الدرس في قصة إبراهيم عليه السلام 5، سارة ومناقشة إبراهيم - عليه السلام - لأهل حران . ونبوءة لوط - عليه السلام - . ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
هاجر إبراهيم عليه السلام إلى حران واصطحب معه لوطًا، وتزوج من سارة. كان أهل حران يعبدون الكواكب والنجوم.
دار حوار بين إبراهيم وقومه حول عبادة الكواكب، حيث بين لهم بطلانها بإظهار أنها تتغير وتغيب. كان هدفه إقامة الحجة عليهم.
استقر إبراهيم في فلسطين وبدأت دعوته تنتشر، بينما توجه لوط إلى الزرقاء ليدعو قومًا آخرين. نزل الوحي على لوط وأصبح نبيًا.
انتقل إبراهيم إلى سيناء وسيتم تأجيل الحديث عن دخوله مصر إلى الدرس التالي. تم ختام الدرس بالصلاة على النبي محمد.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، لازلنا إخواني في الله في هذه السلسلة من قصص الأنبياء، ولازلنا في قصة إبراهيم عليه السلام. وأشرنا إلى آخر الأحداث، ما كان من أمر إحراقه في النار، ثم أنجاه الله منها، وما كان من قصة إبراهيم مع النمرود. وبعد ذلك ما حصل من نقاش وحوار مع أبيه الذي أمر بطرده وإخراجه، فحينها استكملت أو اكتملت أركان الهجرة، فهاجر إبراهيم عليه السلام. ذكرنا أهم معالم هذه الهجرة، من أنه توجه إلى أرض الشام، تحديدًا إلى منطقة يقال عنها حران. وأنه في هذه الهجرة استصحب معه لوطًا عليه السلام، وكان ممن آمن به، بل كان من قرابته. وأشرنا إلى صلة القرابة بين لوط وبين إبراهيم، فلوط ابن أخي إبراهيم، فإبراهيم يعتبر عمه. في القصة أو في الدرس الأخير، وعدتكم بأني سأتحدث عن شخصية أخرى، وهذا أوان الحديث عنها، وهي سارة. سارة هي زوجة إبراهيم عليه السلام. من هي سارة؟ من أهل العلم من ذهب إلى أن إبراهيم عليه السلام لما انتقل إلى حران، وهي من أرض الشام تحديدًا في بلاد سوريا، لما دخل إليها كانت سارة هي ابنة ملك حران، ولم تكن على دين قومها، فحينها تزوجها إبراهيم عليه السلام. هذا قول، والقول الآخر وهو الأشهر، إلى أن سارة كانت قريبة لإبراهيم، فهي ابنة عمه. فقد ذكر المؤرخون أن لإبراهيم عمًا يقال عنه هاران، وأن هذا العم له بنت يقال عنها سارة، فهي ابنة عمه، تزوجها إبراهيم عليه السلام لما كان في أرضه في أرض العراق، فلما جاء وقت الهجرة هاجر بها. ذكر الإمام البغوي رحمه الله تعالى في تفسيره أن إبراهيم عليه السلام لما انتقل إلى الشام كان بصحبته لوط، وكان بصحبته سارة. إذن هذا الذي أردت أن أتحدث عنه في موضوع الهجرة، على أن اثنين اصطحب إبراهيم في انتقاله من أرض العراق إلى أرض الشام. نأتي الآن إلى موضوع هذا المكان الذي ارتحل إليه إبراهيم عليه السلام. قلنا ذهب إلى حران، وحران أناس كانوا على الكفر، ومن صور كفرهم أنهم كانوا يعبدون النجوم والكواكب. يعبدون النجوم والكواكب. ومن باب الفائدة أن عباد الأصنام والأوثان كانت هذه العبادة تعود لأحد أمرين، كما أشار إلى ذلك ابن القيم رحمه الله تعالى، إما أن الأصنام تعود إلى أموات، وإما أن الأصنام تعود إلى كواكب سيارة. هكذا كان الشرك، إما أنه يعود إلى أناس عظموا الأموات من البشر، فجعلوا لهم الأصنام والأوثان. الشاهد أن من ذهب إليهم إبراهيم عليه السلام في بلاد حران كانوا يعبدون النجوم السيارة والنجوم السيارة، يقول علماء هي سبعة كواكب كان لها شان كان لها تعظيم عند أهلها، يعبدونها من دون الله. الكواكب السبعة هي الشمس والقمر والزهرة وعطارد والمريخ وزحل والمشتري، هذه كان لها تعظيم من أيام الأقدمين، كان لهم نظر في النجوم وتتبع لحركة الأفلاك، فكانوا يعظمونها ويسمونها بالكواكب السيارة. هذه الكواكب السيارة يجعل لها أصنام وأوثان هياكل لهذه الكواكب فيعبدونها من دون الله جل وعلا. وكانت هذه الكواكب السبعة من أشدها إضاءة ثلاثة، أولاها الشمس، ثم القمر، ثم الزهرة. هذه الفائدة ستأتينا لماذا أعرج عليها؟ لما جاء إبراهيم عليه السلام إلى بلاد حران ورآهم يعبدون الكواكب والنجوم، بدأ بالنقاش معهم وأخذ يدعوهم إلى عبادة الله جل وعلا. قال سبحانه وتعالى: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾. بداية الحوار، فلما جن عليه الليل، دخل الليل، رأى كوكبًا. هذا الكوكب ليس أي كوكب، لأن الكواكب كثيرة. فلما يقول كوكب، إذن هناك كوكب معني. وأكثر المفسرين يذهبون إلى أن هذا الكوكب المشار إليه هو الزهرة. فلما أفل، قال: ﴿لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾. طيب السؤال هنا، وهذا الذي يشكل عند كثير من يقرأ هذه الآية، عندما يقول إبراهيم: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ على الكوكب، ما الذي يعني بهذا ربي؟ للعلماء أقوال عدة في تخريج هذا الخطاب من إبراهيم عليه السلام. من أهل العلم من ذهب إلى أن هذا كان في بداية أمر إبراهيم عليه السلام، وأنه كان يتفكر في ملكوت السماوات والأرض، فكان يظن ويتوهم أن هذا ربه، إلى أن الله عز وجل يكشف له الحقائق حقيقة بعد حقيقة حتى توصل إلى الإيمان بالله وحده. لكن نرى أن هذا القول بعيد، نظرًا لما سنتحدث به من خطوات إبراهيم، كان موحدًا، إبراهيم كان في شبابه، ثم قذف في النار، ثم ناقش نمرود، ثم وصل إلى أرض الشام، قد تجاوز المرحلة هذه كلها، فهو على التوحيد. التخريج الثاني أن إبراهيم إنما أراد الإنكار، فقوله: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ بمعنى أهذا ربي؟ وهذا من أسلوب العربي أن أحيانًا يؤتى بالسؤال والاستفهام على شكل خبر. والوجه الثالث، وهو الذي عليه أكثر العلماء، أن إبراهيم أراد المناظرة، أراد أن يناظرهم. فتنازل مع القوم، عندما تحاج بعض الخصوم في مسائل، تتنزل، تتناقش. واحد في عبادتي غير، قل لي الله. افترضنا أن هذا الميت يعلم الغيب، طيب لو افترضنا لو أنه يعلم الغيب، هل تعتقد أنه يعلم الغيب؟ أنت ما تعتقد هذا باطل، لكن تتنزل، أبدأ معك خطوة بخطوة حتى أصل إلى النهاية. فإبراهيم فعل هذا معهم، قال: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ يلا نبدأ، إذا زعمتم أن هذا هو ربنا، هذا ربي، نبدأ الآن. هذا الذي عليه أكثر العلماء، على أن إبراهيم في هذا الحوار إنما أراد أن يحاج قومه بأن يلزمهم الحجة، فبدأ معهم بالكوكب وهو الزهرة. قال: ﴿هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾. ما يصح أن يكون ربي يغيب، كيف ربي يغيب عني؟ إيش من رب هذا؟ فلما رأى القمر بازغًا، جاء القمر وهو الثاني في الإضاءة، قال: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ على قولكم، نرى هذا الإله الثاني وهو الأقوى عندكم، قمر، هذا ربي. فلما أفل، قال: ﴿إِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ﴾. هذا كذلك ما ينفع أن يكون ربي يغيب، يظهر في الليل وفي النهار، ما عندي رب ما يصلح. حينها جاء النهار، فلما رأى الشمس بازغة ظاهرة، قال: ﴿هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ﴾. لا هذا، هذا ينفع، هذا ما أحد إله يزاحمه، قوي. وتأمل في تعبير القرآن، أما قال: ﴿فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي﴾. ما قال هذه ربي، هذه لأن الشمس مؤنثة. لماذا قال: ﴿هَذَا رَبِّي﴾؟ قال جماعة من المفسرين لأن إبراهيم أراد أن يبحث عن المضمون، وهي الإضاءة والإشعاع والنور. فكي يتحدث عن الإضاءة في الكوكب الأول، والإضاءة في الكوكب الثاني وهو القمر، والإضاءة في الشمس، فقال: ﴿هَذَا﴾ أي هذا الضوء، هذا أكبر، هذا ربي. فلما أفلت، أي غربت الشمس، قال: ﴿يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ﴾. هذا النتيجة الذي أراد إبراهيم أن يوصل قومه إليها، أن هؤلاء ما يصلحون أبدًا أن تكون آلهة، لا لي وأنا بريء من قبل، ولا لكم. إذن هذا الذي تم مع إبراهيم عليه السلام في مناقشة عباد الأصنام. طبعًا إبراهيم عليه السلام حاول معهم إلا أنهم وصلوا إلى باب مسدود، فتوعدوا وحذروا وهددوا. ثم قال إبراهيم: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. قال العلماء على إثر هذا خرج إبراهيم من أرض حران، إلى أين توجه؟ توجه جنوبًا إلى جهة فلسطين. من العراق إلى سوريا، من سوريا نزل إلى فلسطين، هنا في فلسطين استقر إبراهيم عليه السلام. استقر، سيكون فيه بيت المقدس، وتكون فيه الرحلات، وتكون فيه الدعوة الكبيرة. في هذه الرحلة لما إبراهيم كان معه لوط، لوط في هذا المقام في هذه الرحلة، كما قال علماء، نزل عليه الوحي فأصبح نبيًا. فأصبح نبيًا بمعنى أن لوط قبل هذا ما كان النبي، وإنما كان تابعًا في أرض العراق، خرج وآمن بإبراهيم، على أنهم من المؤمنين به، وافتتح معهم إلى أن وصل إلى أرض فلسطين. هنا باستقرار إبراهيم في أرض فلسطين، نزل الوحي على لوط عليه السلام، كما قال سبحانه: ﴿آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾. آتاه الله عز وجل النبوة هنا، اجتمع نبيان، اجتمع إبراهيم الرسول عليه السلام ولوط. إذن لم يكن داعي لبقاء لوط، فخرج لوط وانتقل إلى أين؟ ذهب لوط عليه السلام إلى منطقة إلى جهة الأردن، إلى منطقة تحديدًا بين فلسطين والأردن، يقال عنها الزرقاء. منطقة يقال عنها الزرقاء، ووجد فيها قومًا لا يعبدون الله، وكانوا يعملون الفواحش ويعملون الرذائل، ومنها فاحشة اللواط. هنا لوط دخل على هؤلاء وبدأ يدعو فيهم. في هذا المقام نبتعد قليلًا عن لوط عليه السلام، ونجعل له مرحلة أخرى بإذن الله، نذكر مراحل لوط وما كيف دعا قومه، وما الذي أصاب قومه بعد إعراضه. نرجئ الحديث عن ذلك، ننتقل إلى إبراهيم عليه السلام. إبراهيم استقر في فلسطين، وأخذ في هذا الاستقرار سنوات، وهذه السنوات الطوال الذي مكثها إبراهيم في فلسطين، وقعت عدة حوادث. أهم ما أحب أن أختم به هذا المقام، أن من أعظم ما وقع لإبراهيم عليه السلام من الحوادث، أن الله عز وجل كلل دعوته بالنجاح. بالنجاح، أصبح الناس يقبلون على دعوة إبراهيم وعلى وحدانية الله عز وجل، حتى أصبح له أتباعًا وأصحابًا. قال سبحانه: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾. إذن أصبح لإبراهيم فئة، فئة مؤمنة، أخذت تدعو بدعوة، وتدعو إلى وحدانية الله جل وعلا. نقف إلى هذا، وسنأتي معنا حوادث تمت، أن إبراهيم انتقل كدعوة إلى أرض سيناء، ومن سيناء دخل إلى مصر، ووقعت هناك حوادث، نرجئ الحديث عنها إلى درس غد. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.