التعليق على كتاب الداء والدواء 86

التعليق على كتاب الداء والدواء 86

الدرس في التعليق على كتاب الداء والدواء 86، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

جريمة القتل العمد وحكم توبة القاتل

يستعرض المقطع خطورة قتل المؤمن العمد وعقوبته في القرآن والسنة، مبيناً أنه من أكبر الكبائر. ثم يعرض خلاف العلماء في قبول توبة القاتل بين من يرى عدم سقوط حق المقتول ومن يرى أن التوبة الصحيحة تهدم ما قبلها.

قبول توبة القاتل والكافر وحقوق القتل الثلاثة عند ابن القيم

يؤكد المقطع أن التوبة تمحو الكفر والكبائر مستدلاً بآيات من سور البروج والمائدة والزمر. ويوضح رأي ابن القيم بأن للقتل ثلاثة حقوق: حق الله يسقط بالتوبة، وحق الولي يسقط بالقصاص أو العفو، وحق المقتول يعوضه الله يوم القيامة.

حكم المطالبة بالمال المغصوب يوم القيامة وانتقال الحق للورثة

يناقش المقطع خلاف العلماء في بقاء مطالبة المظلوم بماله المغصوب بعد موته، وهل تنتقل للورثة فقط أم تبقى للمظلوم نفسه. ويرجح تفصيل شيخ الإسلام ابن تيمية بأن المطالبة للوارث إن تمكن الموروث من الأخذ ولم يفعل، وللموروث إن حال الظلم دون أخذه.

الدعاء الختامي والصلاة على النبي

يختتم المتحدث بدعاء الله أن يحفظهم ويحفظ دينهم، ويجنبهم الظلم والمصائب والفتن. ثم يصلي على النبي محمد ويحمده سبحانه.

