الدرس في التعليق على رسالة ابن القيم إلى أحد إخوانه 13، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يبيّن المقطع أن العبد مهما اجتهد في العبادة يبقى مقصرًا في حق الله لعظمة جلاله، وأن الواجب سد فراغ التقصير بالمواظبة على الطاعات القليلة الدائمة خوفًا من حبط الأعمال. ويستدل بأحوال السلف الذين ملؤوا أوقاتهم بالطاعة، وبمقارنة تعظيم عبيد الدنيا لملوكهم بما يستحقه خالق السماوات والأرض من تعظيم وعبودية تامة.
يروي المقطع قصة عابد من بني إسرائيل عبد الله تسعين سنة، لكن عمله خفّ مقابل نعمة البصر وحدها، مما يبين عجز العبد عن أداء حق الله كاملاً. ويؤكد على اقتداء النبي صلى الله عليه وسلم في التواضع والشكر، وأن الواجب على المؤمن الاعتراف بالتقصير، والاستغفار، وطلب القبول لا المطالبة بالثواب استحقاقاً.
يبيّن المقطع أن العبد الحقيقي هو عبد الله وحده، وأن أي ثواب أو نعمة منه سبحانه هي فضل وإحسان لا استحقاق، مستدلاً بأحاديث في دخول الجنة بالرحمة لا بالعمل، وأثر أنس بن مالك في استيفاء النعم للحسنات. ويختتم بأربعة أصول للنجاة: نية صحيحة (إخلاص)، قوة علمية وعملية، ورغبة ورهبة (خوف ورجاء)، وأن كل تقصير ينبع من نقص في أحد هذه الأركان.
يختتم المتحدث رسالة الإمام ابن القيم التي تتناول الخشوع والخضوع في الصلاة، موضحاً أن الرسالة سُميت «الخشوع في الصلاة». ويختتم بالشكر والدعاء بالتوفيق.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد، فإن شاء الله تعالى نكمل ما تبقى من رسالة الإمام ابن القيم لبعض إخوانه. في أخذنا مشاهد الصلاة، بقي المشهد السادس وهو المشهد الأخير. قال: فصل: المشهد السادس، مشهد التقصير. قال: وأن العبد لو اجتهد في القيام بالأمر غاية الاجتهاد، وبذل وسعه، فهو مقصر، وحق الله سبحانه عليه أعظم، والذي ينبغي له أن يقابل به من الطاعة والعبودية والخدمة فوق ذلك بكثير. وأن عظمته وجلاله سبحانه يقتضي من العبودية ما يليق بها، فالله عز وجل له حق عظيم، وعبادته مهما فعل الإنسان وتعبد فهو لم يفي بحق الله جل وعلا. لكن ربنا جل وعلا إكرامًا منه سبحانه وتعالى يرضى بعبادة العبد وإن كانت قليلة، لكن العبد ينبغي أن يغطي هذا الفراغ حتى لا يلتهم هذا الفراغ بالمعاصي وبالمخالفات، فقد تذهب هذه الطاعة لأن العبد لا يدري، قد تحبط أعماله بأعمال لا يشعر أنها تحبط أعماله، وقد استحق العقاب بكلمة لا يبالي بها فتلقيه في النار سبعين خريفًا كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام. فلهذا يجتهد العبد حتى يكثر حسناته، يجتهد في طاعة الله جل وعلا، وليس المراد أن يعمل أعمالًا كثيرة، ولو كانت أعمالًا قليلة لكنه يداوم عليها، فالدوام على الطاعة من أعظم الأمور التي ينبغي للمؤمن أن يحرص عليها، فإن الله عز وجل يحب العمل إذا داوم عليه العبد، كما جاء في حديث عائشة في البخاري. فلهذا على العبد حق لله جل وعلا لأنه خلقه، ولأنه رزقه، وسخر له ما في السماوات وما في الأرض ﴿ وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ ﴾، وأيضًا أعطاه من النعم، أعطاه البصر والسمع والفؤاد ﴿ وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾، القلب وغير ذلك من الأمور التي أعطاها الله عز وجل لهذا العبد، فيجب عليه أن يقابل تلك النعم بالطاعة والعبودية لله سبحانه