الدرس في شرح كتاب التبيان في آداب حملة القرآن 26، ألقاها الشيخ عبدالرحمن بن مرعي العدني
يؤكد الشرح على وجوب حرص حامل القرآن وطالب العلم على التعلم المستمر وعدم الاكتفاء بالقليل مع القدرة على الكثير. يستعرض نماذج من سلف الأمة في اغتنام كل لحظة للعلم حتى في أوقات المشي والضرورات، مع التنبيه إلى التدرج في الطلب تجنباً للانقطاع.
يحذر المقطع من إرهاق النفس فوق طاقتها في طلب العلم خشية الانقطاع، مستشهداً بوصية النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمرو بن العاص بالتوسط في العبادة. ويؤكد ضرورة إجمام النفس بتنوع المطالعة والراحة، مع الصبر على ملازمة مجالس العلماء في أوقات نشاطهم.
يبيّن المقطع آداب الطالب عند عدم وجود شيخه فينتظره ولا يفوت وردَه اليومي، ولا يستأذن عليه إذا كان نائماً أو مشغولاً اقتداءً بابن عباس. ويؤكد على اغتنام أوقات الشباب والفراغ والصحة والأمن قبل فواتها، مستشهداً بقول عمر: «تفقهوا قبل أن تسودوا»، وينصح باختيار مواضع العزلة القليلة الشواغل للحفظ والتحصيل.
يشير المقطع إلى أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يسعون لطلب العلم حتى في مراحل العمر المتقدمة. ويختتم بالدعاء بالتوفيق للجميع مع الإشارة إلى أن الترجمة من عمل نانسي قنقر.
موقع دار الحديث بالفيوم يقدم هذه المادة: شرح كتاب التبيان في آداب حملة القرآن للإمام النووي عليه رحمة الله، شرح فضيلة شيخنا العلامة عبد الرحمن بن مرعي العدني رحمه الله تعالى. الله رحمه الله. الحمد لله، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، فنعم، لازلنا في هذا الفصل الذي فيه أمور مهمة. قال: «من أدابه المتأكد أن يكون حريصا على التعلم، مواظما عليه في جميع الأوقات التي يتمكن منه فيها، ولا يقنع بالقليل مع تمكنه من الكثير». نعم، العلم ميراث الأنبياء، وكل من قدر على أن يستكثر من ميراث النبي صلى الله عليه وسلم ثم يترك مع قدرته فهذا مفرط. العلم ميراث النبي صلى الله عليه وسلم، فمن يستكثر من هذا الميراث فهو الرابح، ومن ترك الاستكثار منه مع قدرته فهو الخاسر. فإذا السلامة ليست بالأمان، هذا شيء عظيم تصل إليه، فيحتاج إلى كبر الهمة، ويحتاج إلى الحرص والجد والاجتهاد. وكما ذكر المصنف رحمه الله: اغتنام ما تيسر من الأوقات. إذا كان الطالب كذلك فإنه يصل إلى شيء ولو بعد حين، أما إذا ضعفت الهمة وأهمل عن استفادة الأوقات فإنه لا يصل إلى شيء. لا بد أن يكون عند الطالب هدف، لا بد أن يكون عند الطالب هدف يريد أن يصل إليه، فكلما كان الهدف مرتفعا كلما كان مطالبا بأن يكون كبير الهمة، وأن يكون عظيم الاعتناء بالوقت. لا بد أن يكون عند الطالب هدف، حتى في الأمور الدنيوية تكون عندهم أهداف يمشون خطوات حتى يصلوا إليها، فإذا كان عندك هدف فليكن الهدف مرتفعا، وليكن جدك واجتهادك عظيما، فإنك تمشي خطوات، اليوم شيء ويوم مثله، من نكت العلم التي تلتقط يحصل المجموع بها حكمة، وإنما السيل اجتماع النقط. فهكذا ينبغي لطالب العلم، كما ذكر المصنف: مواظبا عليه في جميع الأوقات التي يتمكن منه فيها. كان سلفنا الصالح على جانب عظيم من الاهتمام بالوقت وانشغاله في الطلب. فهذا الخطيب البغدادي، وهذا الإمام النووي، وهذا الإمام ثعلب إمام اللغة والأدب، وهذا عدد