حاجة الأمة إلى العلم الشرعي

المحاضرة بعنوان حاجة الأمة إلى العلم الشرعي، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر مشاركة في الدورة العلمية التاسعة عشر يوم السبت 2 ذو القعدة 1442هـ الموافق 12 يونيو 2021م ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم

فضل العلم وأهميته في الإسلام

يؤكد المقطع على مكانة العلم الشرعي وفضله العظيم مستدلاً بالآيات والأحاديث، مبيناً أن طلب العلم لا ينتهي إلا بالموت. كما يوضح أن السيادة الحقيقية لأهل العلم لا لأهل المال، ضارباً المثل بالكلب المعلم الذي ينتفع صاحبه بعلمه.

تشبيه الكلاب المعلمة وغير المعلمة للعلم والجهل

يشبّه المتحدث الكلاب المعلمة بأهل العلم والكلاب الجاهلة بالجهال، مبيناً أن صيد الكلب المعلم حلال لصاحبه كما أن فهم أهل العلم للكتاب والسنة يقيهم الشرك والبدع. ويشير إلى أن الجهل داء قاتل يوقع في الضلال، وشفاؤه بالقرآن والسنة والعلماء الربانيين.

خطر الجهل بالتوحيد وأساس قبول الأعمال

يسرد المقطع قصة طلب الصحابة "ذات أنواط" في حنين، موضحاً أن الجهل بالتوحيد يوقع في الشرك كما وقع بنو إسرائيل. ويؤكد أن التوحيد هو أعظم العلوم وشرط قبول سائر الطاعات، مستدلاً بآيات القرآن وحديث معاذ بن جبل ودعوة جميع الرسل بالتوحيد.

