الدرس في كتاب الطهارة 31، ألقاها
اختلف العلماء في حكم طهارة المني بين طاهر ونجس، واستدل كل فريق بالأدلة الشرعية. ذهب مالك وأبو حنيفة إلى نجاسته بينما استدل البعض الآخر بحديث عائشة في غسل النبي صلى الله عليه وسلم للجنابة من ثوبه.
تناول المقطع آراء العلماء في طهارة المني، حيث استدل البعض بحديث عائشة على طهارته، وأنه أصل خلقة الإنسان. كما اختلف العلماء في حكم مني غير الآدمي ورطوبة فرج المرأة.
ذهب الإمام الشافعي في قول إلى نجاسة رطوبة فرج المرأة، بينما ذهب في قول آخر إلى طهارتها. المقطع يرجح طهارة المني ورطوبة فرج المرأة لعدم وجود دليل على نجاستها.
بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، ومن والاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد. عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: «كنا نغسل الجنابة من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيخرج إلى الصلاة، وإن بقعة الماء في ثوبه». وفي لفظ لمسلم: «لقد كنت أفركه من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم فركًا، فيصلي فيه». طيب في قولها رضي الله عنها يعني معاني الألفاظ التي تقدمت معنا إلا قولها «أفركه» وإلا بقية الألفاظ قد تقدمت معنا. طيب قولها رضي الله تعالى عنها «قد كنت أغسل الجنابة» معناه المني، الجنابة معناه المني، أو المراد به أثر الجماع، أثر الجماع والمراد به المني هنا، قال: «من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيخرج إلى الصلاة، وإن بقعة الماء في ثوبه». وفي لفظ لمسلم: «لقد كنت أفركه من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم فركًا، فيصلي فيه». الفرك معناه لغة: الفرك فرك الشيء فركًا، حكه حكه، يقال: فرك الثوب ونحوه، حكه حتى يتفتت، حتى يتفتت ما علق به، فهو ثوب مفرك، يعني يبقى يحكه حتى إذا كان فيه شيء حتى يذهب ما علق به، واضح هذا الأمر، هذا معنى فركه. في الحديث مسائل، من هذه مسائل مسألة أولى: حكم طهارة مني الآدمي. حكم طهارة مني الآدمي فيه خلاف بين أهل العلم، أي اختلف أهل العلم في المني: هل هو طاهر أم هو نجس؟ فذهب مالك وأبو حنيفة إلى نجاسته، إلا أن أبا حنيفة قال: يكفي في تطهيره فركه، إذا كان يابسًا، وهو رواية عن أحمد، وقال مالك: لا بد من غسله رطبًا ويابسًا. وممن ذهب أيضًا إلى نجاسته الحسن البصري، والليث بن سعد، في آخرين، واستدلوا بحديث عائشة في رواية الغسل، في قولها: «كنت أغسل الجنابة»، في حديث الباب، قالوا: فدل على غسلها، فدل غسلها على نجاسته، إذ لو لم يكن كذلك لم يحتاج إلى غسله، وحملوا رواية الفرك والحك على أنها تحكه أو تفركه أثناء الوضوء، قالوا: حتى تجتمع روايتان. وذهب كثير، والقوة الثانية ذهب كثير إلى أن المني طاهر، روي ذلك عن علي، وسعد بن أبي وقاص، وابن عمر، وعائشة، وهو قول داود، وأحمد في أصح روايتين عنه، وهو مذهب الشافعي وأصحاب الحديث، واستدل أيضًا بحديث عائشة برواية الفرك، وأصرح منهم ما جاء في لفظ مسلم، قالت عائشة: «كنتم تحكونه من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم يابسًا بظفره». هذا فيه دلالة واضحة على أنها كانت تحكه من غير غسل، لأنها تقول: «يابسًا»، ولو كان يغسل ما كان ماذا يابسًا، ولو كان نجسًا لم يتركه النبي صلى الله عليه وسلم ولم يكتفي بحكه، وهذا القول هو الراجح في المسألة. وأيضًا مما استدل به القائل بطهارته قالوا: لأنه أصل خلقة الإنسان، فالإنسان مخلوق من نطفة من مني يمنى، ولو كان نجسًا للزم أن يكون أصل الإنسان نجسًا، فالشهادة أن هذا القول هو الصحيح في المسألة، والله أعلم، وقد سبقت الإشارة إليه في أول الدروس. طيب مسألة أخرى: حكم مني غير الآدمي من الحيوانات. فأما الكلب والخنزير فمنيهما نجس، قال