الدرس في تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 147، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
توضح الآية أن أحسن الدين يجمع بين إسلام الوجه لله والإحسان باتباع شريعة الله وملة إبراهيم حنيفًا. وتؤكد أن قبول العبادة مشروط بالإسلام مسبوقًا بالإخلاص والمتابعة كما فعل الصحابة في تعلقهم بالله.
الخلة هي أسمى درجات المحبة حيث يتوجه قلب العبد وجوارحه بالكامل لله دون منافس، وقد بلغها إبراهيم ومحمد عليهما السلام. ولا تنفي الخلة المحبات الطبيعية بل تجعل المحبة العظمى لله وحده.
المحبة العامة للمؤمنين تزداد بالطاعة، بينما الخلة مرتبة عليا اختص بها إبراهيم ومحمد عليهما السلام. وتقبل كرامات الأولياء فقط إذا وافقت الكتاب والسنة، محذرين من أفعال المشعوذين المخالفة للشرع.
النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه لم يتعمدوا الجلوس في الأماكن القذرة أو لبس الثياب الوسخة تقربًا للشياطين. وهذا السلوك ممنوع ومنهي عنه شرعًا.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال العلامة سعد رحمه الله تعالى عند قوله جل وعلا: ﴿فَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾. قال: أي لا أحد أحسن من دين من جمع بين الإخلاص للمعبود، وهو إسلام الوجه لله، الدال على استسلام القلب وتوجهه وإنابته وإخلاصه، وتوجه الوجه وسائر الأعضاء لله. ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ أي مخلصًا، ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ أي وهو متبع، كما قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: «وهو محسن» فقال المؤلف: أي مستسلم القلب وتوجهه وإنابته وإخلاصه، وتوجه الوجه وسائر الأعضاء لله، معنى قلبه وأعضاؤه كلها متوجهة إلى الله، معنى المراد به إخلاص العمل لله، إخلاص العمل لله، ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ أي متبع، كما قال المؤلف هنا. وقوله: ﴿وَهُوَ﴾ أي مع هذا الإخلاص والاستسلام ﴿مُحْسِنٌ﴾ أي متبع لشريعة الله التي أرسل الله بها رسله، وأنزل كتبه، وجعلها طريقًا لخواص خلقه وأتباعه. فهذه الآية جمعت شرطي قبول العبادة وميزاني العبادة، كما سماها بعض أهل العلم كالحافظ بن رجب. فالعبادة لها شروط حتى يقبلها الله: الإخلاص والمتابعة، وقبل ذلك الإسلام، أن يكون مسلمًا. ولهذا هنا قال: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ فهو مسلم، ومخلص لله جل وعلا، متوجه بأفعاله وأقواله لله، مستسلم إلى دين الله، مستسلم لله جل وعلا. فلهذا فالإسلام هو الاستسلام لله والخضوع إليه بالذل، وكذلك ترك الشرك أو البراءة من الشرك وأهله. وهذه الآية جمعت هذا الأمر: ﴿أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ مخلصًا إسلامه وعبادته وجوارحه التي تعمل كلها لله، ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ أي متبع لشريعة الله جل وعلا، لم يخالف شريعة الله. قال: ﴿وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ أي دينه وشرعته، ﴿حَنِيفًا﴾ أي مائلًا عن الشرك إلى التوحيد، وعن التوجه للخلق إلى الإقبال على الخالق. لا بد أيضًا أن يكون موحدًا، مثل ما كان إبراهيم نبي الله موحدًا، مائلًا عن الشرك إلى التوحيد، وعن التوجه للخلق إلى الإقبال على الله. وهذا حتى يكتمل دينه: إخلاص لله، ومتبع، وعلى شريعة التوحيد، أو على شريعة إبراهيم التي هي توحيد الله جل وعلا، فهو إمام الموحدين، إمام الموحدين. ثم أحين إليك: ﴿أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. أمر الله عز وجل نبيه الكريم أن يكون على عقيدة نبي الله إبراهيم، مائلًا من الشرك