وتعالى، ويكثر من ذلك، فيجعل وقته كله طاعة. ولهذا كان النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه أكثر أوقاتهم في طاعة الله جل وعلا. بل ليس الصحابة فقط، حتى من التابعين وأتباعهم، فقد قيل في كثير منهم: لو قيل له: إنك ستموت غدًا، ما استطاع أن يزيد في عمله. هذه الكلمة قيلت في يونس بن عبيد، وقيلت في حماد بن سلمة، وقيلت أيضًا كذلك في يحيى بن سعيد القطان، وجماعة من السلف، قيلت فيهم هذه الكلمة لاجتهادهم ولصبرهم على الطاعة. قال حماد بن سلمة: كنا نأتي سليمان التيمي، فلا يكون وقت يكون فيه طاعة إلا ونراه فيها، إن كان وقت صلاة فهو مصلي، وإن كان الصيام فهو صائم، وهكذا. قالوا: إذا كان خدم الملوك وعبيدهم يعاملونهم في خدمتهم بالإجلال لهم والتعظيم، أو بالإجلال لهم والتعظيم والاحترام والتوقير والحياء والمهابة والخشية، بحيث يفرغون قلوبهم وجوارحهم لهم، وهذا عبيد الدنيا، فمالك الملوك ورب السماوات والأرض أولى أن يعامل بذلك، بل بأضعاف ذلك. أن ملوك الدنيا يعاملون بهذه المعاملة مع أنهم لم يخلقوا ولم يرزقوا ولم يفعلوا شيئًا، وإنما فقط يعطونهم مالًا أو أن لهم الخدمة عليهم، فوق ذلك تجد التعظيم والاحترام والتوقير والحياء وغير ذلك من الأمور. فرب العزة سبحانه وتعالى وهو الخالق الرازق المحيي المميت، فهو استحق أعظم من ذلك. قالوا: إذا شهد العبد بنفسه... وقد جاء حديث عند الترمذي، صححه بعض أهل العلم، وصحيح أنه لا يصح فيه، أن الملائكة تقول لله عز وجل: «يا رب، ما عبدناك حق عبادتك»، فيظل أحدهم راكعًا، والآخر ساجدًا، وآخر كذا. في حديث ابن إسحاق: «أطت السماء، وحق لها أن تئط، ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك قائم، إما ساجد وإما راكع». أنا في السماء مليئة بالملائكة، وهم يقولون: «ما عبدناك يا رب حق عبادتك». وقد ذكر كثير من المفسرين، كابن جرير الطبري وغيره، قصة ذلك العابد من بني إسرائيل الذي عبد الله تسعين سنة، وهو يعبد الله سبحانه وتعالى، فلما لقي الله قال الله عز وجل: «اذهبوا بعبدي، أدخلوه برحمتي، أو ادخلوه برحمتي الجنة». فقال: يا رب، وأين عملي؟ أنا عبدتك تسعين سنة وأنا أعبدك، فأين عملي؟ فيقول الله عز وجل: «ائتوا بعمله، وأتوا بنعمة البصر»، على نعمة واحدة فقط، نعمة البصر، فيطيش ذلك العمل، وتثقل نعمة النظر والبصر على ذلك العمل الذي عمله. معناه أنه هذه الفترة كلها يعبد الله ولم يؤدِ حق البصر، فكيف به وقد خلقه الله ورزقه، وأيضًا أعطاه نعمًا كثيرة هي أعظم من البصر؟ قال رحمه الله: ولا قريب. وقال: وإذا شهد العبد من نفسه أنهم لم يوفوا ربهم في عبودية حقه، ولا قريبًا من حقه، علم بتقصيره. هذا لا بد منه، لا بد أن يجعله العبد في نفسه، مهما فعل فلا يؤدي حق الله، لا يقول: أنا أحسن من غيري، أنا أصلي، أنا أفعل، أنا أصوم، أحسن من غيري. هذا خطأ، بل الواجب عليك أن تعبد الله عز وجل وتجد التقصير في نفسك. قال: ولم يسعه مع ذلك غير الاستغفار والاعتذار من تقصيره وتفريطه وعدم القيام بما ينبغي له من حقه. النبي عليه الصلاة والسلام، وهو رسول الله، صلوات الله وسلامه عليه، لما قالت له عائشة: لما قام كان يقوم الليل حتى تتفطر قدماه، تتشقق من كثرة القيام، قالت له عائشة: يا رسول الله، لم تفعل ذلك وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «أفلا