والكمال، فلا شك أن فيها من المعاني الجليلة، وفيها كذلك من الأشياء التي بها يعظم الرب سبحانه وتعالى. فمن ذلك، كما ذكر المؤلف، إعطاؤها حقها معرفة وعبودية. معرفة، يعني: معرفة معانيها، معرفة معانيها. فإذا عرف المسلم معاني هذه الأسماء، دعته هذه المعرفة إلى التعبد لله سبحانه وتعالى بها. وضرب على ذلك مثالاً واحداً ليستدل به اللبيب على غيره من الأمثلة، فذكر المؤلف هنا، قال: «مثاله: كيف تتعبد لله عز وجل بهذه الأسماء؟ قال: مثاله: من شهد علو الله تعالى على خلقه وفوقيته عليهم واستواءه». ومعنى «شهد» يعني: علماً وأيقن وآمن بعلو الله عز وجل على خلقه وفوقيته واستواءه على عرشه بايناً من خلقه. وعرفنا ما معنى «بايناً من خلقه»: يعني غير مختلط بهم، مع إحاطته بهم علماً. تقدم معنى أن الله عز وجل مع علو ذاته فهو سبحانه وتعالى مع عباده بعلمه وإحاطته وقدرته، فمن علم هذا علماً يقيناً، قال المؤلف: «وهنا مع إحاطته بهم علماً وقدرة وغير ذلك، وتعبد». الآن عرفت معنى ذلك، قال: «وتعبد بمقتضى هذه الصفة». كيف يتعبد لله عز وجل بمقتضى هذه الصفة؟ الصفة: صفة العلو لله سبحانه وتعالى، والفوقية، والعلم، والقدرة. كيف تتعبد لله عز وجل بهذه الأسماء وبهذه الصفات؟ قال هنا: «وتعبد بمقتضى هذه الصفة بحيث يصير لقلبه صمداً»، يعني: الله عز وجل يكون لقلب هذا العبد صمداً، والصمد هو الذي تصمد إليه المخلوقات: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ﴾. فقال هنا: «التعبد لله عز وجل بأن يصير لقلبه -يصر الله عز وجل لقلبه صمداً- يعرج إليه»، يعني: يتعلق بربه سبحانه وتعالى، ويتوجه إليه بحوائجه، وبكذلك مسائله إلى ربه سبحانه وتعالى، يعرج إليه مناجياً له، مطرقاً، مطرقاً الباب، ومن طرق الباب يوشك أن يفتح له، ومن طرق الباب يوشك أن يفتح له. قال: «مناجياً له، مطرقاً، واقفاً بين يديه». أنت تدعو الله، وأن تساجد في أسفل موضع، وتضع أعلى عضو من أعضاء جسدك في الأرض، وأنت مع هذا تقول: سبحان ربي الأعلى، سبحان ربي الأعلى، وتكثر في هذا الموضع من الدعاء؛ لأنه موضع استجابة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا من الدعاء، فقمن أن يستجاب لكم». فالتعبد لله عز وجل كما ذكر المؤلف هاهنا: أن تكون واقفاً بين يديه، وقوف العبد الذليل، وقوف العبد الذليل بين يدي الملك العزيز. انظر إلى هذا الموقع. ومن ذلك الصلاة، الصلاة يقف العبد فيها بين يدي الله عز وجل ذليلاً خاشعاً، ذليلاً خاشعاً، واقفاً بين يدي ربه، وقوف العبد بين يدي الملك العزيز القهار سبحانه وتعالى. قال: «فيشعر وهو في هذا المقام العظيم، مقام الذل، ومقام الوقوف بين يدي الله، قال: فيشعر بأن كلمه، كلمه يعني كلامه، كلام العبد، بأن كلمه وعمله صاعد إليه، كما قال الله عز وجل: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾، سبحانه وتعالى. فأنت تستشعر هذه المعاني فتتعبد لله عز وجل بذلك». قال: «فيشعر بأن كلمه وعمله صاعد إليه، معروض عليه، معروض على الله عز وجل». قال: «فيستحي أن يصعد إليه من كلمه وعمله ما يخزيه ويفضحه هناك». إذا أيقن العبد أن ما من كلام يتكلم به، وما من عمل يعمله، إلا ويطلع عليه ربه سبحانه وتعالى، ألا يستحي العبد أن يكون في هذا الكلام، أو أن يكون في هذا العمل ما يغضب الله سبحانه وتعالى؟ فهذا أيضاً من الأمور التي ينبغي أن يستشعرها المسلم، وأن يتعبد لله عز وجل بهذه المعاني العظيمة. قال: «فيستحي أن يصعد إليه من كلمه وعلمه ما يخزيه ويفضحه هناك، ويشهد نزول الأمر والمراسيم الإلهية إلى أقطار العوالم، إلى أقطار العوالم، العوالم كل وقت، بأنواع التدبير والتصرف». ويريد بالمراسيم: يعني ما يقدره الله عز وجل، ما يقدره الله سبحانه وتعالى في خلقه وفي كونه سبحانه وتعالى. قال: «من الإماتة». هنا بدأ المؤلف يبين ويفسر معنى المراسيم، ومعنى أنواع التدبير والتصرف. قال: «من الإماتة والإحياء، والإعزاز والإذلال، والخفض والرفع، والعطاء والمنع، وكشف البلاء وإرساله، ومداولة الأيام بين الناس». ﴿تِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾. فالله عز وجل له في خلقه شؤون، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾. جاء عند ابن ماجة من حديث أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه، ويحسنه