إلى التوحيد، ومن الإقبال على الخلق إلى الإقبال على الله سبحانه وتعالى، أي لا يتعلق بالخلق، لا يتعلق قلبه بالخلق، بل تعلقه بالله سبحانه وتعالى في كل صغيرة وكبيرة. ولهذا صار الصحابة رضي الله عنهم أفضل الناس بسبب تعلقهم بالله سبحانه وتعالى في كل شيء، حتى إن كان أحدهم ليسأل الله في شسع نعله، من شدة ارتباطهم بالله حتى يسأل الله في شسع النعل. قالت عائشة رضي الله عنها: «إن كان أحدهم يسأل الله عز وجل حتى الملح، حتى ملح البيت، يسأل الله سبحانه وتعالى أن يسر له هذا الملح». وهذا لشدة ارتباطهم بالله سبحانه وتعالى، وهذا إنما فوق ما كانوا يرجونه من الله عز وجل من أمور الآخرة. ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾. والخلة على أعلى أنواع المحبة، على ما ذكره العلماء، ذكره شيخ الإسلام، وفصل هذا الإمام ابن القيم في كتابه «روضة المحبين وجنة المشتاقين» - أو روضة المتقين وجنة المشتاقين، أو روضة المحبين وجنة المشتاقين - ألف كتاب سماه هذا العنوان، وذكر فيه أنواع المحبة، وذكرها أيضًا في كتابه «الجواب الكافي» لكن باختصار، وأسهب فيها وفسرها في «روضة المحبين». ذكر عشرة أنواع من أنواع المحبة: أولها الود، وآخرها الخلة. أولها الود، وآخرها الخلة. هذه كلها من أسماء المحبة، أنا أدخل فيها العلاقة، تعلق القلب بمحبوبه، وكذلك العشق الذي هو تعلق مع شهوة، كذلك التتيم الذي هو قصد القلب للمحب، إلى أن ذكر بعد ذلك الخلة، وهي عاشر وأعلى مراتب المحبة؛ لأن الخلة لا تجعل منافسًا في المحبة، لا تجعل هناك منافسًا للمحبة، يكون كما قال شاعر: لقد تخللت مني مسلك الروح والجسد ولذا سمي الخليل خليلا؛ أن الخلّة هي تعلق عظيم بالمحبوب حتى أنه تكون كالروح الواحدة، تكون كالروح الواحدة. هذا باب التشبيه، وإلا وإلا ليس هذا المعنى صحيحًا في مفردات؛ لا شك أن إبراهيم مخلوق، ونبي الله عليه الصلاة والسلام مخلوق، فروحهم ليس كروح الله جل وعلا، فهي روح تليق بجلاله وعظمته، وربنا جل وعلا سبحانه وتعالى أعظم من كل شيء وأكبر من كل شيء. لكن ربنا سبحانه وتعالى حول معنى الذي يتخذه من العباد خليلا، يجعل قصده كله لله، فتتوجه، يتوجه قلبه وجوارحه كلها لله، فليس لها شيء لغير الله. النبي عليه الصلاة والسلام قد بلغ هذه المرتبة العظيمة، أن أمره كله لله، حتى أمور الدنيا جعلها لله، جعلها لله سبحانه وتعالى، فهو يمشي برضى الله، أفعاله كلها رضى لله سبحانه وتعالى، فارتفع إلى هذه المنزلة العظيمة. ولهذا قال نبي الله صلى الله عليه وعلى وسلم: «ولو كنت متخذًا أحدًا من الخلق خليلا لاتخذت أبا بكر، ولكن صاحبكم خليل الله، ولكن صاحبكم خليل الله». وعن خلته لله جل وعلا فلم يجد مكانًا يجعل أحدًا خليلا آخر، ولو كان مخلوقًا، لأن قلبه كله توجه لله فلم يكن فيه فراغ لأحد. فلهذا قال: «لو كنت متخذًا خليلا لاتخذت أبا بكر، ولكن صاحبكم خليل الله». فلهذا فهذه المنزلة العظيمة لا يبلغها إلا من بلغه الله عز وجل إياها، وهو نبي الله إبراهيم، ونبي الله محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. إبراهيم بلغ هذه، ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾. معنى جعله خليلا: أن جعله من أحبه حبا عظيما، فكان توجهه كله لله، وصار خليل الله، أي صارت أعظم محبة، بل لا يجد أحد في قلبه إلا الله سبحانه وتعالى. وليس معنى ذلك أن لا يفهم ذلك أنه لا يحب أحد، لا، المراد المحبة الشرعية، المحبة التي يتعلق القلب بها بمعنى ما تجدها إلا لله. فقد يكون أيضًا القلب يحب النساء، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حُبِّبَ إِلَيَّ مِنْ دُنْيَاكُمُ الطِّيبُ وَالنِّسَاءُ، وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ». أنا قرة عين النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة، لكن المقصود به المحبة المعظمة والتي لا يجد لها فراغًا في أي وقت، معنى كل وقته وهو يذكر الله، سواء كان بلسانه أو بقلبه، وأيضًا كل أفعاله لله. ولهذا يرفع العبد، يرفع الله عز وجل العبد هذه المنزلة. ولهذا جاء في حديث الأولياء، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا». أنا هذا مقام عظيم، هذا إذا حب الله عز وجل العبد، ثم بعد ذلك يرقيه في مراق عظيمة، أن الله عز وجل يرقي العبد ويرفعه وهو يحبه. لكن ليست كل محبة سواء، الله عز وجل لا يحب عباده سواء كلهم، لا، فهناك مرتبة أعظم من مرتبة، فكلما زادت مرتبة العبد زادت منزلته عند الله عز وجل، حتى يصيره خليلا، حتى يصيره خليلا له. وهذه المنزلة لم يطلقها الله عز وجل إلا على نبي الله إبراهيم، وكذلك على نبيه الكريم محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فقال رحمه الله: والخلة على أعلى أنواع المحبة، وهذه المرتبة حصلت للخليلين محمد وإبراهيم عليهم الصلاة والسلام. وأما المحبة من الله فهي لعموم المؤمنين. وإنما اتخذ الله إبراهيم خليلا لأنه وفى بما أمر به، وقام بما ابتلي به، فجعله الله إماما للناس، واتخذه خليلا، ونوه بذكره في العالمين. فهذا الذي جعله الله عز وجل خليلا بسبب هذه الأسباب وغيرها. وأما محبة الله عز وجل فهي للمؤمنين، هي عامة، وكلما تقرب العبد إلى ربه كلما حبه أعظم، وكلما رفعه في منزلة المحبة. وهذا إذا كان العمل صحيحًا ومتبعًا. ولهذا تجد أهل التصوف يدعون المحبة وأعمالهم باطلة، يدعون المحبة وأعمالهم غير صحيحة، مخالفة للإسلام، مخالفة للدين. ولهذا اجتمعت كلمة أهل العلم على أن الكرامات التي تقع لأولياء الله ولخيرته من خلقه، إنما يعرض فيها حتى يميز أن هل هذه كرامة أم شعوذة وسحر، فتعرض أقواله وفعاله على الكتاب والسنة، فتعرض أقواله وفعاله على الكتاب والسنة. ولهذا قال الليث - إذا رأيتم الرجل يمشي على الماء فاعرضوا قوله على الكتاب والسنة. قال الشافعي رحمه الله: «قصر الليث»، قال: «إذا رأيتم الرجل يطير في الهواء ويمشي على الماء فاعرضوا قوله على الكتاب والسنة». ولهذا قال إمام الجماعة، هو الجنيد، أنا إمام جماعة التصوف لأنهم يثنون عليه ويعظمونه، قال: «نحن لا نقبل أحدًا إلا بشاهدين»، أنا لا نقول لأحد أنه ولي أو أنه كذا إلا بشاهدين: الكتاب والسنة. إذا كان متبعًا للكتاب والسنة فهذا نقول هذه كرامة له وولاية له. وأما إذا لم يكن متبعًا للكتاب والسنة فغالبًا تكون من شعوذة الشيطان، الشيطان ممكن يجعل الرجل يمشي على الماء، وهذا قد وقع، ممكن يطير. أنا كان بعض أولياء التصوف، ممن يستخدم السحر وغيره، كان يطير، يذهب من مكان إلى مكان طيرانًا، أن تأخذه الجن والشياطين. وإن كانت هذه الأفعال لم تكن في أولياء الله الذين هم متبعون إلا أحيانًا تكون كرامة لبعضهم، مثل ما حصل للعلاء الحضرمي، دخلت خيولهم البحر وخرجوا من المكان الثاني بخيولهم، فهذا تحصل لبعض الأولياء. لكن لا بد أن يعرض عمله على الكتاب والسنة، فإن كان من أهل الكتاب والسنة ومن المتبعين فهذه كرامة، وأما إن كان من هؤلاء المشعوذين، المشعوذين الذين يتركون الصلاة، والذين أيضًا ليس لهم هم إلا الجلوس في الخلوات، وأيضًا أماكن الزبالات، فهؤلاء ليسوا بأولياء أبدًا. ولم يكن النبي عليه الصلاة والسلام ولا أصحابه يفعلون ذلك، أنهم يجلسون في أماكن الزبالات والأماكن الوسخة، ويلبسون الثياب الوسخة، يتعمدون، ولو كان عنده مال لكن يلبس الوسخ قربة للشياطين والعياذ بالله. فهذا من يذكر في هذه الآية، والله تعالى أعلم.