من الأئمة، من حرصهم على الوقت كانوا يمشون وفي أيديهم أجزاء يطالعونها، كانوا يمشون في الطرقات وفي أيديهم أجزاء يطالعونها من حرصهم على الوقت، ألا يذهب عليهم الوقت سدى. حتى هو الطالب متجه إلى المسجد، راجع من المسجد، متجه إلى وليمة، ماشيا إلى سوق، فكانوا يحرصون على أن تكون في أيديهم أجزاء أو كتب يطالعون فيها في هذا الوقت. بل أعظم من هذا، بل أعظم من هذا ما ذكر ابن أبي حاتم، الإمام ابن الإمام، قالوا: «كنت أقرأ على أبي وهو جالس، وهو يمشي، وهو يقرأ، وهو في بيت الخلاء، كان يقرأ على أبيه في جميع الأوقات». انظروا كيف انتهاز الأوقات والاستفادة من الفرص. أبو إمام عالم، والعلم واسع، لو لم يقرأ على أبيه ويستفد من أبيه إلا في أوقات رسمية لعله لا يأخذ من أبيه ما يريده. كان يقرأ على أبيه وهو يقرأ، أبوه يقرأ وهو يقرأ عليه بعض الكتب، وهو يكتب، وهو يمشي، وهو جالس، وهو في بيت الخلاء، يدخل الأب الحمام والولد يأخذ جزءا يقرأ على أبيه، ويقول: «قد قرأت على أبي هذا الجزء». بل أيضا الإمام المجد بن تيمية صاحب المنطقة، كان إذا دخل بيت الخلاء دفع إلى ولده الكتاب وقال: «اقرأ في هذا الكتاب وارفع صوتك، اقرأ في هذا الكتاب وارفع صوتك». انظروا إخواني إلى مبلغ الاهتمام والحرص على اغتنام الأوقات، وأن لا تذهب الدقائق. بهذا الاهتمام بالوقت استطاعوا، بفضل الله تبارك وتعالى، أن ينتجوا وأن ينفعوا وأن ينشروا العلم، تعبوا في تحصيله وتعبوا في تبليغه ونشره، فبارك الله لهم. فكذلك ينبغي لطالب العلم أن يعتني بالوقت. حتى من مبلغ اهتمام علمائنا بالوقت أنهم يبخلون على أنفسهم أن تذهب الأوقات في الأمور الضرورية، في إيش؟ في الأمور الضرورية في الطعام والشراب، بل في دخول بيت الخلاء. كان الشمس الأصبهاني أحد الكبار الذين يعظمهم شيخ الإسلام ابن تيمية، كان يقلل من الطعام، قال: يعني يخاف إذا أكثر من الطعام أنه يحتاج كثيرا إلى الحمام فيضيع عليه الوقت. يقلل من الطعام حتى لا يحتاج إلى كثرة الدخول إلى الحمام، حتى لا يذهب عليه الوقت. وأحد العلماء هو والد إمام الحرمين قال: «إني لأختار سف الكعك وتحسيه بالماء على الخبز لما بينهما من تفاوت المضغ». إني لأختار سف الكعك، أنه يعني كما نقول يفتت هذا الكعك ويبتلعه افتلاعا مع الماء، يقدم هذه الوجبة على مضغ الخبز لما بينهما من تفاوت المضغ، يعني هذا أسرع. والخليل بن أحمد الفراهيدي منشئ علم العروض هو القائل: «أثقل الساعات علي ساعة آكل فيها، أثقل الساعات علي ساعة آكل فيها». قال: «وَلَا يَقْنَعَ بِالْقَلِيْلِ مَعَ تَمَكُّنِهِ مِنَ الْكَثِيْرِ». ولا يحمل نفسه ما لا يطيق. نعم، المبالغة قد تؤدي إلى الانقطاع، المبالغة في ذلك قد يؤدي إلى الانقطاع لمن لم تتهيأ نفسه للمبالغة. هؤلاء لإما درجوا على الحرص واعتادوا عليه وتمرنوا وترقوا فيه درجات حتى وصلوا إلى مثل هذه القمم العالية. أما الطالب المتأخر فيبغي أن يخوض في العلم قليلا قليلا حتى بإذن الله سبحانه وتعالى يستمر. أما أنه في أول الطلب يذهب يرهق نفسه فوق الطاقة ويكلف نفسه ما لا تطيق، فإنه يخشى عليه الانقطاع. وفي الحديث الذي لا يصح: «إن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى». إن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى. الذي يكلف بعيره