الدرس في كتاب الصلاة 38، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يستعرض المقطع الأحكام الفقهية المستنبطة من حديث صفة الصلاة، متناولاً وجوب تكبيرة الإحرام وسنية وضع اليدين على الركبتين وتفريج الأصابع في الركوع. كما يبين هيئة السجود الصحيحة برفع الذراعين عن الأرض وتفريج اليدين واستقبال أطراف الأصابع للقبلة مؤكداً أنها سنة لا واجب.
يبيّن المقطع أن الواجب في السجود وضع أطراف الأصابع دون وجوب توجيهها للقبلة، ويستعرض اختلاف الصحابة في ضم القدمين أو تفريقهما مع وجوب التسوية في الجماعة. ويناقش تفصيل هيئة الجلوس في التشهدين بين الافتراش والتورك واختلاف المذاهب الفقهية الأربعة فيها.
يناقش المقطع خلاف الأئمة أحمد والشافعي وغيرهما في مشروعية الإفتراش والتورك في الركعتين الأخيرتين مرجحاً قول السعة واختلاف التنوع. كما ينتقد تفرد محمد بن عمر بن حلحلة برواية التفصيل بين الركعتين ويبين ضعف حديث النهي عن الانقعاص، مقرراً أن الأصل في صلاة المرأة أنها كصلاة الرجل.
يوضح المقطع أن افتراش المرأة في الجلوس لا يدل على تكشف أو تحديد للعورة، وينصح بارتداء لباس فضفاض لمنع تحديد العورة. ويختتم بالتأكيد على أن ذلك هو ما ورد في الحديث النبوي الشريف.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه، ومن والاه. أخذنا في الدرس الماضي حديث أبي حميد الساعدي رضي الله عنه، وذكرنا بعض القواعد والمسائل التي ذكرها المؤلف. وأيضاً من هذه المسائل التي دل عليها هذا الحديث: وجوب تكبيرة الإحرام، بقوله: الله أكبر؛ لأنه جاء في الحديث في صفة فعله أنه قال: قام، فقال: الله أكبر. وقد تقدمت معنا هذه المسألة: أنه لا بد من قول المصلي: الله أكبر، لا يجزي غيرها. وأيضاً من هذه الفوائد: تمكين اليدين من الركبتين أثناء الركوع، وتفريج أصابعه. وهذا الجمهور على أنه مستحب، وذهب الشوكاني وجماعة، وكذلك رجح الشيخ الألباني أنه واجب: تمكين يديه من ركبتيهما. استدلوا برواية حديث رفاعة: «لا تتم صلاة أحدكم حتى...» وذكر فيها: «ويمكن يديه من ركبتيه». وأما التكبيق الذي جاء عن عبد الله بن مسعود، والصحيح أنه منسوخ. والظاهر أن عبد الله بن مسعود لم يعلم بالنسخ، لهذا كان يفعل هذا التكبيق. التكبيق معناه: أنه يضع يديه، يطبق يديه، ويضعهما بين ركبتيه، أي: ما يضعهما على ركبتيه، وإنما يضعهما بين ركبتيه، يسمى التكبيق. وفعله ابن مسعود، وكان أيضاً بعض أصحابه يفعله كعلقمة والأسود. لكن الصحيح أنه منسوخ، لما جاء في الصحيحين في حديث سعد بن أبي وقاص أنه قال: «كنا نفعل ذلك، ثم نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن فعله، وأمرنا أن نضع أيدينا على ركبنا». فدل على أن السنة هو وضع اليدين على الركب. وجاء عن عمر رضي الله عنه أنه قال: «السنة الأخذ بالركب». وهذا يدل على أن التكبيق لم يثبت، أو أنه منسوخ عن النبي عليه الصلاة والسلام. وأيضاً من هذه الفوائد في هذا الحديث: استواء الظهر مع الرأس، فقال في الحديث: «ثم حصر ظهره»، فإذا رفع رأسه استوى. حصر ظهره: أي سواه. وجاء في رواية: «لا يصوبه ولا يقنعه» أي: رأسه، يعني يجعل رأسه وظهره سواء. قال: «فإذا رفع رأسه استوى حتى يعود كل فقار مكانه». فهذا أخذنا ما يدل عليه. ثم ذكر: «فإذا سجد وضع يديه غير مفترش ولا قابضهما». فلا يقبض يديه في السجود، ولا يفترشهما. الافتراش: هذا يضع ذراعيه في السجود. وقد جاء في الصحيحين النهي عن ذلك: «لا يفترش أحدكم في صلاته افتراش الكلب». وجاء في رواية أو في حديث آخر: «لا يفترش ذراعيه». فلا يجوز أن الإنسان يضع ذراعيه في السجود في الأرض، وإنما يرفع ذراعيه. وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سجد كما في حديث البراء: «إذا سجد جخ». ومعنى جخ: أي يرتفع، رفع