اهتمام أهل السنة والجماعة بدراسة التوحيد

يحرص أهل السنة والجماعة في دوراتهم ودروسهم على دراسة التوحيد اهتماماً عظيماً، وهذا يميزهم عن غيرهم من الفرق. فهم يولون التوحيد عناية فائقة في مناهجهم وكتبهم بخلاف غيرهم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فنحمد الله عز وجل حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحبه ربنا ويرضى، الذي يسر لنا هذا اللقاء في هذا المسجد المبارك، في هذه الدار المباركة دار الحديث الشحر، مسجد التقوى. ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من المتذاكرين فيه، والمتجالسين فيه، والمتحبين فيه. وهذا اللقاء ضمن برنامج النشاط الدعوي والنشاط في هذه الدورة، وأعظم ما نذكر به أنفسنا وإخواننا أهمية العلم، وحاجة الأمة الإسلامية إلى هذا العلم الشرعي، علم الكتاب والسنة. فلعلكم قد سمعتم في ثنايا هذه الدورة وعند افتتاحها فضل العلم ومجالس العلم ومكانة العلماء، إلا أنه لا بأس أن يكرر، بل تكرار هذا مما يجعله يتقرر. فطالب العلم لا يمل من الحديث عن العلم، بخلاف المواضيع الأخرى ربما يمل من سماعها إذا كررت عليه، لكن الكلام عن العلم وفضل العلم لا يحصل إملال منه، بل كلما ذكر طالب العلم بالعلم انتفع أكثر، وحريص أكثر، وذلك لأن العلم لا يشبع منه، والحديث عن العلم وفضل العلم لا يشبع منه. فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «مَنْ هَمَّانِ لَا يَشْبَعَانِ: هَمٌّ فِي عِلْمٍ لَا يَشْبَعُ، وَهَمٌّ فِي دُنْيَا لَا يَشْبَعُ». أهل الدنيا إذا جلسوا يتذاكرون الدنيا لا يملون، ولو يتكلمون الصباح والعصر وفي المساء: هذا بكذا، وهذا بكذا، وكذا، والدولار اليوم طلع كذا، والريال طلع كذا، وذاك نزل، وما يملون. وهكذا طالب العلم لا يمل. هكذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ هَمَّانِ لَا يَشْبَعَانِ: هَمٌّ فِي دُنْيَا لَا يَشْبَعُ، وَهَمٌّ فِي عِلْمٍ لَا يَشْبَعُ». وذلك أن الله عز وجل أمر نبيه محمدًا عليه الصلاة والسلام: ﴿ وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا ﴾، ما أمره أن يطلب الزيادة في شيء إلا في العلم. فطالب العلم بحاجة إلى أن يزداد علمًا، كلما علم علمًا علم أنه لا زال جاهلًا ويحتاج إلى علم، وهكذا، وذلك لأن العلم واسع، والعلم كثير، ومسائله كثيرة، لا يمكن لطالب العلم أن يصل فيه إلى انتهاء وإلى حد ينتهي، يقول: خلاص أنا كملت، ما في أحد كمل العلم. وكما قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى، لما قيل له: إلى متى العلم؟ أنت إمام أهل السنة، إلى متى العلم؟ قال: من المحبرة إلى المقبرة. من المحبرة إلى المقبرة، ما ينتهي، ما ينقطع. طالب العلم يقرأ ويكتب ويتعلم إلى متى؟ إلى صفكم؟ ما في، إلى المقبرة. إذا مات انقطع العلم. مهما عمر في هذه الدنيا وحرص على تحصيله، فإنه لن يصل إلى حد تنتهي فيه غايته بطلب العلم. فطلب العلم من أجل العبادات، ولذلك الله عز وجل في كتابه الكريم امتن على عباده بأن علمهم، جل وعلا، حيث أخرجهم من بطون أمهاتهم لا يعلمون شيئًا. ﴿ وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾. من منا خرج من بطن أمه يحفظ القرآن، أو يحفظ شيئًا من القرآن، أو يحفظ شيئًا من العلم، أو من السنة؟ الله سبحانه وتعالى هو الذي تفضل، جل وعلا، هو الذي يخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئًا، لا تعلم شيئًا، علمك الله عز وجل، وعلمك ما لم تكن تعلم، وكان فضل الله عليك عظيمًا. هكذا امتن الله عز وجل: ﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا ﴾. ولذلك الله عز وجل في كتابه الكريم بين أن الأحق بالسيادة هم أهل العلم، فالذين يستحقون أن يكونوا سادة حقًا هم أهل العلم. الله عز وجل ذكر في سورة البقرة: ﴿ وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾. ظنوا أن السيادة بالمال، أن يكون له الملك علينا، ونحق بالملك منه، ولم يؤت سعة من المال، ما عنده مال. ظنوا أن السيادة تكون لمن عنده مال، وكان أكثر الناس مالًا، لا، ليس أحق بالسيادة من كان أكثر الناس مالًا، وإنما من كان أكثر الناس علمًا: ﴿ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾. هذا فضل الله عز وجل، يصطفي جل وعلا من شاء من عباده. اصطفى الأنبياء، أعلم الخلق بالله عز وجل، اصطفى أتباع الأنبياء، اصطفى الصحابة الذين هم خيرة الناس بعد النبيين، رضي الله عنهم وأرضاهم أجمعين. وهكذا الله سبحانه وتعالى بيّن فضل العلم، وبيّن أن من عنده علم كان أفضل من غيره، حتى في الحيوانات: الكلب المعلم الذي علمه صاحبه، فإذا اصطاد اصطاد لصاحبه. كلب معلم لا يصطاد الفريسة لنفسه، وإنما يرسله صاحبه ويقول: بسم الله، ويرسله، فيذهب وراء الفريسة، الأرنب أو الغزال أو الظبي وغير ذلك، فيمسك هذه الفريسة. إذا أمسكها لا يمسكها لنفسه، لماذا؟ لأنه قد علم، علمه صاحبه أنه لا يمسكها لنفسه، وإنما يمسكها لصاحبه. قال عليه الصلاة والسلام: «إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ الْمُعَلَّمَ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلْ». فالكلاب المعلمة إذا اصطادت الفريسة كانت الفريسة حلالًا لصاحبها، لماذا؟ لأن الذي صادها كلب معلم. أما الكلب الجاهل غير المعلم، صيده لا يحل، لماذا؟ لأنه جاهل. فصيد الكلب المعلم حلال، وصيد الكلب غير المعلم حرام. قال جل وعلا: ﴿ يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾. انظروا كيف فرق الله عز وجل بين كلب وآخر، هذا الكلب صيد وحلال، وهذا الكلب صيد وحرام، لماذا؟ هل لأن هذا كلب أبيض وهذا أسود، أو هذا كلب كذا أو هذا كذا؟ وإنما هذا كلب تعلم، وهذا كلب لم يتعلم. وهكذا أيضًا الله سبحانه وتعالى قد أثنى على الراسخين في العلم، لما عندهم من العلم، فهم الذين يفقهون كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام، يعلمون المتشابه من المحكم، لما عندهم من العلم. لماذا يتخبط الناس اليوم ويقعون في الشرك وبدع وضلالات وتعصبات وتحزبات؟ بسبب ضعف العلم. ذاك الذي وقع في الشرك بالله عز وجل، اتبع المتشابه من كلام الله ومن كلام رسوله عليه الصلاة والسلام، فجعله دليلًا له على شركه، يشرك بالله سبحانه وتعالى، مستدلًا بكلام الله على شركه، أو مستدلًا بكلام رسوله عليه الصلاة والسلام على شركه، لماذا؟ لأنه اتبع المتشابه. وذاك الذي وقع في البدع والضلالات، اتبع المتشابه من كلام الله أو من كلام رسوله عليه الصلاة والسلام، فصار يبتدع في دين الله سبحانه وتعالى، ويستدل على بدعته بكلام الله أو بكلام رسوله عليه الصلاة والسلام الذي هو من المتشابه، لماذا؟ لماذا؟ لوجود الزيغ في القلب. يوجد أولًا الزيغ في القلب، لا يوجد صدق القلب، هوى شيئًا، القلب زائغ، ولذلك يبحث عما يوافق هواه، ولذلك يستدل بالمتشابه ويترك المحكم، ولا يرد المتشابه إلى المحكم. لكن الراسخون في العلم، فإنهم يؤمنون بكلام الله جل وعلا، محكمه ومتشابه. قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿ هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾. يؤمنون بالمحكم والمتشابه، لماذا؟ لأنهم أهل العلم، رسخوا فيه، فلذلك لم يكن عندهم من البدع، ولا من الضلالات، ولا من الزيغ، ولا من الهرافات. لأن أعظم أسباب الوقوع في الشرك، أو في البدع، أو في ذنوب المعاصي، الجهل. ما أوقع الناس فيما وقعوا فيه إلا الجهل بدين الله عز وجل. وإلا لو علم هؤلاء الذين يعبدون غير الله، الحق الذي أنزله الله في كتابه، وأرسل به رسوله عليه الصلاة والسلام، علموه العلم الصحيح، فقهوه، ووفقهم الله جل وعلا لذلك، لما وقعوا في الشرك، ولا في البدع، ولا في الضلالات. لكن بسبب الجهل: الجهل يوقع في الشرك، الجهل يوقع في البدع، الجهل يوقع في الظلم، يوقع في الذنوب والمعاصي. الجهل داء قاتل، كما قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: والجهل داء قاتل وشفاؤه ** أمران في التركيب متفقان نص من قرآن أو من سنة ** وطبيب ذاك العالم الرباني هذا علاج الجهل، يقول الإمام ابن القيم: والجهل داء قاتل وشفاؤه أمران في التركيب متفقان، نص من قرآن أو من سنة، وطبيب ذاك العالم الرباني. الله عز وجل ذكر عن بني إسرائيل الذين خرجوا مع موسى عليه السلام: ﴿ وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَٰهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ * إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾. طلبوا إلهًا مع الله عز وجل، قد أنجاه الله جل وعلا من عدوهم فرعون وقومه، وجاوز بهم موسى عليه السلام البحر، مروا على قوم يعكفون على أصنام لهم. انظروا، لما كانوا جاهلين، ماذا طلبوا؟ طلبوا الشرك بالله عز وجل، عياذًا بالله. قالوا: يا موسى اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة. موسى عليه السلام علم الآن أنهم ما قالوا هذا إلا بسبب جهلهم، وإلا لو كانوا يعلمون أن هذا هو الشرك بالله عز وجل لما قالوا هذا. قال: ﴿ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ * إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾. مسلمة الفتح الذين خرجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم حنين، بعد فتح مكة، أسلموا يوم الفتح، لازالت رواسب باقية عندهم، هم حديث عهد بكفر، أسلموا قريبًا، أسلموا، ما بين كفرهم وإسلامهم إلا أيام، ما بين كفرهم وإسلامهم إلا أيام. حصل فتح مكة، جاءت غزوة حنين، خرج مسلمة الفتح مع النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، كما في حديث أبي واقد الليثي رضي الله عنه عند الترمذي. ولذلك أبو واقد الليثي يعتذر ويبين أن هذا لم يحصل، وهذا الطلب لم يكن من الصحابة الذين قد سبقوا في الإسلام، وإنما كان هذا ممن هو حديث عهد بكفر. فقال: رضي الله عنه: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى حُنَيْنٍ وَنَحْنُ حُدَثَاءُ عَهْدٍ بِكُفْرٍ، وَلِلْمُشْرِكِينَ سِدْرَةٌ يَعْكِفُونَ عِندَهَا وَيَنْطُونَ بِهَا أَسْلِحَتَهُمْ يُقَالُ لَهَا ذَاتُ أَنْوَاطٍ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ اجْعَل لَّنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ كَمَا لَهُمْ ذَاتُ أَنْوَاطٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: اللَّهُ أَكْبَرُ، إِنَّهَا السُّنَنُ، قُلْتُمُ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى: اجْعَل لَّنَا إِلَٰهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ، قَالَ: إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ». انظروا أثر الجهل، هو الذي أوقع الكثير في الشرك بالله سبحانه وتعالى، من عبادة الشمس أو القمر أو النجوم أو الكواكب أو الصالحين أو الأموات أو أصحاب القبور، كل ذلك بسبب الجهل بالتوحيد، الجهل بحق الله سبحانه وتعالى الذي لأجله خلق الخليقة: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾. الحق الذي لأجله سبحانه وتعالى أرسل الرسل مبشرين ومنذرين: ﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ﴾، ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾، ﴿ وَسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَٰنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ ﴾. جهلوا حق الله عز وجل التوحيد، فوقعوا في الشرك بالله سبحانه وتعالى. فأعظم العلم: العلم بالتوحيد، أعظم العلم: العلم بحق الله سبحانه وتعالى الذي لا ينفع أداء حق إلا بأدائه. مهما أدى العباد حقوقًا، إذا لم يؤد حق الله عز وجل التوحيد، فلا تنفعهم، فلا ينفعهم أداء تلك الحقوق. لو كانوا أبر الناس بآبائهم وأمهاتهم، ولو كانوا من أوصل الناس لأرحامهم، ولو كانوا من أحسن الناس إحسانًا لجيرانهم، ولو كانوا من أصدق الناس، ولو كانوا... إذا لم يحقق حق الله عز وجل التوحيد، فلا ينفعهم ذلك. قال جل وعلا: ﴿ وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا ﴾. هذه عشرة حقوق، بدأ الله عز وجل بحقه التوحيد، فإذا لم يحقق التوحيد، فلا تنفع هذه الحقوق. أرسل النبي صلى الله عليه وسلم معاذًا إلى اليمن، كما في صحيح مسلم، قال: «فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ أَنْ يُوَحِّدُوا اللَّهَ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ، وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ». فإنهم أطاعوك لذلك، أي للتوحيد، لا تؤمرهم بخمس صلوات، لا، ما في، ما في أن الله افترض عليكم بخمس صلوات إلا بعد ما حققوا التوحيد، ما في فائدة يصلونهم وهم غير موحدين، ما في الفائدة أن الله افترض عليكم بخمس صلوات في كل يوم وليلة، وهم لم يطيعوا في التوحيد. ولكن: «فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ» أي للتوحيد، فأخبرهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات. طيب، إذا لم يطيعوا، إذا لا تخبرهم، لماذا؟ لأنه ما في فائدة، ما في فائدة من شخص يصلي أو يزكي أو يصوم أو يحج، وهو يدعو غير الله، ويستغيث بغير الله عز وجل، إذا وقع في شدائد أو في كربة دعا غير الله عز وجل واستغاث به، يذبح له تقربًا وتعظيمًا، ينذر له، يعتقد فيه النفع والضر، يعتقد أنه له التصرف في ملك الله مع الله عز وجل. لابد من العلم بالتوحيد، من أعظم العلم. ولذلك الأنبياء أول ما دعوا إليه، دعوا إلى التوحيد: ﴿ وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ﴾، ﴿ وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ﴾، وهكذا. لما حدث الشرك في أرض الأرض، أرسل الله نوحًا عليه السلام، دعا قومه إلى التوحيد ألف سنة إلا خمسين عامًا، ثم أرسل الله عز وجل هودًا إلى عاد، وأرسل صالحًا إلى ثمود، وهكذا، إلى أن بعث نبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم، بمكة، يدعو إلى التوحيد عشر سنوات، قبل فرض الصلاة ليلة المعراج، ثم أمرهم بعد ذلك بالصلاة، وأما الزكاة فقد فرضت في العهد المدني، وهكذا الصيام، وهكذا الحج. فهذا هو أعظم العلم: العلم بالله، العلم بأسماء الله، العلم بصفات الله عز وجل. قال ابن القيم رحمه الله تعالى: والعلم أوصاف ثلاث ما لها من رابع، والحق ذو تبيان: علم بأوصاف الإله وفعله، وكذلك الأسماء للديان، والأمر والنهي الذي هو دينه، وجزاؤه يوم المعاد الثاني. هذا هو من أعظم العلم: العلم بحق الله عز وجل، العلم بأسماء الله وصفاته، ثم العلم بالحلال والحرام، بالأمر والنهي. ولذلك طالب العلم عليه أن يهتم، وأن يحرص على تعلم العقيدة الصحيحة، يتعلمها ويدرسها، وتدرج في تعليمها. والحمد لله أهل السنة والجماعة يحرصون في دوراتهم وفي دروسهم على هذا، ويهتمون اهتمامًا عظيمًا بدراسة التوحيد، بخلاف غيرهم. انظروا إلى غير أهل السنة والجماعة في دوراتهم، انظروا إلى الكتب التي يدرسون