صلح الحديبية مسائل وأحكام 23

صلح الحديبية مسائل وأحكام 23

الدرس في صلح الحديبية مسائل وأحكام 23، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

الافتتاح بالحمد والثناء على الله

استهل المتحدث الدرس بالحمد لله رب العالمين، وهي الصيغة الشرعية لافتتاح الخطب والدروس، متضمنة الثناء على الله وإفراده بالربوبية على جميع المخلوقات.

قدوم عروة بن مسعود للتفاوض في الحديبية

بعد بيعة الرضوان واطمئنان النبي على عثمان، قدم عروة بن مسعود مبعوثاً من قريش فحثهم على قبول الصلح، ثم فاوض النبي صلى الله عليه وسلم الذي كرر شروطه، فرد عروة محذراً من استئصال قريش واصفاً الصحابة بالأوباش الذين سيولون الأدبار.

حوار عروة مع النبي ورد فعل أبي بكر والمغيرة بن شعبة

حذر عروة النبي من فرار أصحابه في الحرب، فغضب أبو بكر وسبه، فاعترف عروة بفضله وامتنع عن مجاراته. ثم أخذ عروة بلحية النبي مراراً، فمنعه المغيرة بن شعبة بضرب يده بنصل السيف، وكان المغيرة قد أسلم بعد أن قتل قوماً في الجاهلية وأخذ أموالهم.

تعظيم الصحابة للنبي وشهادة عروة بن مسعود بذلك

شاهد عروة تعظيم الصحابة الشديد للنبي من خلال حرصهم على نخامته ووضوئه وطاعتهم الفورية وخفض أصواتهم عنده. شهد عروة لقومه أنه لم ير ملكاً قط يعظمه أصحابه كما يعظم أصحاب محمد محمداً صلى الله عليه وسلم، مبيناً أن هذا التعظيم نابع من المحبة الصادقة لا من رهبة أو رغبة.