النووي: بلا خلاف. وما عداهما من الحيوانات في منيه ثلاثة أوجه، ذكر إمام النووي رحمه الله أن غيرهما على ثلاثة أوجه، منهم أو من أهل العلم قال: أي من الشافعية أنه طاهر، سواء كان مأكل اللحم أو غير مأكل اللحم، كالإبل والغنم والدجاج وما شابه ذلك، وغير مأكل اللحم مثل السباع ونحوها. قال: القول الأول أن مني هذه كلها طاهرة، القول الثاني أن مني هؤلاء كلها نجسة، القول الثالث تفصيل بين مني ما يكون لحمه يؤكل فهو طاهر، ومني ما لا يؤكل لحمه فهو نجس. وصحح الإمام النووي رحمه الله تعالى القول الأول من أن مني هؤلاء كلها طاهرة، وهذا أقرب لعدم وجود دليل على ثبوت النجاسة، لعدم وجود ما يدل على نجاسة ذلك المني من هذه الحيوانات، والله أعلم. مسألة رابعة ذكرت في هذا الباب: حكم رطوبة فرج المرأة. قال العلماء، قال ابن قدامة وغيره: هو السائل الأبيض الذي يكون في فرج المرأة، وهو أشبه بالمذي والعرق، لذا اختلف فيه على قولين: أهو نجس أم طاهر؟ فذهب الإمام الشافعي رحمه الله تعالى في قول إلى أنه نجس، واستدل على ذلك بأحاديث منها حديث زيد بن خالد رضي الله عنه أنه سأل عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: «أرأيت إذا جامع الرجل امرأته ولم يمن؟» قال عثمان: «يتوضأ كما يتوضأ للصلاة ويغسل ذكره». قال عثمان: سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، والحديث رواه البخاري ومسلم، وزاد البخاري: «فسأل علي بن أبي طالب والزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله وأبي بن كعب، فأمروه بذلك». أمروه بأن يتوضأ وأن يغسل ذكره من أثر الجماع وأن يتوضأ، واضح هذا الأمر. وجاء في حديث أبي بن كعب أنه قال: «يا رسول الله إذا جامع الرجل المرأة فلم ينزل؟» قال: «يغسل ما مس المرأة منه ثم يتوضأ ويصلي». قالوا: أما مسألة الوضوء للجماع لمن لم ينزل فهذا منسوخ، وسيأتي الكلام على هذه المسألة عند حديث أبي هريرة إن شاء الله. قالوا: لكن قوله «يغسل ذكره» وفي حديث أبي «يغسل ما مس المرأة منه»، قالوا: فيه دلالة على أن الرجل يغسل ذكره من أثر الجماع، وهذا يدل على نجاسة رطوبة فرج المرأة، إذ لو لم يكن كذلك لما أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالغسل، فالغسل يدل على أنه نجس، واضح هذا الاستدلال. القول الثاني: الطهارة، وهو قول آخر أيضًا للشافعي، وبعضهم يصححه، واستدلوا بحديث الباب، وأن عائشة كانت تفرك أي المني وهو قد خالط رطوبة فرج المرأة؛ لأنه من جماع، ومحتلم نبي قط، واضح هذا الوجه. الأول يقولون: لو كان نجسًا لزم أن يكون ما خرج من أثر الجماع من المني أن يكون نجسًا؛ لأنه خالط رطوبة فرج المرأة، فكون عائشة تفرك المني من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم مع وجود أثر الرطوبة يدل على طهارته، إذ لو كان نجسًا لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بغسل ذلك الثوب. وأيضًا قالوا: يلزم من ذلك القول بنجاسة مني المرأة أيضًا، يلزم من ذلك القول بنجاسة مني المرأة؛ لأن المني يخرج من أثر تلك الرطوبة أو يخرج مخالطًا لتلك الرطوبة، فيلزم أن يكون مني المرأة نجسًا. والثالث قالوا أيضًا: يلزم أن يكون مني الرجل الذي خالط تلك الرطوبة أن يكون نجسًا، فيرجع على هذا إلى أن المني نجس مطلقًا. وقد رجحنا فيما مضى أن المني ليس بنجس بل هو طاهر، فدل هذا على طهارة رطوبة فرج المرأة، وهذا هو الصحيح في المسألة؛ لأن ما هناك دليل يدل على نجاسته، فليس هو مذيًا حتى يقال: يأخذ حكمه، وليس هو وديًا، ولا هو من أنواع البول، بعض العلماء كما سمعتم يقول الذي قال بنجاسته قال: كالمذي، لذا ألحقه بالمذي، ومنهم من قال: هو كالعرق، فألحقه بالعرق بالطهارة، والله أعلم. وسبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.