الدرس في أعلام السنة المنشورة لاعتقاد الطائفة الناجية المنصورة 121، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يستعرض المقطع أدلة البعث مستدلاً بإحياء الله الأرض الميتة بالمطر كمثل حسي على القدرة، ويذكر حديث لقيط بن عامر الطويل مع التنبيه إلى ضعفه. ثم ينتقل لذكر أحاديث صحيحة منها حديث أبي هريرة القدسي كدليل قاطع من السنة على البعث.
يورد المقطع الحديث القدسي الذي يرد على تكذيب الإنسان بإعادة الخلق مؤكداً أن الإعادة أهون من الابتداء. ويبين حديث عجب الذنب أن هذا العظم لا تأكله الأرض ويُركب منه الإنسان يوم القيامة مستثنياً الأنبياء، ويذكر حديث الأربعين بين النفختين.
يوضح المقطع أن بين نفختي الصعق والبعث فترة قدرها أربعون ثم ينزل الله ماءً من السماء فتنبت الأجساد من عجب الذنب كنبات البقل. وتكون نفخة البعث الثانية فيقوم الناس ينظرون موافقاً لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾.
يختتم المتحدث بالتأكيد على أن الأحاديث الصحيحة الثلاثة المذكورة تغني عن الحديث الضعيف الذي أورده المؤلف مشيراً إلى كثرة أدلة السنة. ثم يختم بالحمد لله وشكر المشاهدين على المتابعة.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فوقفنا عند السؤال مئة وعشرة: ما دليل البعث من القبور؟ وأخذنا في الدرس الماضي ما ذكره المؤلف من أدلة ذلك في الكتاب، ثم قال رحمه الله تعالى: وكثيراً ما يضرب الله تعالى لذلك مثلاً بإحيائه الأرض بالماء، فتصبح تهتز مخضرة بالنبات بعد موتها بالجذب، إذ كانت قبل هامدة. قد ذكرنا أنه من الأدلة الحسية ما نراه من إنبات هذه الأرض، فالذي قدر على إنبات هذه المخلوقات من غير خلق سابق، فلأن يخلق أو يبعث هذا الإنسان بعد موته أهون عليه سبحانه وتعالى. قال: وبذلك ضرب النبي صلى الله عليه وسلم المثل في حديث العقيل الطويل، حيث قال: «ولعمر إلهك ما يدع على ظهرها من مصرع قتيل». وهذا مثل عمر الله، فهو قسم بالله سبحانه وتعالى، فإن الإله من أسمائه. قال: «ما يدع على ظهرها من مصرع قتيل»، يعني على ظهر هذه الأرض، «ولا مدفن ميت إلا شقت عنه القبر حتى تخلقه من قبل رأسه فيستوي جالساً، يقول: ربك مهيم؟» أي: ما أمرك وما شأنك؟ لما كان منه يقول: «ربي، أمسي اليوم؟» لعهده بالحياة يحسبه حديثاً بأهله، يعني يقول: كأنني الآن وضعت في هذا القبر، يعني أن عهده بالحياة قريب، كأنه كان عند أهله. قلت: يا رسول الله، كيف يجمعنا بعدما تمزقنا الرياح والبلى والسباع؟ قال: «أُنبئك بمثل ذلك في آلاء الله»، يعني في مخلوقات الله ونعمه. «قال: الأرض أشرفت عليها وهي في مدرة بالية»، يعني تمر على القرية خالية أو تمر على قطعة أرض بالية ميتة، «فقلت: لا تحيى أبداً، فأرسل الله عليها السماء»، يعني المطر، «فلم تلبث عنها إلا أياماً حتى أشرفت عليها فإذا هي مشربة واحدة»، يعني صارت قد شربت هذا الماء فأنبتت. «ولعمر إلهك لهو أقدر على أن يجمعكم من الماء على أن يجمع نبات الأرض، فتخرجون من الأصواء من مصارعكم». والأصواء يعني القبور، تخرجون من القبور من مصارعكم. فضرب هذا المثال، ولكن الحديث ومن حديث لقيط بن عامر ضعفه العلامة الألباني في «ظلال الجنة» في تخريج السنة كما ذكر ذلك المعلق، ولكن جاءت أحاديث أخرى من السنة فيها دليل البعث، ولم يذكر المؤلف شيئاً من هذه الأدلة الأخرى. نعم، فلا بأس أن نذكر شيئاً من السنة، هذه الأحاديث فيها دليل البعث من القبور. فمن ذلك حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: قال الله تعالى، أي حديث قدسي. والحديث القدسي لا يعد من القرآن، هو كلام الله لكنه ليس مثل القرآن، فلا يتعبد الله عز وجل بتلاوته كتعبد المسلم بتلاوة القرآن. فقال النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث القدسي: «قال الله: كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك. قال: فأما تكذيبه إياي فقوله: لن يعيدني كما بدأني، وليس الأول أو ليس أول الخلق لأهون علي من إعادته. وأما شتمه إياي فقوله: اتخذ الله ولد، وأنا الأحد الصمد، لم ألد ولم أولد، ولم يكن لي كفوا أحد». والحديث رواه البخاري، والشاهد منه قوله سبحانه وتعالى في هذا الحديث: «وليس الأول الخلق بأهون علي من إعادته»، فهو بمعنى قول الله عز وجل: ﴿وَهُوَ الَّذِي بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾، وهو أهون عليه. وأيضاً من تلك الأحاديث التي فيها دليل البعث ما جاء أيضاً في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن في الإنسان عظماً لا تأكله الأرض أبداً، فيه يركب يوم القيامة». قالوا: أي عظم هو يا رسول الله؟ فقال: «عجب الذنب». متفق عليه. وفي رواية: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «كل ابن آدم يأكله التراب إلا عجب الذنب»، إلا عجب الذنب بسكون الجيم، «عجب الذنب، منه خلق وفيه يركب». رواه البخاري. وعجب الذنب هو العظم اللطيف الذي في أسفل الصلب، وهو رأس العصعص، أسفل شيء فيما يسمى بالعمود الفقري، وعندنا يسمونه العصعص. نعم، فهذا هو عجب الذنب، هذا لا تأكله الأرض، لا تأكله الأرض، مثل النبتة التي تضعها في الأرض فإذا نزل على الأرض الماء نبتت. وهذا العظم اللطيف لا تأكله الأرض، يبقى. كل شيء يبلى في الإنسان إذا صارت له مدة طويلة في قبره يتحلل، وكذلك تأكل الأرض جسده إلا هذا العظم يبقى. فإذا كان يوم القيامة يوم البعث نبت هذا الإنسان من هذا العظم، كما أن أول ما خلق هذا الإنسان خلق من هذا العظم، بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «منه خلق» أي أولاً، «وفيه يركب» أي آخراً في البعث، في البعث. وقوله: «كل ابن آدم يأكله التراب»، هذا العموم عموم كل مخصوص بحديث آخر، وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام حرم الله على الأرض أجسادهم». فيخرج من هذا العموم الأنبياء، فإن الأرض لا تأكل أجسادهم، فإن الأرض لا تأكل أجسادهم، فتبقى أجسادهم كما هي، لا تأكلها الأرض، لا تأكلها الأرض. فالشاهد من هذا أن الإنسان يبعث من هذا العظم، ففيه إثبات البعث من السنة. وأيضاً من أحاديث السنة ما جاء عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «ما بين النفختين أربعون». والمراد بالنفختين نفختي الصعق والبعث، بينهما أربعون. فقالوا لأبي هريرة: يا أبا هريرة. الصحابة لما سمعوا ذلك من أبي هريرة قالوا: يا أبا هريرة، أربعون يوماً؟ قال: أبيت. قالوا: أربعون شهراً؟ قال: أبيت. قالوا: أربعون سنة؟ قال: أبيت. ثم قال: «ثم ينزل الله من السماء ماءً فينبتون كما ينبت البقل»، فينبتون كما ينبت البقل. قال: «وليس من الإنسان شيء إلا يبلى إلا عظماً واحداً وهو عجب الذنب، ومنه يركب الخلق يوم القيامة». متفق عليه. وقوله: «أبيت»، فسر العلماء قول أبي هريرة هذا أنه كان عنده من ذلك علم، يعلم أبو هريرة كم بين النفختين من زمن، أهو باليوم أو الشهر أو السنة، يعلم ذلك لكن امتنع من ذكر ذلك للصحابة ومن بثه، لأن هذا السؤال لا تستدعي إليه الحاجة، لا تستدعي إليه الحاجة، ولا يتعلق به عمل، ولا يتعلق به عمل. فلذلك رأى أن هذا من العلم الذي ليس وراءه كبير فائدة، ليس وراءه كبير فائدة، فأبى، أبى أن يخبر الصحابة رضي الله تعالى عنهم بهذا الزمن، بهذا الزمن. هذا وجه ذكره أهل العلم وهو أقوى الأوجه، وذكروا وجه آخر في قوله: «أبيت»، أي: أبيت أن أسأل عن ذلك رسول الله، يعني ذكر ذلك الرسول، فأبيت أن أسأل عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وعلى آله وصحبه وسلم. وعلى هذا فهو لا يعلم، لا يعلم ماذا هذا الزمن، لا يعلم هذا الزمن، وإنما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أربعين مطلقاً ولم يسأل أبو هريرة الرسول صلى الله عليه وسلم. لكن الأول هو الأوفق لذكر الحديث والله تعالى أعلم. فإذا الشاهد من هذا الحديث قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «ثم ينزل الله من السماء ماء»، أي بعد النفخة الأولى، نفخة الصعق، ينزل الله عز وجل ماء فينبتون، أي من في القبور ينبتون كما ينبت البقل. هذا تشبيه كما ينبت البقل من الأرض، ثم بعد ذلك تكون صعقة أو تكون نفخة البعث، ثم بعد ذلك تكون نفخة البعث. فهذا فيه دليل واضح على إثبات البعث من القبور في يوم القيامة، وهذا معنى قول الله عز وجل: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾. الأخرى هذه نفخة البعث، والأولى نفخة الصعق. ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾، فبعد أن يصعق الكل ينزل الله عز وجل من السماء ماء فينبتون كما ينبت البقل، ثم تكون نفخة البعث، ثم تكون نفخة البعث. فهذا لشك فيه موافق للقرآن، وفيه إثبات للبعث من القبور من السنة. ففي هذه الأحاديث الصحيحة غنية عما ذكره المؤلف من ذلكم الحديث الضعيف، وأدلة السنة كذلك كثيرة وكثيرة، ولكن حسبنا ما ذكرنا وألمحنا إليه في هذه الأحاديث الثلاثة، نكتفي بهذا. وإلى هنا والحمد لله، ربنا شكرا للمشاهدة.