أكون عبدًا شكورًا؟» أنا أريد أن أكون عبدًا لله عز وجل شاكرًا، يشكر الله عز وجل على نعمه، وقد بلغ هذه المرتبة، لكن تواضعًا مع ربه جل وعلا يقول هذا. فكان النبي صلى الله عليه وسلم يتواضع لربه جل وعلا ويجعل التقصير في نفسه، فكان يقول عليه الصلاة والسلام: «نحن أحق بالشك من إبراهيم». معناها: لو كان إبراهيم شك شكًا لما قال: «أرني كيف تحيي الموتى»، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «نحن أحق بالشك من إبراهيم، لو كان إبراهيم يشك في هذا لكنا نحن أحق بذلك». وقال عليه الصلاة والسلام في نفس الحديث: «ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف لأجبت الداعي». يعني: إذا جاءني الداعي مثل ما جاء الداعي إلى يوسف وأراد أن يخرجه من السجن، فقال له: «اذهب إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن»، يعني: ما أراد أن يخرج حتى يصفي ساحته، ولا يتهم بشيء، ولا تكون حوله شبهة. فقال عليه الصلاة والسلام: «ولو لبثت ما لبث يوسف في السجن لأجبت الداعي». وهذا هضم لحقه ولنفسه عليه الصلاة والسلام. وهكذا يكون المؤمن. قال: وأنه إلى أن يغفر له في العبودية ويعفو عنه فيها أحوج منه إلى أن يطلب منه عليها ثوابًا، أن يطلبه من الله أن يقول مثلًا: يا رب، فعلت هذا فأثبني عليه، كأنه يريد من الله عز وجل أن يجازيه بهذا العمل، لكن يطلب القبول من الله، أن الله عز وجل يتقبل عمله. قال: وهو لو وفاها حقها كما ينبغي لكانت مستحقة عليه بمقتضى العبودية، أي نفس، فإن عمل العبد وخدمته لسيده مستحق عليه بحكم كونه عبده ومملوكه، فلو طلب منه الأجرة على عمله وخدمته لعده الناس أحمق وأخرق. أنا لو كان هذا العبد يقول لسيده: أعطني أجرة هذا العمل، فهذا كلام غير صحيح لأنه عبده ومملوك، وليس له أن يعطيه أجرة. لكن الرب الرحيم سبحانه وتعالى يعطي عباده ثوابه، لكن لا ينبغي أن يرى العبد أنه مستحق لهذا الثواب، يرى في نفسه أنه مستحق لهذا الثواب، لماذا؟ فلان أفضل منه، أنا أفضل منه، لماذا مثلًا عنده كذا وكذا، أو عنده من العلم أعطاه الله علمًا، أو أعطاه كذا، ويقوم هذا ويعترض على الله، أو أنه مثلًا يقول: أنا فعلت كذا وفعلت كذا، يا رب، لم لا تقبل مني هذه الأشياء؟ يا رب، أثبني عليها، فإني أستحق ذلك. كل هذا باطل، لا يستحق العبد شيئًا من سيده، لكن فضلًا منه سبحانه وتعالى أعطاه هذا الأجر وقبل عمله، بل وسيجازيه يوم القيامة برضاه وبجنته. قال: وهذا ليس هو عبده ولا مملوكه على الحقيقة، وهو عبد الله ومملوكه على الحقيقة من كل وجه. أنا أقول الآن: الإمام ابن القيم، هذا العبد الذي بالدنيا يخدم سيده ويفعل ويفعل له، ولا يعطيه شيء من الأجر، مع أنه في الحقيقة ليس عبده، ليس هو الذي خلقه، ليس هو الذي يرزقه، الله عز وجل يخلقه ويرزقه، فهذا هو عبد الله حقيقة. قال: فعمله وخدمته مستحق عليه بحكم كونه عبده، فإذا أثابه عليه كان ذلك مجرد فضل ومنه وإحسان إليه، لا يستحقه العبد عليه. يعني: إذا أعطاه الله عز وجل وقبل أعماله فهذا إحسان من الله عز وجل لهذا العبد. قال: ومن هنا يفهم معنى قول النبي عليه الصلاة والسلام: «لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله». قيل: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل». أنا عمل لا يدخلوك الجنة، لكنه سبب، سبب في دخول الجنة، لكن