مثلا وهو في سفر ويخبط البعير أو البغل أو الفرس أو الحمار الذي يسافر عليه، يضربه ضربا ويريد أن يصل من فرعة، قيل: «إن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى». بهذه الطريقة سيؤدي إلى حصول الإعياء لهذه الدابة، بدلا من أن يقطع السفر في يومين فإنه سيضطر أن يصل في أربعة أيام. وهكذا وهكذا الذي يكلف نفسه فوق الطاقة مع عدم تمرنه. إلا إنا حقيقة الذي يقف على تراجمهم ويطلع على أمورهم وأحوالهم يجد أنهم بذلوا وأنهم ضحوا وأنهم فعلوا الأمور العظيمة التي تكاد تكون كالخيال. ابن أبي حاتم يقول: «دخلت مصر وكنا ندور في النهار على الشيوخ ونجعل الليل للمقابلة والنسخ، فأتينا مجلسا لأحد الشيوخ فقيل لنا إنه عالم مريض، فرجعنا، فوجدنا في طريقنا سمكة، قال: اشتريناها، ما أن وصلنا إلى البيت قال: حتى حضر وقت درس، فذهبنا، قال: فجلسنا ثلاثة أيام حتى تغيرت السمكة وكادت أن تفسد، ما وجدنا وقتا لشوي هذه السمكة فأكلوها نيئة أو كما قال». ثم قال رحمه الله: «لا يستطاع العلم براحة الجسد». ما وجدوا فرصة لشوي هذه السمكة وكادت تتغير، لا يستطاع العلم براحة الجسد. والإمام مسلم رحمه الله ذكر هذا الأثر في صحيحه في باب المواقيت عن يحيى بن أبي كثير، ساق أسانيد حديث المواقيت وأحسن وتفنن في سياق الأسانيد وذكر الألفاظ والمتون، ثم فجأة يقول: «قال يحيى: حدثنا عن فلان عن يحيى بن أبي كثير قال: لا يستطاع العلم براحة الجسد». قال العلماء: ما مناسبة هذا الأثر في هذا الباب، باب المواقيت؟ قال العلماء: المقصود يريد أن ينبه الطالب أنه لا يستطيع الطالب أن يصل إلى التمكن وإلى الإفادة وإلى الوصول إلى هذا الخير إلا بإتعاب النفس، لا يستطاع العلم براحة الجسد. فهكذا يقول: «وَلَا يُحَمِّلْ نَفْسَهُ مَا لاَ يُطِيقُ» مخافة من الملل، فيضيع ما حصل. نعم، تحتاج النفس إلى ترويض، وتحتاج إلى مدارة نفسك التي بين جنبيك، تحتاج إلى مدارة كما أن من حولك يحتاج إلى مدارة، وأسرتك تحتاج إلى مدارة، وزملاؤك أيضا، نفسك تحتاج إلى مدارة، إن لم تداري نفسك لعلك تخسر نفسك. ولهذا ينصح العلماء بما يسمى بإجمام النفس، أنه يعطيها أوقاتا للراحة، يعطيها أوقاتا للراحة، فلا يكلف نفسه فوق الطاقة، سواء كان في العبادات البدنية كالصلاة والصوم وتلاوة القرآن، لا يكلف الإنسان نفسه فوق طاقته. والدليل على ذلك ما يعرف أكثركم من قصة عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: إنه يصوم الدهر، وأنه يصوم، وأنه يقوم الليل كله، وأنه يقرأ القرآن في كل ليلة. دعاه النبي عليه الصلاة والسلام، قال: «أنت الذي قلت كذا وكذا؟» قال: أجل يا رسول الله. قال: «لا، إنك لا تستطيع ذلك، صم وأفطر، ونم وقم، واقرأ القرآن في كل شهر». وما أراد إلا الخير، أراد أن يصوم في كل يوم، وأن يتهجد في الليلة كلها حتى الفجر، وأن يقرأ القرآن في اليوم مرة، يختم في اليوم مرة. قال: «لا تستطيع ذلك، صم وأفطر، ونم وقم، ويقرأ القرآن في كل شهر». قال: يا رسول الله إني أجد قوة. قال: «صم يوما وأفطر يومين». قال: يا رسول الله أجد قوة. قال: «صم يوما وأفطر يوما». قال: يا رسول الله أجد قوة. قال: «لا صوما فوق صوم أخي داود عليه السلام، صوم يوما وأفطر يوما». وقال له: «نم وقم»، يعني لا تقم الليلة كلها. وقال له في بعض الروايات