العلامة الألباني، أن النبي صلى الله عليه وسلم فسر شأن الله عز وجل في هذه الآية بأنه سبحانه وتعالى يغفر ذنباً، أو يكشف كرباً، أو يرفع أقواماً ويضع آخرين. وكما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. فالله عز وجل يغير من حال إلى حال، فهذا يذل وذاك يعز، هذا ينتصر وذاك يهزم، هذا يغتني وذلك يفتقر، هذا يملك وذلك -يعني- يخرج من الملك، وهذا كذا وهذا كذا، كل يوم هو في شأن سبحانه وتعالى. فهذه المعاني تدل عليه هذه الأسماء والصفات، خصوصاً صفة العلو والاستواء، والقدرة، والعلم، والإحاطة، ونحو ذلك من هذه الأسماء والصفات. قال: «والمنع، وكشف البلاء وإرساله، ومداولة الأيام بين الناس، إلى غير ذلك من التصرفات في المملكة التي لا يتصرف فيها سواه». المملكة: يعني هذا العالم بأجمعه، فهو تحت ملك الله وتصرفه سبحانه وتعالى. قال: «فمراسيمه نافذة فيها كما يشاء»، يعني: مقاديره سبحانه وتعالى نافذة، لا معقب لحكمه، ولا راد لقضائه سبحانه وتعالى. قال: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾. ثم قال: «فمن وفى». انظر الآن هذا هو التعبد لله عز وجل بهذه الصفات. قال: «فمن وفى هذا المشهد حقه معرفة وعبودية، فقد استغنى بربه، وكفاه، كفاه ربه سبحانه وتعالى عن كل مخلوق». قال: «وكذلك من شهد علمه المحيط، وسمعه وبصره، وحياته وقيوميته، وغيرها، لا يرزق هذا المشهد إلا السابقون المقربون». فمن شهد علم الله عز وجل، دعاه هذا الأمر إلى أن يراقب الله سبحانه وتعالى، وهكذا أن يرضى بقضاء الله وقدره؛ لأن ما من قدر يقع في هذه الأرض إلا وقد علمه الله سبحانه وتعالى وأحاط به. وكذلك في سمعه وبصره سبحانه وتعالى، فإن العبد إذا أيقن بأن الله سميع، فإنه لا يسمع من الكلام إلا ما يرضاه الله سبحانه وتعالى. وهكذا إذا علم أن الله بصير، فإن هذا العبد لا يعمل من الأعمال إلا ما يرضي الله سبحانه وتعالى؛ لأنه يعلم أن الله يراه. وهذا هو مقام الإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإن هو يراك. فهذا معنى من معاني الإيمان بأسماء الله وصفاته. وكذلك حياته وقيوميته، فإذا علمت أن الله عز وجل حي قيوم، دعاك ذلك يا عبد الله إلى تفويض أمرك لله سبحانه وتعالى، وأن الله سبحانه وتعالى هو الذي يدبر أمرك، هو الذي سبحانه وتعالى يدبر أمرك. وهكذا إذا أيقنت بأن الله قيوم وأنه حي سبحانه وتعالى، فهذا يدعوك إلى اليقظة، وإلى البعد عن الغفلة، فتكون دائماً وأبداً مراقباً لله عز وجل. فهذه المعاني، متى ما استشعرها المسلم واستحضرها في حياته اليومية، فإنه بذلك يرتقي إلى درجة السابقين المقربين. وكل مؤمن ينال من هذه المعاني بقدر عنايته بمعرفة معانيها، وبالتعبد لله سبحانه وتعالى بها. فهذا مقام عظيم، أيها الإخوة، ينبغي أن نعتني به، وهو أمر معرفة الأسماء والصفات؛ فإنها من أعظم العلوم، من أعظم العلوم معرفة الله سبحانه وتعالى. لأن أهل العلم يقولون، يقول أهل العلم: «قدر -أو نعم- نعم، يقول أهل العلم: إنما منزلة العلم بحسب منزلة المعلوم، بحسب منزلة المعلوم». فإذا اهتممت يا عبد الله بمعرفة الله عز وجل بأسمائه وصفاته، فهذا لا شك يورثك إيماناً، ويرثك يقيناً وتعظيماً. ولهذا كان أهل العلم من أخشى الناس؛ لأنهم أعلم الناس بالله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾. فنعتني بهذا الباب. ولذلك المؤلف في هذه الرسالة استطرد كثيراً في ذكر الأسئلة المتعلقة بهذا الباب لأهميتها ولفائدتها، فينبغي علينا أن نتقن هذا الباب، وأن نعتني به، خصوصاً أسماء الله الحسنى، وما تتضمنه من معاني، ومن صفات جليلة عظيمة. فبذلك يا عباد الله ننال خشية الله، وننال تعظيم الله سبحانه وتعالى. وإنما العلم خشية الله عز وجل، ولا تنال ذلك إلا بمعرفة من تخشاه. ولذلك يقول أهل العلم كذلك: لا تنظر إلى صغر المعصية، ولكن انظر إلى عظمة من عصيت. لو أننا عرفنا الله عز وجل وقدرناه سبحانه وتعالى حق قدره، لما تجرأ أحد مننا على معصية الله عز وجل. لو استشعر الواحد منا عظمة الله سبحانه وتعالى، لما تجرأ، ولما قدم على هذه المعصية أو تلك المعصية. فهذا الباب يا عباد الله باب عظيم، ينبغي أن نعتني به، ولذلك فصل فيه العلماء وبينوه أتم بيان. نكتفي بهذا اليوم إلى هنا، والله تعالى أمان. ترجمة نانسي قنقر