العاقل أن الناس يدخلون برحمة الله جل وعلا وفضله، وإلا فليس لهم على الله عز وجل حق إلا من باب التفضل ومن باب الإكرام منه سبحانه وتعالى، وإلا فهم عبيده، والعبد ليس له حق عند سيده من الأجر والثواب. وقال أنس بن مالك رضي الله عنه: يخرج للعبد يوم القيامة ثلاثة دواوين: ديوان فيه حسناته، وديوان فيه سيئاته، وديوان النعم التي أنعم الله عليه بها، فيقول الرب تعالى لنعمي: «خذي حقك من حسنات عبده»، فتقوم أصغرها فتستنفد حسناته، أصغر النعم تأخذ الحسنات كلها، ثم تقول: «وعزتك ما استوفيت حقي بعد». قال: فإذا أراد الله أن يرحم عبده وهبه نعمه عليه، وغفر له سيئاته، وضاعف له حسناته. قال: وهذا ثابت عن أنس. وهذا الحديث قد رواه البزار وغيره، لكنه لا يصح مرفوعًا، وهنا ذكره موقوفًا على أنس. قال: وهو أدل شيء على كمال علم الصحابة بربهم وحقوقهم عليهم، كما أنهم أعلم الأمة بنبيهم وسنته ودينهم، فإن في هذا الأثر من العلم والمعرفة ما لا يدرك إلا أولو البصائر من العارفين بالله وأسمائه وصفاته وحقه. ومن هنا يفهم قول النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي رواه أبو داود والإمام أحمد، من حديث زيد بن ثابت، وحذيفة، وغيرهما، أن الله لو عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم لكانت رحمته خيرًا لهم من أعمالهم. هذا حديث عبد الله بن فيروز، أو حديث فيروز الديلمي، عندما جاء ووقع في نفسه شيء في القدر، فجاء يسأل الصحابة، فسأل أبي بن كعب فذكر له مثل هذا الكلام، ثم سأل عبد الله بن مسعود فذكر مثله، ثم سأل زيد بن ثابت، أو أبا أيوب، فذكر مثله، ثم سأل زيد بن ثابت، فأسند ذلك إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وذكر في الحديث أن الله قال: قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله لو عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، لأنهم عبيده، لكنه كريم سبحانه وتعالى ذو فضل، ولو رحمهم لكانت رحمته خيرًا لهم من أعمالهم». لهذا يدخلون الجنة برحمته. فصل: وهذا ختام هذه الرسالة، وملاك هذا الشأن أربعة أمور: نية صحيحة، وقوة غالبة، هي قوة علمية وعملية، يقارنها رغبة ورهبة. هي: نية صحيحة، إخلاص وصدق، وقوة علمية وعملية، ويقارنهما رغبة ورهبة، خوف ورجاء. قال: فهذه الأربعة هي قواعد هذا الشأن، ومهما دخل على العبد من النقص في إيمانه وأحواله وظاهره وباطنه فهو من نقصان هذه الأربعة، أو نقصان بعضها. أن التقصير يدخل من هذه: إما من الإخلاص والصدق، وإما من القوة العلمية أو العملية، أو يدخل من الخوف والحياء والرجاء. قال: فليتأمل اللبيب هذه الأربعة الأشياء، وليجعلها سيرته وسلوكه، ويبني عليها علومه وأعماله، أقواله وأحواله، فما نجا من نجا إلا منها، ولا تخلف من تخلف إلا من فقدها. ولهذا العبادة لا تصلح إلا بهذه الأشياء. قال: والله أعلم، والله المستعان، وعليه التوكل، وإليه الرغبة، وهو المسؤول بأن يوفقنا وسائر إخواننا من أهل السنة لتحقيقها علمًا وعملًا، إنه ولي ذلك والمولى، وهو حسبنا ونعم الوكيل. هذه خاتمة هذه الرسالة الطيبة، رسالة الإمام ابن القيم رحمه الله في نصيحة لبعض إخوانه في الخشوع في الصلاة والخضوع فيها، ولهذا بعضهم يسميها «الخشوع في الصلاة». أنا نزلت هذه الرسالة باسم «الخشوع في الصلاة»، فاكتفينا بهذا، والله تعالى أعلم. شكرًا.