خارج الصحيح: «يقرؤه في كل ثلاث، ولا يفقه القرآن من قرأه في أقل من ثلاث، لا يفقه القرآن من قرأه في أقل من ثلاث». وفي بعض الروايات في هذا الحديث التعليل: «فإن لجسدك عليك حقا، وإن لعينك عليك حقا، وإن لزوجك عليك حقا، وإن لزورك عليك حقا، فأعطي كل ذي حق حقه». وهكذا طالب العلم يحتاج أن يستروح إذا شعر بالتعب والملل، بكتب هي خفيفة عليه، يقرأ في كتب التراجم، يقرأ في كتب التاريخ، يقرأ في كتب الأنساب، يقرأ في ما يسمى بالثقافات العامة، مسائل متنوعة من مسائل العلم، فهذا فيه التخفيف وإذهاب الملل عن طالب العلم. قال رحمه الله: «وهذا يختلف باختلاف الناس والأحوال». نعم، ما يستوي بعضهم، ما شاء الله يوفق إلى الحزم والجد والاجتهاد في حياته وفي أوقاته حتى يتوفاه الله سبحانه وتعالى، وبعضهم، وبعضهم الأكثر، يعني ليسوا كذلك، بل نحن حيانا نقبل وحيانا ندبر. فصدق النبي صلى الله عليه وسلم حيث يقول: «كنا لكل عمل شرة، ولكل شرة فترة، فمن كانت فترته إلى سنتي فقد اهتدى، ومن كانت فترته إلى غير ذلك فقد هلك». فالإنسان يأخذ في أوقات النشاط ما يكون عوضا له في أوقات الفتور والكسل. قال رحمه الله: «وإذا جاء إلى مجلس الشيخ فلم يجده انتظره ولازم بابه، ولا يفوت وظيفته، إلا أن يخاف كراهة الشيخ لذلك، بأن يعلم من حاله أنه يقرأ في وقت بعينه وأنه لا يقرأ في غيره». يقول: إذا جاء ونحن في باب علم القرآن، قال: «وإذا جاء إلى مجلس الشيخ فلم يجده انتظره ولازم بابه، ولا يفوت وظيفته»، يعني يقصد إذا كنت تقرأ على الشيخ المعلم في كل يوم مثلا نصف جزء، جئت إلى بيته فلم تجده، لا تفوت هذا اليوم، تقول: الشيخ غير موجود إذن أنا أنصرف. يقول: لا، فلم يجده انتظره ولازم بابه، ولا يفوت وظيفته، يعني إذا كان عنده مقدار يومي يقرأ على الشيخ فلا يفوت هذا المقدار، يحرص على أن يكون له هذا الورد أو هذا المقدار يوميا. ولو قيل: الشيخ غير موجود، لا ينصرف، ينتظر، إلا أن يخاف كراهة الشيخ لذلك، بأن يعلم من حاله الإقراء في وقت بعينه وأنه لا يقرأ في غيره. فإن كان يعلم أن الشيخ قد رتب أوقاته، عنده وقت للإقراء، وقت للمذاكرة، وقت للنوم، وقت للتجارة، فإذا كان الشيخ يكره أن يأتي بعد ساعة ويجد الطالب على بابه ويكره، يقول: «أنا ما أقرأ إلا من الساعة الفلانية إلى الساعة الفلانية، واليوم حصل لي شغل، إذن فات وقت الإقراء»، قد يغضب على الطالب، لا يفعل هذا. أما إذا كان لا يعلم من الشيخ الغضب فإنه لا يفوت على نفسه الفرصة. وهذا كله من باب يعني ماذا؟ الاستمرار في الطلب والاستمرار في التحصيل. قالوا: «إذا وجد الشيخ نائما أو مشتغلا بمهم لم يستأذن عليه، بل يصبر إلى الاستيقاظ وفراغ، أو ينصرف، والصبر أولى». إذا كان الشيخ نائما أو منشغلا بمهم لم يستأذن عليه، قال: «كما كان ابن عباس رضي الله عنهما وغيره يفعلون». وهذا تقدم في دروس الماضية، يعني ما تعرفون عن ابن عباس أنه كان إذا سمع بالحديث بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم عند الرجل يأتي بابه، فيعرف أنه قائل، في توسد رداءه ويبقى على بابه، تأتي الريح في وجهه الأتربة وغير ذلك، فيخرج الرجل فيقول: «ما لك يا ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ هلا أرسلت إلي حتى آتيك». يقول: «لا، أنا أحق أن آتيك». يقول في