  • 14 جمادى الأولى 1447هـ - 04/11/2025مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. بعد: أخذنا في الدرس الذي مضى ما حصل في بيعة الرضوان، التي بايع فيها النبي عليه الصلاة والسلام الصحابة عندما أُشيع أن عثمان قد قُتل، ثم بايع النبي صلى الله عليه وسلم على أن لا يفرّوا، وأن يقاتلوا حتى يُقتلوا أو يغنموا ويفوزوا ويربحوا تلك الحرب. لكن بعد ذلك جاءت الأخبار لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن عثمان لم يُقتل، بل هو حي، وقد أخذه خالد بن سعيد بن العاص ابن عمه. فلذلك جلس النبي عليه الصلاة والسلام في الحديبية حتى جاء أول من جاء: عروة بن مسعود الثقفي. وقيل: إن الحُليص بن علقمة جاء قبل عروة، لكن الذي في الحديث الذي ذكرناه، في حديث مروان بن الحكم وغيره ممن ذكرهم الزهري رحمه الله، أن الذي جاءه عروة بن مسعود الثقفي. فقال عروة بن مسعود الثقفي لقريش: "أي قوم، ألستم بالوالد؟" قالوا: بلى. قال: "ألست بالولد؟" قالوا: بلى. قال: "فهل تتهموني؟" قالوا: لا، ما نتهمك. لأن هذا وفادة، أنا سيفد إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأكون واسطة بينه وبين قريش، فيتفاهمان في الذي يريده. فقال: "ألستم تعلمون أني استنفرت أهل عكاظ، فلما بلحوا علي -أي رفضوا أن يأتوا معي- جئتكم بأهلي ومن أطاعني، أي من ثقيف وغيرها؟" قالوا: بلى. فقال: "إن هذا قد عرض عليكم خطة رشد، أنا هذه الخطة التي عرضها عليكم هي خطة رشد، وهو الصلح، لأن النبي صلى الله عليه وسلم طلب منهم الصلح. قال: فاقبلوها ودعوني آته. اقبلوا هذه الخطة إن كنتم أردتم الخير، أردتم الرشاد، فهذه خطة رشد، فاقبلوها ودعوني آتي". فقالوا: ائته. فأتاه، أي جاءه عروة بن مسعود الثقفي. وعروة بن مسعود، كما قلنا، هو من ثقيف، من الطائف، من أهل الطائف. لكن كما قلنا: إن قريشاً جمعت القبائل التي حولها لأجل أن يحاربوا النبي عليه الصلاة والسلام ومن معه، ويصدونهم عن المسجد الحرام. قال: فأتاه، فجعل يكلم النبي عليه الصلاة والسلام، فقال له نحواً من قوله لبديل. أي: النبي صلى الله عليه وسلم قال لبديل... وعروة بن مسعود، مثل ما قال لبديل: "إنهم أجعل بيني وبينهم مدة، ويخلوا بيني وبين الناس، فإن ظهرت -أي ظهرت وبرزت وانتشرت الدعوة- دخلوا فيما يدخل الناس، فقد جَمُوا -أي ارتاحوا-، وإن أبوا، فوالذي نفسي بيده، لو قاتلنهم حتى تنفرد سالفتي". ومعنى ذلك: أني سأقاتلهم حتى ولو مت. فلذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: "عروة مثل كلام الذي قاله بديل". فقال عروة بن مسعود عند ذلك: "أي محمد، عليه الصلاة والسلام، أرأيت إن استأصلت قومك، هل سمعت بأحد من العرب اشتُهِي أصله قبلك؟" في رواية: "أهله قبلك". "وإن تكون الأخرى، فوالله..." يعني: إذا كان هناك حرب. أولاً: قال له عروة عند ذلك: "يا محمد، رأيت إن استأصلت قومك -أي قتلتهم كلهم، استأصلتهم-، فهل سمعت بأحد من العرب اشتُهِي أصله قبلك؟ وإن تكون الأخرى -أي تكون هناك حرب بينكم وبين قريش-، يريد: إن كان هناك حرب بينك وبين قريش، فوالله، يقول عروة: فوالله إني لأرى وجوهاً، وأرى أوباشاً من الناس". معنى هذه الوجوه التي معك: إنما هي أوباش، وناس مجمعون، وناس مجمعون ما يستطيعون أن ينصروك، خليقون أن يفروا ويدعوك. خليقون أن يفروا ويدعوك: أي يذهبوا، يفروا بسرعة. معنى: ما سيقاتلون. كأنه يريد أن هؤلاء قريش هم أهل الحرب، وأنهم هم أهل القوة. لو أنك دخلت معهم في حرب، هؤلاء الذين معك كلهم سيفرون ويتركونك وحدك، فبمن تقاتل؟ فقال له أبو بكر الصديق، وكان عند النبي صلى الله عليه وسلم: "أمصص بظر الله! أمصص بظر الله! نحن نفر عنه وندعه". ومعنى "أمصص بظر الله": البظر هو مكان البول من المرأة، مكان البول من المرأة، وهو الذي يكون فيه الختان أو حوله الختان. فيقول أبو بكر الصديق رضي الله عنه: "أمصص بظر اللات"، جعل اللات لها، جعلها أنت، وجعل لها رَحماً كرحم المرأة. فقال له: "أمصص بظر الله". وهذه الكلمة قالها أبو بكر عن غضب، ولأن هذا الرجل استحق مثل هذا الكلام؛ لأنه أساء الأدب مع الصحابة رضي الله عنهم، حتى قال: إنه إذا جاءت الحرب سيفرون هؤلاء لأنهم أوباش، أناس مجمعون، ليسوا أهل حرب. فقال: "أمصص بظر الله، نحن نفر عنه وندعه". فقال عروة: "من هذا الذي يأتي بالكلام؟" والظاهر أنهم كانوا ملثمين. فقال أبو بكر... وجاء في رواية: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "هذا أبو بكر الصديق". فقال: "أما والذي نفسي بيده، يقول عروة: أما والذي نفسي بيده، لولا يد كانت لك عندي لم أجزك بها لأجبتك". أنا أقول: أن لك عندي نعمة، أنه فعل لك شيء، أحسن إليك، وأبو بكر صاحب إحسان. فقال: "لولا، لولا أن لك نعمة عندي لم أجزك بها لأجبتك". معنى: ما دفعت هذه النعمة التي أنعمت عليك، لو أني دفعتها لأجبتك، لكن لم أدفعها بعد، فأضع هذه الكلمة مكان هذه النعمة التي أنعمت عليك، كأني جازيتك بها بسبب هذه الكلمة. هذا معنى كلام عروة بن مسعود لأبي بكر. قال: وجعل يكلم النبي عليه الصلاة والسلام، وإن شاء الله نذكر هذا، ثم بعد ذلك نذكر بعض المسائل أو الفوائد التي تؤخذ من هذا المقطع. قال: "فكلما كلمه أخذ بلحيته". معنى: عروة يأخذ بلحية النبي الصلاة والسلام لأنه قريب منه. وكلما أراد أن يتكلم ويأخذ بلحية النبي صلى الله عليه وسلم، والمغيرة بن شعبة قائم على رأس النبي عليه الصلاة والسلام. المغيرة كان على رأس النبي صلى الله عليه وسلم، وملثم أيضاً، وعنده السيف. فكان كلما هوى عروة يريد أن يمسك لحية النبي صلى الله عليه وسلم، يقمعها بسيفه. معناه: يدقها بسيفه حتى لا يمس لحية النبي عليه الصلاة والسلام، لأنه كان كافراً. قال: "وكلما أهوى عروة بيده إلى لحية النبي صلى الله عليه وسلم، ضرب يده بنصل السيف". قال: "أخر يدك عن لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم". قال: فرفع عروة رأسه، فقال: "من هذا؟" قالوا: "المغيرة بن شعبة". وهو ابن أخي... المغيرة ابن أخي عروة. المغيرة هذا، أو شعبة، كان أخا لعروة، معنى شقيقه. والمغيرة ابن أخي. فقال عروة: "أي غدر! أولست أسعى في غدرتك؟" وكان المغيرة صحب قوماً في الجاهلية فقتلهم وأخذ أموالهم، ثم جاء فأسلم. أنا صحب قوماً في الجاهلية فقتلهم من العرب وأخذ أموالهم، ثم إنه ندم بعد ذلك، فجاء وأسلم، جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأسلم، وهو من أوائل من أسلم من ثقيف. المغيرة بن شعبة رضي الله عنه من أوائل من أسلم من قبيلة ثقيف، أهل الطائف. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: "أما الإسلام فأقبل، أما الإسلام فأقبل منه، وأما المال فلست منه في شيء". أي: هذا المال الحرام الذي أخذه، نحن لسنا منه، ولا سنأخذ شيئاً منه لأنه حرام. وأما الإسلام فنحن نقبله منه. قال: ثم إن عروة جعل يرمق النبي عليه الصلاة والسلام بعينه. قال: "فوالله، أي يقول عروة: فوالله ما تنخم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم، فدلك بها وجهه وجلده. وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلموا خفضوا أصواتهم عنده". أن هذه الأمور كان الصحابة رضي الله عنهم يفعلونها تعظيماً لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. "وإذا تكلموا خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون إليه النظر تعظيماً له". ولهذا قال عمرو بن العاص: "لو قيل لي: صِف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ما استطعت أن أصفه، لأني لم أكن أستطيع أن أحد النظر فيه تعظيماً لرسول الله وإجلالاً له". فالصحابة رضي الله عنهم هم أشد الناس محبة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكانوا يجلونه ويعظمون، حتى أن أحدهم لا يستطيع أن ينظر إليه هيبة له. قال: "فما يحدون إليه النظر تعظيماً له". قال: ثم فرجع إلى أصحابه، أي: عروة بن مسعود رجع إلى قريش. فقال: "أي قوم، والله لقد وفدت على الملوك، ووفدت على قيصر وكسرى والنجاشي. والله ما رأيت ملكاً قط، إن رُعيت ملكاً قط، أو ملكاً قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمداً صلى الله عليه وآله وسلم". معنى: ذهبت إلى قيصر إلى الروم، وإلى فارس عند كسرى، وإلى الحبشة عند النجاشي، لكن ما رأيت أحداً يعظم أحداً كأصحاب محمد محمداً صلى الله عليه وآله وسلم. والمراد من هذا: أن أولئك الذين يخدمون الملوك، والذين يقولون عندهم، غالباً إما رغبة أو رهبة: إما رغبة في المال، أو خوفاً من بطشهم. وأما من كان عند النبي عليه الصلاة والسلام، فهو محبة له، فهو محبة للنبي عليه الصلاة والسلام. ولهذا جاء في قصص بعض الملوك: أن عبد الله بن المبارك، رضي الله تعالى عنه، رحمه الله، من أتباع التابعين، كان ماراً بجنب قصر هارون الرشيد. قصر هارون الرشيد، كان عبد الله بن المبارك ماراً ومعه ناس كثير من طلبة العلم، يطلبون العلم ويأخذون من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك العالم. فنظرت زبيدة، وزبيدة هذه زوجة هارون الرشيد، فنظرت فرأت الناس حول عبد الله بن المبارك ويمشون، فقالت: "من هذا؟ من هذا الرجل الذي حوله هذا؟" فقالوا لها: "هو عبد الله بن المبارك، عبد الله بن المبارك". فقالت: "هذا الملك، لا ملك هارون! هذا الملك، لا ملك هارون". فإن هارون يكون أن الناس عنده رغبة ورهبة: رغبة في المال، أو خشية منه. وأما هذا، فالناس يتبعونه محبة له. وهذا معنى أيضاً هنا: يريد أن يبين عروة أن أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام يفعلون ذلك ليس تزلفاً، وليس رغبة في المال، وليس أيضاً خشية من بطش النبي عليه الصلاة والسلام، بل أنهم كانوا يفعلون ذلك محبة لرسول الله صلى الله عليه وعلي وسلم وإجلالاً له. فهذا معنى كلامه. ثم ذكر أشياء، إن شاء الله تعالى نذكرها في الدرس القادم، ونأخذ بعض الفوائد في هذا المقطع. والحمد لله رب العالمين.