بطنه عن فخذه، فهو يرفع يديه ويرفع ظهره عن فخذه، فهذا معنى جخة. وأما يديه فيضعهما مستويين، وصحيح أنه يضم أصابعه، وصحيح أنه يفرق بين يديه، فيضعهما حذو منكبيه أو حذو أذنيه عند السجود، ويباعد بين يديه، يباعد يديه عن ضبعيه، حتى قال بعض الصحابة: «إنا لنرثي للنبي صلى الله عليه وسلم من شدة ما يفرق». وقال أيضاً بعضهم: «لو أن بهيمة أرادت أن تمر بين يديه لمرت». فكان النبي صلى الله عليه وسلم يفرق حتى يرى بياض إبطيه. وأيضاً من فوائد هذا الحديث: أنه يضع قدميه على الأرض مستقبلاً بأطراف أصابعه القبلة. وإن كان هذا في السجود، لكن حمله بعضهم على الصلاة. الحديث جاء أن هذا في السجود: يستقبل بأطراف أصابعه القبلة. وهل هذا ركن، أو هل هو واجب من واجبات السجود؟ الصحيح أنه ليس بواجب، بل هو سنة. وأما الواجب فهو أن يسجد على أطراف الأصابع، أن يضع أطراف الأصابع على الأرض، هذا هو الواجب. وأما توجيهها إلى القبلة فليس بواجب، توجيهها إلى القبلة هذه سنة. سنة في السجود. وحملها كما قلنا بعضهم على كل قيام، فكان بعض الصحابة أو جاء عن بعض الصحابة وبعض التابعين أنهم يستقبلون أصابعهم إلى القبلة مع القيام، استقبلون أصابعهم إلى القبلة مع القيام. لكن لم يأت شيء صريح عن النبي عليه الصلاة والسلام في هذا، لكن يدل عليه: إذا كان في الجماعة تسوية الصفوف، وفعل الصحابة رضي الله عنهم، فإن وضع أو محاذاة المناكب والأقدام، الركبة والكعب والرجل، هذا كله يدل على أنهم يجعلون أصابعهم مستقبلة القبلة. وهذا في الجماعة. وأما مسألة وضع الرجلين للإمام والمنفرد، للإمام والمنفرد لم يثبت شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك. وجاء عن بعض الصحابة أنه يضم، وبعضهم أنه يفرج. جاء الترويح بين القدمين عن ابن عمر وعن جماعة، أنهم كانوا يروحون بين أقدامهم، يروحون: معناه يفرجون. وجاء عن عبد الله بن الزبير وعن غيره أيضاً أنهم كانوا يضمون، يضم رجليه، أي في صلاة الليل أو إذا كان منفرداً. والظاهر أنه لا بأس بذلك، لا بأس بهذا كله، يعني يجوز أنه يفرج من باب الترويح، ويجوز أنه يضم رجليه. هذا إذا كان منفرداً أو إماماً. وأما إن كان في جماعة فلابد أن يفرج بين رجليه حتى يساوي الصف، حتى يساوي الصف. أيضاً من المسائل في هذا الحديث: قال: «إذا جلس في التشهد الأول...» قال: «وإذا جلس في الركعتين جلس على رجله اليسرى ونصب اليمنى، وإذا جلس في الركعة الآخرة قدم رجله اليسرى ونصب الأخرى وقعد على مقعدته». هذا التفصيل لم يأتِ بهذا التفصيل هكذا إلا من رواية محمد بن عمر بن حلحلة عن محمد بن عمر بن عطاء عن أبي حميد. ومحمد بن عمر بن حلحلة وإن كان ثقة لكن قد تكلم في حفظه. وقد روى هذا الحديث جماعة عن محمد بن عمر بن عطاء ولم يذكروا هذا التفصيل، لم يذكروا هذا التفصيل. وكذلك أيضاً جاء من غير طريق محمد بن عمر بن عطاء ولم يذكروا هذا التفصيل. لكن في بعضها ذكروا الافتراش، وفي بعضها ذكروا التورك. يعني: في بعض رواية يذكر الافتراش، وبعضها يذكر التورك. أما هذا التفصيل الذي ذكره محمد بن عمر بن حلحلة فهو تفرد به: أنه في الركعتين يجلس مفترشاً، وفي الأربع أو في الأخيرة يجلس على مقعدته متوركاً. هذه مسألة التورك ومسألة الافتراش اختلفت الروايات فيها. فجاء في حديث عبد الله بن الزبير ذكر فيه التورك ولم يذكر الافتراش، ذكر أنه في الصلاة تورك. وجاء في حديث ابن عمر في الصحيح: «سنة الصلاة الافتراش»، سنة القعود في الصلاة الافتراش. وجاء كذلك أيضاً في حديث أبي حميد الساعدي، وجاء في حديث مالك بن الحويرث: الافتراش. فجاء في بعضها الافتراش، وجاء في بعضها التورك. وأما من ناحية الاستدلال والعلم وأخذ الأقوال: فمالك عنده التورك، مالك عنده التورك في الأول والأخير، يعني يجلس جلسة الصلاة عنده التورك. وأبو حنيفة: جلسة الصلاة عنده الافتراش. وأخذ الشافعي بالافتراش والتورك، فقالوا: يكون في التشهد الأول الافتراش، وفي التشهد الثاني التورك. واختلفوا في مسألة: أنا الشافعي وأحمد اختلفوا في مسألة وهي: إذا كانت الصلاة ذات ركعتين مثل صلاة الفجر، هل يتورك أو يفترش؟ فعند أحمد قال: يفترش، إذا كان سيصلي ركعتين، أي الفجر أو ركعتين السنة، عنده السنة الافتراش، يقول: أقرب الافتراش. وعند الشافعي: إذا كانت الركعة الأخيرة سواء كانت في السنة أو في صلاة الفجر وهي ركعتان، فعنده السنة التورك، عنده السنة التورك. وذهب جماعة من أهل الحديث كابن جرير الطبري، ووافقه أيضاً ابن عبد البر وابن المنذر وجماعة من أهل الحديث على أن هذا من اختلاف التنوع، يرون أن هذا من اختلاف التنوع: فإن شاء افترش وإن شاء تورك، سواء كان في الأولى أو الآخرة. وظاهر الأدلة يؤيد هذا القول، إلا هذا حديث أبي حميد الذي فيه هذا التفصيل، أخذ به أحمد والشافعي بهذا الحديث. لكن كما قال بعض أهل العلم: أن رواية محمد بن عمر بن حلحلة فيها شيء، هذا التفصيل لم يأتِ به إلا محمد بن عمر بن حلحلة، ولا يمكن أن يكون أن كل الرواة لا يأتون بهذا التفصيل ويأتي به محمد بن عمر بن حلحلة. صحيح أنه ليس من العلماء الكبار من انتقد هذا الحديث، أن أحياناً أهل العلم لا ينتقدون المتون، وإنما غالباً ينتقدون الأسانيد، أو إذا كان في المتون مخالفة واضحة. أما الزيادات أحياناً التي تكون في بعض المتون، غالباً تجد كثيراً من الأئمة لا ينتقدونها. لكن انتقد بعض المتأخرين كأبي زرعة، ومعنى ما يعتبر متأخرين يعتبر من المتقدمين، لكن يقول: أن رواية محمد بن عمر بن حلحلة فيها شيء. وذكر أيضاً الحافظ ابن رجب رحمه الله أن هذا يدل على أن محمد بن عمر لم يحفظ الحديث جيداً. والمهم الأمر سهل: فمن رأى ما ذكر في هذا الحديث فجعل الافتراش في الركعتين، وظاهره على رواية الإمام محمد، ظاهره على رواية الإمام محمد: أن في الركعتين الجلوس، وإذا كان صلاة ذات تشهدين فيكون في الأولى افتراش وفي الأخرى تورك. ومن فعل العكس، ومن فعل العكس: تورك في الأولى وافتراش في الأخيرة، أو افتراش في كليهما، فإن شاء الله الأمر سهل. وما ذكره الشيخ الألباني في الصحيحة من حديث أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الانقعاص والتورق، فهو حديث كما قال الإمام محمد: حديث منكر، وحديث ضعيف، أنكره العلماء. والشيخ الألباني رأى حسنه بالأسانيد التي جاءت فيه. وإن صح فيحمل على كما ذكره الشيخ نفسه، الشيخ الألباني حمله على التورق في غير الركعة الأخيرة، لأنه يرى هذا التفصيل، يرى هذا التفصيل: لأن جلوس الأول افتراش والثاني تورك. أيضاً مسألة: مسألة المرأة، هل تفعل مثل ما يفعل الرجل من الافتراش أو التورك؟ الصحيح أنها تفعل المرأة مثل ما يفعل الرجل، لأن الخطاب للرجل والمرأة، حتى يأتي التفريق في السنة أو في الشرع. إذا جاء التفريق في الشرع بين المرأة والرجل فهنا نقول بالتفريق، وإلا الأصل عدم التفريق، الأصل عدم التفريق بين الرجل والمرأة، وحكمهما واحد. ولهذا ذكر الشيخ الألباني رحمه الله عليه أثر عن أم الدرداء، ما أذكر الآن مصدره، عن أم الدرداء أنها كانت تصلي وتفترش في الصلاة، أنها كانت تفترش في صلاتها. لأن أكثر الفقهاء يرون أن المرأة تضم رجليها وتجمعهما حتى لا ينكشف منها شيء. والصحيح أن هذا لم يثبت عن أحد من الصحابيات. أولاً: الصحيح أن المرأة تصلي كصلاة الرجل. ولا شك أنها إذا كانت عند أجانب أنها تتحرى الستر، وتلبس ما يسترها عن الرجال. وأما مثل افتراشها هذا لا يدل على شيء من التكشف أو شيء من تحديد العورة، فتحاول أنها تلبس لباساً فضفاضاً وكذا حتى لا تحجم عورتها. طيب، إن شاء الله هذا ما ذكر في هذا الحديث. شكراً.