بعض الروايات: «ولو شئت لأذنت لي لأذنت علي، ولكن أريد طيبة نفسه». فإذا وجده نائما أو منشغلا بمهم لم يستأذن، إنما يصبر إلى أن يستيقظ أو ينصرف، والصبر أولى. قالوا: «ينبغي أن يأخذ نفسه بالاجتهاد في التحصيل في وقت الفراغ والنشاط وقوة البدن ونباهة الخاطر وقلة الشواغل، وقبل عوارض البطالة وارتفاع المنزلة». فقد قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «تفقهوا قبل أن تسودوا». نعم، ينبغي لطالبي العلم أن يأخذ نفسه بالاجتهاد في التحصيل في وقت الفراغ والنشاط وقوة البدن، كما تقدم، يعني وقت الشباب ينبغي أن يستغله الطالب، ووقت الفراغ ينبغي أن يستغله الطالب، في وقت الأمن وهدوء الأحوال ينبغي أن يستغله الطالب. إن الفراغ يعقبه في غالب الشغل، والصحة يعقبها في غالب السقم، والأمن قد تذهب نعمة الأمن ويعقبها الخوف، الفتن والقلاقل والاضطرابات. وهكذا الشباب يولي وتأتي الشيخوخة وأمراضها وأوجاعها ومشاغلها. فهكذا كما قال الشاعر: إذا هبت رياحك فاغتنمها *** فإن لكل عاصفة سكونة إذا هبت رياحك فاغتنمها *** فإن لكل عاصفة سكونة فينبغي هكذا لطالب العلم أن يقتنص هذه الفرص وأن يستفيد من هذه المنح، وأن يقبل ويجد ويجتهد إذا تهيئت له الأسباب. أعطاه الله صحة في البدن، أعطاه الله فراغا في الوقت، أعطاه الله أمنا في الديار، أعطاه الله تهيئة في الأسباب، فلماذا يتقاعس؟ فمن قالت له أسرته: اذهب في طلب العلم، فإنك وقف، أنت في سبيل الله، ما نريد منك وظيفة ولا معاشا ولا مساعدة، لا يقول: أنا يعني... يعني مثل الملول، سيطلب العلم قليلا قليلا ويطلب ويترك. لا، سبحان الله، ممكن تتغير أحوالهم، ممكن تحصل لك شواغل، تحصل لك عوارض وعوائق. فهكذا ينبغي للطالب أن يستغل، أن يستغل هذه الفرص، وأن يبحث عن الأوقات المناسبة. ولهذا ينصح العلماء مثلا في باب الحفظ: لا يذهب يختار أماكن الخضرة، خضرة النبات، ومحل جري الجداول والأنهار، أو أطراف الطريق ليطلب العلم أو يحفظ المتون. لا، هذه الأماكن الغالب أنها تؤدي إلى حصول الانشغال، ما يحصل معها فراغ القلب، ينصرف عن زملائه ويذهب إلى مزرعة بطيورها ونغماتها ومائها وحلاوة منظرها، ويقول: أنا أتفرد لحفظ المتون، لا يستطيع. ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه. لكن يختار أماكن العزلة والانفراد التي قليلة الشواغل. فهكذا بارك الله فيكم ينبغي لطالب العلم أن يكون كذلك. قال: «قبل عوارض البطالة وارتفاع المنزلة». سبحان الله، حتى من العوارض والعوائق ليس ضعة المنزلة وليس الفقر، لا، ارتفاع المنزلة والغنى ممكن يكون من العوارض لطالب العلم. لا يخاف الطالب يقول: أنا لعلي أعيش على أيام أكون في فقر مدقع، لا، ممكن يحصل العكس، تأتي على أيام وأنت في غنى مطغي، وأنت في منزلة رفيعة، وأنت يعني قد احتيج إليك. قال عمر رضي الله عنه: «تفقه قبل أن تسود»، قبل أن تسود بالزواج، قبل أن تسود بالوظيفة العالية، كأن يكون عالما مبرزا أو قاضيا كبيرا أو مسؤولا أو كذا. قال: «تفقه قبل أن تسود». قال البخاري: «وبعد أن تسودوا». قد لو ابتليت بالسيادة فلا يمنع كذلك من المواصلة في التحصيل والطلب. قد طلب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم العلم في كبر سنهم. والفق الله الجميع. إلى هنا والحمد لله. ترجمة نانسي قنقر