الدرس في صلح الحديبية مسائل وأحكام 21، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
أرسل النبي صلى الله عليه وسلم بديل بن ورقاء إلى قريش مبيناً أنه جاء للعمرة لا للحرب، وعرض عليهم الهدنة مع التهديد بالقتال حتى الموت إن أصروا على المنع. جمع هذا الموقف بين عزل قريش سياسياً وإظهار قوة الحلفاء والتلطف في الدعوة مع الشدة على المعاندين.
ذكر عروة بن مسعود قريشاً بوفائه وحثهم على قبول صلح الحديبية كخطة رشد تعيد قوتهم، مستعرضاً أسلوب النبي صلى الله عليه وسلم في تقديم مقدمات تمهيدية قبل طرح المواضيع الحساسة كما فعل في قسمة غنائم حنين. يبرز المقطع الحكمة في التدرج بالخطاب ومراعاة نفسيات المخاطبين.
استعرض المقطع كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يقدم مقدمات مهمة تذكر بنعم الله قبل مخاطبة الناس في الأمور الحساسة، ودافع عن أبي بكر الصديق مبيناً فضله وموقفه العظيم. يجسد هذا السلوك قوله صلى الله عليه وسلم: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» في التعامل مع الأصحاب والمواقف.
اختتم المتحدث الجلسة بالدعاء لله أن ينفع بالخير المذكور في الدرس، وختم بالحمد لله رب العالمين. تعكس هذه الخاتمة الآداب الشرعية في افتتاح مجالس العلم وختمها بالذكر والدعاء.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فأخذنا في الدرس الذي مضى موقف قريش من كلام النبي عليه الصلاة والسلام، لما أرسل بديل بن ورقاء الخزاعي. فالنبي عليه الصلاة والسلام أراد أن يبين لقريش أنه لم يأتِ للحرب، وقد كرر ذلك رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أكثر من مرة. ولهذا نأخذ بعض الفوائد التي قد ذكرناها في هذا المكان، أو في هذا المقطع: وهو أن لما أرسل النبي عليه الصلاة والسلام بديل بن ورقاء الخزاعي، أرسله أولاً، قال له كما جاء: «إننا لم نأتِ لحرب أحد، ولكن جئنا معتمرين، وإن قريشًا قد نهكتهم الحرب وأضرت بهم، فإن شاءوا مادوهم مدة، ويخلوا بيني وبين الناس، فإن أظهر... فإن شاءوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس» أي من الإسلام فعلوا، وإلا فقد اجتموا، قد ارتاحوا؛ لأنه ليس هناك حرب. «قال: وإن هم أبوا، فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي، ولينفذن الله أمره». فقال بديل: سأبلغهم ما تقول. فهذا المقطع فيه أيضًا من الفوائد: أن النبي عليه الصلاة والسلام أراد أن يعزل قريشًا عن المشهد، أو أراد أن يعزل قريشًا؛ ليخلوا بينه وبين الناس، يعقد صلحًا حتى يؤخر قريشًا، وأيضًا يكون بينه وبينهم مراسلات، حرصًا منه عليه الصلاة والسلام على دعوتهم إلى دين الله جل وعلا. وأيضًا فيه حرص النبي عليه الصلاة والسلام على التلطف معهم في الكلام، ثم بعد ذلك بعدما تلطف معهم هددهم. وهذا التهديد يستفاد منه أنه يريد أن يري خزاعة -كما ذكر بعض العلماء- يريد أن يري خزاعة أن حليفهم قوي، فهم يستندون على ظهر أن حليفهم ليس بالهي، وهو النبي عليه الصلاة والسلام. كما ذكرنا أن خزاعة دخلوا في الحلف مع بني هاشم، وأيضًا لما اصطلحوا، لما اصطلحت قريش مع النبي