  • 30 جمادى الأولى 1447هـ - 20/11/2025مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، مواصلة أيها الأحبة في الله مع الداء والدواء، وهو الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، للإمام شيخ الإسلام أبي عبد الله محمد بن أبي بكر الزرعي، المشهور بابن القيم، ويقال ابن قيم الجوزية، رحمه الله تعالى، وغفر لنا وله ولوالدينا أجمعين. ولا نزال مع هذه الذنوب العظام التي ذكرها رحمه الله تعالى في سياق حديثه عن الذنوب والكبائر التي تغضب الله عز وجل، والتي تخالف الأصل الذي لأجله خلقنا الله تبارك وتعالى، وهو أن نعبده ونتعرف عليه ونتقرب منه سبحانه وتعالى. وذكر فيما مضى ذكر الشرك بالله عز وجل وأنواعه وصوره، ذكر الشرك الأكبر، وهكذا الشرك الأصغر، وهكذا أيضًا ذكر القول على الله عز وجل بلا علم، ومفسدة الوقوع في هذا الأمر، وأن القول على الله بلا علم مفسدته عظيمة جدًا، فتجعل العبد يقع في الشرك بالله عز وجل، وهكذا في تعطيل أسماء الله عز وجل وصفاته. وكذلك أيضًا تعرض رحمه الله تعالى للبدع وخطورتها، ومحبة إبليس لها، وأنها أحب إلى إبليس من المعصية؛ فالعاصي قد يتوب ويندم ويرجع، لكن المبتدع قل أن يرجع إلا من رحم الله عز وجل، لأنه يعتقد حسن هذا العمل ويتقرب به إلى الله تبارك وتعالى. فمن هداه الله عز وجل وبيّن له قبح هذا العمل فإنه يتركه ويتوب منه، ومن بقي على حبه وتعلق قلبه به فيقاتل ويجادل ويتعصب لهذا الباطل، لهذا المنكر الذي وقع فيه. وهكذا أيضًا تعرض رحمه الله تعالى للظلم والعدوان، وبيّن أنهما من أكبر الكبائر التي حرمها ربنا عز وجل، ويدخل في ذلك القتل الذي هو يعتبر من أعظم الظلم وأشد العدوان. وبيّن رحمه الله تعالى خطورة هذه الجريمة وعظم هذه الكبيرة، فإن الله تبارك وتعالى يقول: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 93]، خمس من العقوبات الشديدة المترتبة على جريمة القتل. و﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَن تَابَ﴾ [الفرقان: 68-70]، فجريمة عظيمة يا إخوان، جريمة القتل. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لزوال الدنيا أهون عند الله عز وجل من سفك دم امرئ مسلم». وهكذا يقول عليه الصلاة والسلام: «لأن تنقض الكعبة حجرًا حجرًا أهون عند الله من سفك دم امرئ مسلم». وهكذا الآيات والأحاديث كثيرة في بيان خطورة هذه الجريمة. ولهذا اختلف العلماء في صحة توبة القاتل: قتل ثم أراد أن يتوب، فهل تصح توبته أم أنها لا تصح؟ قال رحمه الله تعالى: «قال: وهل تمنع توبة المسلم منه بعد وقوعه» أي من القتل بعد وقوع القتل من صاحبه، «قال فيه قولان للسلف والخلف، وهما روايتان عن الإمام أحمد، رضي الله عنه ورضي الله عنه من باب الدعاء لا من باب الإخبار، قال: ونور ضريحه». ونور ضريحه، والضريح المقصود به القبر، نور قبره، ويطلق الضريح كذلك أيضًا على الشق الذي يكون في وسط القبر، الشق وليس اللحد، الشق الذي يكون في وسط القبر، ويجمع على أضرحة، وهكذا أيضًا يقال ضرائح. قال: «ونور ضريحه». وابن القيم يا إخوان، كشيخ الإسلام ابن تيمية، يعتبران من المحققين في مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى. قال: «والذين قالوا لا تمنع التوبة من نفوذه» - الذين قالوا لا تمنع التوبة من نفوذه - رأوا أنه حق لآدمي لم يستوفه في دار الدنيا، بل خرج منها بظلامته، أي بمظلمته، فلا بد أن يستوفى له في دار العدل، في دار العدل، والمقصود بدار العدل أي الآخرة. قالوا: وما استوفاه الوارث فإنما استوفى محض حقه الذي خيره الله بين استفائه والعفو عنه، وما ينفع المقتول من استفاء وارثه؟ وأي استدراك لظلامته حصل له باستفاء وارثه؟ بمعنى ذلك أنهم يقولون: أن حق المقتول لا يسقط، وإنما يبقى في ذمة القاتل، وعند الله تجتمع الخصوم، فإذا قيل لهم: أولياء المقتول قد قبلوا بالدية أو عفوا عن القاتل، فقالوا: هنا ماذا؟ المقتول لا ينتفع بشيء من ذلك، وإنما خرج من هذه الدنيا وهو مظلوم، فلا بد أن ينال الجزاء عند الله تبارك وتعالى. قال: وهذا أصح القولين في المسألة، أن حق المقتول لا يسقط باستفاء الوارث. قال: وهما وجهان لأصحاب أحمد والشافعية وغيرهم. قال: «ورأت طائفة» - ورأت طائفة - أنه يسقط بالتوبة واستفاء الوارث. قال: «فإن التوبة تهدم ما قبلها، والذنب الذي قد جناه قد أقيم عليه حده، قد أقيم عليه حده، إذا أقيم الحد فالحدود مكفرة، والحدود مطهرة». قال: «قال: وإذا كانت التوبة تمحو أثر الكفر والسحر، وما هو أعظم إثما من القتل، فكيف تقصر عن محو أثر القتل، أثر القتل؟». قالوا: «وقد قبل الله توبة الكفار الذين قتلوا أولياءه، الذين قتلوا أولياءه، وجعلهم من خيار عباده» أي بعد أن تابوا. وربنا تبارك وتعالى يقول في كتابه العزيز: ﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: 38]، للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف، وإن يعودوا فقد مضت سنة الأولين. وهكذا أيضًا يعني هؤلاء إذا تابوا أصبحوا من أولياء الله عز وجل، مع أنهم كانوا قبل توبتهم يفعلون الكفر، يفعلون الكفر. قال: «ودعا الذين حرقوا أولياءه وفتنوهم عن دينهم إلى التوبة، إلى التوبة». من يذكر ما يدل على ذلك؟ أن الله عز وجل دعا الذين حرقوا أولياءه وفتنوهم عن دينهم إلى التوبة. نعم يا أبا معاوية، في سورة... في سورة... في أي سورة؟ نعم يا حذيفة، في سورة البروج. فما... ما هي الآية؟ نعم، ما هي الآية في سورة البروج؟ قلها ولا تخف. نعم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾ [البروج: 10]، يعني إذا تابوا فالله عز وجل يقبل توبتهم ويعفو عنهم، ﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ [البروج: 10]، ولهم عذاب الحريق. بل لاحظوا يا إخوان أن الله عز وجل دعا من يقول أن عيسى عليه الصلاة والسلام هو الله، دعاهم إلى التوبة، ودعا من يقول أن الله عز وجل ثالث ثلاثة، دعاهم إلى التوبة إليه، فلو تابوا تاب الله عز وجل عنهم. قال الله عز وجل: ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [المائدة: 74]، والله غفور رحيم. هذه جاءت بعد قوله عز وجل: ﴿لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: 72]، وبعد قوله تعالى: ﴿لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة: 73] الآيات. قال: «قال بعدها: أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرون والله غفور رحيم». قال: «وقال: وقال يا عبادي الذين أسرفوا» وقال: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر: 53]. ما معنى لا تقنطوا؟ ما معنى يا أبا الفاروق؟ لا تقنطوا أي لا تيأسوا، مهما عظمة الذنوب ومهما كبر الذنب، فاعلم أن رحمة الله أوسع، وأن فضل الله أعظم، لا تيأسوا من رحمة الله، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: 53]، ومنها الشرك، ومنها القتل، وهكذا غيرها من الذنوب. قال: ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: 53]. قال: فهذه في حق التائب، وهي تتناول الكفر وما دونه. قالوا: أي من العلماء الذين يقولون بصحة توبة القاتل، وأن التوبة تمحو أثر هذه الجريمة. قالوا: وكيف يتوب العبد من الذنب ويعاقب عليه بعد التوبة؟ هذا معلوم انتفاؤه في شرع الله وجزائه. قالوا: وتوبة... وتوبة هذا المذنب تسليم نفسه، تسليم نفسه، ولا يمكن تسليمها إلى المقتول، لماذا؟ لأنه قد انتقل من هذه الدنيا، لا يمكن أن القاتل يسلم نفسه للمقتول لأنه خرج من هذه الدنيا. قال: فأقام الشارع وليه مقامه، أقام أهله وعصبته مقامه، وجعل تسليم النفس إليه كتسليمها إلى المقتول، بمنزلة تسليم المال الذي عليه له لوارثه. لو كان هناك مال لهذا الميت، مات ولم يسدده من فلان أو علان، فماذا على من عنده المال؟ هل يذهب به إلى قبر المقتول أو الميت؟ الجواب: لا، وإنما يعطيه أولياء المقتول وأهل الميت، وأهل الميت. وكذلك أيضًا بالنسبة لتسليم القاتل نفسه، إنما يكون لأولياء الدم، أولياء المقتول. قال: «وجعل تسليم النفس... وجعل تسليم النفس إليه كتسليمها إلى المقتول، بمنزلة تسليم المال الذي له لوارثه، فإنه يقوم مقام تسليمه للمورث». قال: «والتحقيق في هذه المسألة أن القتل يتعلق به ثلاثة حقوق». لاحظ ابن القيم يرجح، وهكذا يلخص. قال: «والتحقيق في هذه المسألة أن القتل يتعلق به ثلاثة حقوق: الأول حق لله، ثاني حق للمقتول، الثالث حق للولي». من الولي يا أبا فواز؟ الورثة والعصبة للميت. فهذه ثلاثة حقوق: الأول حق الله، والثاني حق المقتول، والثالث حق أولياء المقتول. قال: «فإذا سلم القاتل نفسه طوعًا واختيارًا إلى الولي، ندمًا منه على ما فعل» أي من جريمة القتل، «و خوفًا من الله وتوبة نصوحًا، سقط حق الله بالتوبة، وحق الولي بالاستيفاء» والاستيفاء بالقصاص أو الصلح، يعني يقبل الدية، يقبل الدية أو أكثر من الدية، أو العفو، أي أن يسامح القاتل. قال: «وبقي... وبقي حق المقتول، وبقي حق المقتول». قال: «يعوضه الله عنه يوم القيامة عن عبده التائب المحسن، فيصلح الله بينه وبين من قتله، فلا يذهب حق هذا» أي المقتول، «ولا تبطل توبة هذا» أي القاتل. لاحظ كيف لخص الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى هذه المسألة. وجماهير من أهل العلم على صحة توبة القاتل. جاء الخلاف عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه أنه يقول: لا تصح توبة القاتل. لكن ثبت عن ابن عباس ماذا؟ الرجوع عن هذا القول، كما في الأدب المفرد للإمام البخاري رحمه الله تعالى، ما يدل على أن ابن عباس رجع عن هذا القول، وقال بقول الجماهير من أن القاتل تصح توبته، وأن الله تبارك وتعالى يقبلها منه. وأما المقتول فإن الله عز وجل يوم القيامة يعطيه من الجزاء ما يرضيه، فلا يذهب حق هذا، ولا تبطل توبة هذا. قال رحمه الله تعالى: «قال: وأما مسألة المال... وأما مسألة المال فقد اختلف فيها». يعني إذا اغتصب شخص مال آخر، اغتصبه منه. طيب، إذا كان لا يزال في الدنيا، ممكن يذهب ويعيد له المال، ممكن يستسمح منه، يقول: يا أخي أنا أخذت من مالك كذا وكذا، سامحني، قال: سامحتك، وقضي الأمر. الذي ماذا يحصل فيه النزاع والخلاف؟ طيب إذا مات صاحب الحق، مات صاحب المال، فماذا يفعل الغاصب الذي اغتصب المال وأخذه بغير حق؟ قال: «وأما مسألة المال فقد اختلف فيها، فقال الطائفة: إذا أدى ما عليه من المال إلى الوارث فقد برئ من عهدته في الآخرة كما برئ منها في الدنيا». قال: «وقال الطائفة: بل المطالبة لمن ظلمه بأخذه باقية عليه يوم القيامة، وهو لم يستدرك ظلامته» أي صاحب المال المغصوب الذي أخذ ماله، لم يستدرك ظلامته، أي مظلمته، بأخذ وارثه له. فإذا أخذ الوارث المال، فإن صاحب الحق الذي مات لم يأخذ حقه، ولم يستوف حقه. قال: «فإنه منعه» أي الغاصب منع صاحب الحق. قال: «فإنه منعه من انتفاعه به طوال حياته، ومات ولم ينتفع به». قال: «وهذا ظلم لم يستدركه هو، وإنما انتفع غيره باستدراكه». قال: «وبنوا على هذا أنه لو انتفع... لو انتفع من واحد إلى واحد وتعدد الورثة، كانت المطالبة به للجميع، لأنه حق كان يجب عليه دفعه إلى كل واحد منهم عند كونه هو الوارث». قال: «وهذا قول طائفة من أصحاب مالك وأحمد». ويا لله يا إخوان، كم... كم هي الحقوق المنهوبة والأموال المغصوبة، يتوارثها الأبناء عن الآباء، والآباء ورثوها عن الأجداد. ينهب الرجل أرضًا فيموت هذا الرجل الناهب الغاصب، فيأخذها أولاده، وأولاده يتركوها لأولادهم، بينما بالمقابل يموت صاحب الحق، فينتقل الحق إلى ورثته، وكل واحد من الورثة له حق. يموت أصحاب الحق من الورثة فينتقل الحق إلى ورثتهم، كل واحد له من الورثة ما له. انظر كيف يكون الظلم متفشيًا ومنتشرًا، قد يصل إلى أجيال بعدها أجيال، وعند الله تجتمع الخصوم. قال رحمه الله تعالى: «قال: وفصل وحكم شيخنا رحمه الله بين الطائفتين». فمن يعني بشيخه يا خان عبد الرحيم؟ ابن القيم يقول: «وفصل وحكم شيخنا رحمه الله». ابن تيمية إذا أطلق فيريد به ماذا؟ شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى. قال: «بين الطائفتين فقال: إن تمكن... إن تمكن المورث، أو إن تمكن الموروث من أخذ ماله والمطالبة به فلم يأخذ، فلم يأخذه حتى مات، حتى مات، صارت المطالبة به للوارث في الآخرة كما هي كذلك في الدنيا. وإن لم يتمكن من طلبه وأخذه، بل حال بينه وبينه ظلمًا وعدوانًا، قال: فالطلب له في الآخرة». يعني إذا كان الظالم الغاصب عرض على صاحب الحق: خذ مالك يا أخي، العفو منك، سامحنا، خذ مالك، قال: لا، ما أريده، ما أريده، تأتي به يوم القيامة. فهنا يقول: ماذا؟ ليس لي... آه، ماذا؟ لي الذي غصب ماله الحق والمطالبة، وإنما ينتقل إلى من؟ إلى الورثة، فالورثة يطالبون، فإن لم يعطهم فلهم الحق أن يطالبوه بذلك يوم القيامة. وأما كما هو الحال عند الكثير من الظلم والغاصبين، أنهم يطالبون بإعادة الحقوق من قبل أهلها فيأبون، بل يذهب ويزور أوراقًا، يقول: هذه أوراقي، هذه وثائقي. انظر كيف آثر الدنيا على الآخرة، ورضي بهذا الشيء الزائل، ماذا مقابل ما ينتظره عند الله تبارك وتعالى في الآخرة؟ فهذا من أشد ما يكون. قال: «وهذا التفصيل من أحسن ما يقال، فإن المال إذا استهلكه الظالم على الموروث، وتعذر عليه أخذه منه، صار بمنزلة عبده الذي قتله قاتل، وداره التي أحرقها غيره، وطعامه وشرابه الذي أكله غيره وشربه غيره، ومثل هذا إنما تلف على الموروث لا على الوارث، فحق المطالبة لمن تلف على ملكه». قال: «بقي أن يقال: فإذا كان المال عقارًا أو أرضًا أو أعيانًا، والعقار هو المال الثابت، قد يكون بيتًا، قد يكون دارًا، قد يكون غيرها من الأشياء الثابتة التي لا يمكن نقلها، قال: أو أعيانًا قائمة باقية بعد الموت، كذهب، سيارة، وغيرها من الأشياء التي تبقى، ليست أكلًا أو شربًا يتلف ويذهب». قال: «فهي ملك للوارث» أي بعد موت المورث. قال: «يجب على الغاصب دفعها إليه كل وقت، فإذا لم يدفع إليه أعيان ماله استحق المطالبة بها عند الله كما يستحق المطالبة بها في الدنيا». قال: «وهذا سؤال قوي، وهذا سؤال قوي، لا مخلص منه إلا بأن يقال: المطالبة لهما جميعًا» أي للوارث وللمورث، أو ماذا؟ نعم للوارث، وهكذا أيضًا للمورث، فلصاحب المال، وهكذا لورثته من بعده. قال: «كما لو غصب مالًا مشتركًا بين جماعة، استحق كل منهم المطالبة بحقه منه، وكما لو استولى على وقف مرتّب على بطون، على بطون، أي على عدة جهات، فأبطل حق البطون كلهم منه، كانت المطالبة يوم القيامة لجميعهم، ولم يكن بعضهم أولى بها من بعض، والله أعلم». ومما ينبغي أن يعلم يا إخوان أن حقوق العباد مبنية على المشاحة، لا على المسامحة، مبنية على المشاحة، ومعنى المشاحة أي عدم التنازل وعدم المسامحة، كل مظلوم سيطالب بمظلمته. بخلاف الحقوق المتعلقة بالله عز وجل، فهذه يا إخوان مبنية على المسامحة. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم كان يعظ ويوصي أن من كان عنده مظلمة لأخيه فليتحلل منه اليوم، قبل أن لا يكون دينار ولا درهم، إنما هي الحسنات والسيئات، إنما هي الحسنات والسيئات. وصدق ربنا عز وجل إذ يقول: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾ [طه: 111]. خاب يا إخوان الذي يأتي يوم القيامة محملًا مظالم، هذا يقول: يا رب سفك دمي، وذاك يقول: يا رب ضربني، وذاك يقول: شتمني، وذاك يقول: أخذ مالي. الظلم يا إخوان كما أخبر عليه الصلاة والسلام أنه ظلمات يوم القيامة. فأسأل المولى تبارك وتعالى أن يحفظنا ويحفظ علينا ديننا، وأن يجنبنا المظالم والمصائب والفتن، ما ظهر منها وما بطن، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى اللهم على نبينا محمد، وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر