الدرس في تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 148، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح المقطع آية الاستفتاء المتعلقة بالنساء اليتامى، مبيناً تحريم ظلمهن في المهر والميراث ووجوب إعطاء المستضعفين من الأولاد حقوقهم كاملة. كما يحذر من أكل أموال اليتامى ظلماً ويذكر تردد الصحابة ونزول آية الإصلاح.
يوضح المقطع آداب مخالطة الأيتام في الطعام والشراب مع مراعاة العدل، ويؤكد أن كفالة اليتيم تشمل التربية على العقيدة والأخلاق وإدارة ماله بالعدل دون تعدٍ. ويستشهد بآيات قرآنية تأمر بالقيام على الأيتام بالقسط وحفظ أموالهم.
يؤكد المقطع وجوب العدل مع اليتامى وعدم محاباة الأصدقاء أو الأقارب في حقوقهم المالية أو الزوجية، مبيناً أن رعاية اليتيم من أعظم القربات التي وعد الله عليها بالأجر العظيم. كما يعمم الحث على الإحسان بكل أنواعه، سواء كان خيراً لازماً ك الصلاة أو متعدياً ك الصدقة، مستدلاً بآيات تؤكد علم الله بكل عمل خير.
تؤكد الآية أن الله عليم بكل خير يقوم به العبد، فيجازي عليه خيراً كان قليلاً أو كثيراً. كما أن الله يجازي كل عامل حسب عمله، سواء كان خيراً أو شراً.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاهما. بعد: كنا في تفسير قول الله جل وعلا: ﴿ وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ الَّلَاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ ﴾. فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: 127]. فهذه الآية كما ذكر المؤلف أن هذا استفتاء، طلب السائل من المسؤول بيان الحكم الشرعي في ذلك المسؤول عنه. فأخبر الله عز وجل عن المؤمنين أنهم يستفتون الرسول، فالله عز وجل أفتاه، وكفى بالله عز وجل شهيدًا وكذلك عليمًا سبحانه وتعالى. وذكر مسألة اليتيمة، قال الله: ﴿ الَّلَاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ ﴾، أن اليتيمة إذا كانت تحت ولاية الرجل يبخسها حقها، فإما أنه يرفض أن تتزوج لأجل أن يسيطر على مالها، أو أنه يتزوجها لأجل مالها ويبخسها في مهرها، ما يعطيها مهرها، ﴿ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ ﴾. ثم قال الله عز وجل: ﴿ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ ﴾، أي: ويفتيكم في المستضعفين من الولدان الصغار أن تعطوهم حقهم من الميرات وغيره، أن لا تظلموهم، تقولون: هؤلاء صغار لا يعلمون شيئًا. فالواجب أيضًا أن تعطوهم حقهم ولا تستولوا على أموالهم على وجه الظلم والاستبداد. قالوا: ﴿ أَن تَقُومُوا لِلْيَتَامَىٰ بِالْقِسْطِ ﴾، أي: بالعدل التام. وربنا جل وعلا حذر من هذا الباب من أمر أخذ أموال اليتامة ظلمًا بغير حق، وبيّن سبحانه وتعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَىٰ ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا ﴾ [النساء: 10]. ولهذا كان الصحابة رضي الله عنهم يتحرجون في أموال اليتامة، فأنزل الله عز وجل: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَىٰ قُلْ إِصْلَاحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ ﴾ [البقرة: 220]. وأنا حتى لو خالطوهم في الطعام والشراب، لكن كل شيء بحسبه، فليس أنكم تخالطوهم تأكلون من حقهم، أو أنكم تعطونهم من حقكم، فلكم أن تأكلوا من حقهم بالمعروف، أو تشتركوا في ذلك الطعام، أن يأخذ بقدر ما يأكلون ويأخذ من ماله أيضًا بقدر. وإن لم يكن معه الشيء فلا بأس أن يأكل من مال اليتيم بالمعروف. ﴿ وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ ﴾ في الدين، ﴿ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ ﴾ [البقرة: 220]، فالذي يريد أن يصلح مال اليتيم وأيضًا يحفظه، الله عز وجل أعلم بنيته، والذي يريد أن يستبد بهذا المال ويأكل منه من غير حسبان، فالله عز وجل أيضًا أعلم به. وهنا ربنا جل وعلا قال: ﴿ أَن تَقُومُوا لِلْيَتَامَىٰ بِالْقِسْطِ ﴾، قال: بالعدل التام. وهذا يشمل القيام عليهم بإلزامهم أمر الله وما أوجبه على عباده. أولاً: هذا أمر به من كان عنده يتيم في ولايته، أولاً يعلمه كتاب الله، ويعلمه العقيدة الصحيحة، ويعلمه سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فهذا من القيام باليتيم. ولهذا ذكر العلماء أن كفالة اليتام ليست فقط بالمال، ليس فقط بالمال، أنا وكافل اليتيم كهاتين. وكفالة الأيتام أولاً: كفالتهم بتربيتهم، كفالة التربية، والأمر الآخر: الكفالة بالمال، إما من عنده أو أنه يسعى، فالساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله، وأحسبه قال: كالقائم الذي لا يفتر، والصائم الذي لا يفتر. فلهذا فاليتام يحتاجون إلى عدل من أوليائهم، ﴿ أَن تَقُومُوا لِلْيَتَامَىٰ بِالْقِسْطِ ﴾، قال: فيكون الأولياء مكلفين لذلك، يلزمونهم بما أوجبه الله. فإذا كانت الولاية عندهم يلزمونهم أولاً بالصلاة، يعلموهم التوحيد وغير ذلك، أيضًا يربوهم على الفضيلة، على أخلاق الإسلام. قال: ويشمل القيام عليه في مصالحهم الدنيوية بتنمية أموالهم، وقال: بلا حظ لهم فيها، وأن لا يقربوها إلا بالتي هي أحسن، ﴿ وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾ [الأنعام: 152، الإسراء: 34]. وكذلك لا يحابون فيهم صديقًا ولا غيره، فلا يحابون، ولا أيضًا يتبرعون بماله لأنه ليس لهم، ولا يحابون أيضًا فيهم من ناحية الزواج وغيره. قال: ولا يحابون فيهم صديقًا ولا غيره في تزوج وغيره على وجه الهضم لحقوقهم، بمعنى يستحقرهم أو لا يعطيهم حقهم، فيأتي مثلًا صديق عنده يريد أن يتزوج منهتهضم وغيره حقها، أو هو نفسه يزوجها بعد بعض أولاده ويهضم وغيره حقها، فهذا خطأ. قال: وهذا من رحمة الله تعالى بعباده، حيث أوجب غاية الحث على القيام بمصالح من لا يقوم بمصلحة نفسه لضعفه وفقد أبيه. ولهذا جعل الله عز وجل أجره عظيمًا، الذي يقوم على اليتام ويحسن إليهم ويقوم بأموالهم وبتربيتهم، حتى جعله النبي صلى الله عليه وسلم معه في الجنة. قال: ثم حث على الإحسان عمومًا، فقال: ﴿ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا ﴾ [النساء: 127]. أي لليتام ولغيرهم، سواء كان الخير متعديًا أو لازمًا. هذا الخير سواء كان لازمًا، أي للعبد نفسه، فيحسن من عنده من اليتام ومن أبنائه على الخير، ويحسن نفسه كذلك. فالمتعدي الخير اللازم مثل الصلاة، لما يصلي هذا خير لازم لأنه لا يتعدى إلى غيره، وإن كان يتعدى إلى الأعمال الأخرى لكن إلى غيره لا يتعدى. أو خير متعدٍ من الأعمال الخيرة كالصدقات والهدايا والعطايا، وكذلك أيضًا المعونات بالجسد، وكذلك المعونة بالمال وغير ذلك التي تتعدى إلى غيره. ﴿ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ ﴾ أي: لليتام ولغيره، ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا ﴾، أي: قد حاط علمه بعمل العاملين للخير. وهذه الآية مثل قول الله عز وجل: ﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ﴾ [الزلزلة: 7-8]. فهنا نكر الخير، ﴿ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ ﴾ أي خير كان، ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا ﴾، فيجازيكم على ذلك الخير، فهو محيط بعمل العاملين للخير قلة وكثرة، حسنًا، وكذلك ضده، فيجازي كلا حسب عمله. هذا ما يذكر في هذه الآية، والله تعالى أعلم.