صلى الله عليه وسلم دخلوا مع النبي عليه الصلاة والسلام. فلهذا أراد النبي عليه الصلاة والسلام أن يبين لهم أن حليفهم قوي وليس ضعيفًا، فلهذا قال: «لا أقاتلنهم إذا أبوا... فسأقاتلهم حتى تنفرد سالفتي»، أي حتى أقتل، والسالفة هي العنق كما ذكرنا قبل. وأيضًا في هذا حرص النبي عليه الصلاة والسلام على تهدئة الأمور. وكذلك في هذا -كما ذكرنا قبل- كيف أثر السفهاء وأثر الحكماء في الناس. فعروة بن مسعود يعتبر من حكماء العرب، ذكر من الحكماء الأربعة، والدهاة الأربعة الذين ذكروا من العرب: منهم معاوية بن أبي سفيان، والمغيرة بن شعبة، وعمرو بن العاص، وعروة بن مسعود. وقيل أيضًا سهيل بن عمرو، فعروة... فعروة قد خاض تجارب كثيرة، ومن ذلك أنه كان يجمع الناس لقريش، يجمع الناس لقريش، وذهب إلى عكاظ إلى السوق، ونادى فيهم على أن يأتوا مع قريش حتى يكونوا في الحرب معهم، لكنه لم يجبهم أحد، أو لم يجبه أحد، فجاء مع أهله... فجاء مع أهله. فلذلك قال في هذا المقطع: عروة بن مسعود: «يا أي قوم، ألستم بالوالد؟» قالوا: بلى. قال: «ولست بالولد؟» وجاء في بعض الروايات العكس: «ألست بالولد، ألستم بالوالد؟» معناه: أنتم آبائي وأنا ابنكم، أنا ابنكم. قال: «فهل تتهموني؟» هل تتهموني أني مثلًا سأخذل بكم أو سأخونكم؟ قالوا: لا. قال: «أفلا تعلمون أني استنفرت أهل عكاظ، فلما بلحوا...» فلما بلحوا، أي رفضوا الإجابة، قال: «فلما بلحوا علي جئتكم بأهلي وولدي ومن أطاعني». قالوا: بلى. قال: «فإن هذا قد عرض لكم خطة رشد». فهذا يدل على أنه رجل حكيم، وأنه أشار إليهم أن النبي عليه الصلاة والسلام عرض عليهم خطة رشد، وهي الصلح. خطة رشد لأن الصلح رأى عروة، أو قد يحفظ أن عروة رأى أن هذا في صالح قريش، لأن قريشًا قد نهكتهم الحرب وأخذت رؤوسهم، فكانوا من الضعفاء. فلهذا فهذا الصلح سيكون لهم خير، سيكون لهم خير؛ لأنهم يحتاجون إلى إعادة قوتهم، إلى إعادة قوتهم التي ذهبت. فلهذا قال لهم: «إن هذا قد عرض لكم خطة رشد، فاقبلوها، ودعوني آتيه». معنا هنا مهد لكلامه عندما أراد أن يعرض عليهم أنه سيأتيه، وهذا أسلوب من أساليب العرب. بل النبي عليه الصلاة والسلام قد استعمله في أكثر من موضع، قد استعمله النبي عليه الصلاة والسلام في أكثر من موضع، في تقدمة الكلام الذي أحيانًا يكون فيه يتحسس الإنسان منه. لو أنه جاء وقال: «دعوني آتيه»، لكان في أنفسهم شيء، لكان في أنفسهم شيء؛ لأنهم لم يتفقوا على شيء بعد. لكن مهد لكلامه، ودخل بعد ذلك في الموضوع. وكذلك النبي عليه الصلاة والسلام إذا حيانا... إذا أراد أن يوجه خطأ، يوجه خطأ لقوم، فإنه أولاً يقدم لهم مقدمة، يقبلون ما بعد ذلك الكلام. ومن ذلك مثلًا ما لما دخل المدينة... دخل مكة النبي صلى الله عليه وسلم، وجاء بغنائم حنين، ووزعها على رؤساء القبائل، فوجد الأنصار في أنفسهم، فقال بعض شبابهم: قالوا: «إن النبي عليه الصلاة والسلام جاء إلى قومه ولم يلتفت إلينا، كأنه جاء إلى قومه فأعطاهم الأموال». مع أن النبي صلى الله عليه وسلم ما أعطى قومه الأموال، وإنما أعطى رؤساء القبائل. فلما سمع النبي صلى الله عليه وسلم بهذه المقالة، جمع أهل المدينة، أي الأنصار جميعًا، جمعهم في حوش أو في بستان، فكلمهم النبي عليه الصلاة والسلام. فأول ما كلمهم فقال: «إني سمعت مقالة بلغتني عنكم، يا معشر الأنصار». إن قال... فبيّن النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «ألستم كنتم ضلالًا فهداكم الله بي؟ ألستم كنتم متفرقين فجمعكم الله بي؟» يبين لهم بعض الأشياء التي ينبغي تذكرها، وهي أعظم من المال، أعظم من المال. قال: ثم بعدما ذكر لهم هذه الأشياء، قال: «وإن قلتم لصدقتم، ولقيل لكم...» قال: «فقلتم: جئتنا ضالًا فآويناك، ليس هناك أحد يأويك فآويناك، وجئتنا جائعًا فأغنيناك»، أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام. فالمهم أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكرهم بأشياء ينبغي أن تذكروها. ثم أيضًا ذكر لهم أشياء مهمة، ذكر لهم أشياء مهمة ينبغي أيضًا أن يتفطنوا لها. ثم بعد ذلك ذكر لهم: «أرغبتم على لعاعة الدنيا... أردت أن أكسب قلوب أناس من الكبراء، أردت أن أعطيهم هذا حتى أقبل بقلوبهم وأكسبهم إلى الإسلام، وليس أردت مصلحة في ذلك ولا شيء». فالنبي عليه الصلاة والسلام قدم هنا مقدمات على كلامه، ولما حصل... حتى النبي صلى الله عليه وسلم حيانا... حتى في الدفاع عن غيره، مثل ما دافع عن أبي بكر، بين فضله، لما حصل نزاع بين أو خلاف بين أبي بكر وعمر. فجاء أبو بكر وقال: «يا رسول الله، إني أخطأت على عمر»، ثم جئته أردت أن يعفو عني، فأبى. فقضب... فجاء عمر بعد ذلك متندمًا، فكان يقول: «يا رسول الله...» وقال أبو بكر: «يا رسول الله، أنا أظلم، أنا الذي ظلمته». فغضب النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: «دعوا لي صاحبي، قد جئتكم فقلتم كذب، وقال أبو بكر: صدقت، وأنتم كذبتموني، لكن أبو بكر لم يكذبني، بل صدقني، وواساني بنفسه وماله». وقال في رواية: «ما نفعني شيء مثل ما نفعني مال أبي بكر». فقال: «واساني بنفسه وماله، ألا أنتم تاركون لي صاحبي؟». وهذا إنما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يبين فضل أبي بكر، وأن فضله عظيم في الإسلام، لا بد أن تعطوه هذه الفضيلة. وهكذا أشياء كثيرة سيطول المقام إذا ذكرناها. لكن المهم أن مما كان عليه النبي عليه الصلاة والسلام، وأيضًا هو من الأخلاق العظيمة التي يعطاها الرجل: أنه في الأمور الحساسة لا بد أن يقدم مقدمة قبل أن يتكلم بالكلام الذي يريده، لا بد أن يقدم مقدمة قبل أن يتكلم بالكلام الذي يريده. هذه المقدمة يذكر المستمع بشيء مهم، يذكر كذلك أيضًا بفضل حتى هذا الذي سيكلمه، لكن هذه النصيحة لا بد منها. فهكذا فهذا من الأخلاق العظيمة التي كان عليها النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت موجودة حتى عند العرب، لكنها كثرت عند النبي عليه الصلاة والسلام. وهذا مصداق ما قاله عليه الصلاة والسلام: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق، إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق». فهذا شيء مما يذكر، مما يستفاد من هذا المقطع. فنسأل الله عز وجل أن ينفعنا بالخير، والحمد لله رب العالمين.