الدرس في التعليق على مختصر فقه الأسماء الحسنى 3، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يوضح هذا المحور أن اسمي الرحمن والرحيم اسمان جليلان وردا في فاتحة القرآن وفي كل بسملة، ويدلان على صفة الرحمة الذاتية لله وعلى رحمته الواسعة التي تشمل جميع المخلوقات. كما يؤكد أن البسملة تفتتح بها السور وتعتبر كلمة لا يثبت لها شيطان.
يستعرض المقطع مظاهر رحمة الله في تيسير المنافع ودفع المكاره عن العباد، ويضرب المثل برحمة الأم لولدها لتوضيح سعة رحمة الله. ويذكر خلق مائة رحمة أنزل منها واحدة في الأرض وبقي تسعة وتسعون ليوم القيامة.
يستعرض المحور معاني اسمي الله الغفور والرحيم، ويبين عظمة رحمة الله التي سبقت غضبه كما ورد في الحديث القدسي. ويؤكد على حب الله لتوبة العبد ووجوب المبادرة بالاستغفار مع التنبيه إلى شدة عذاب الله لمن عصاه.
يؤكد هذا المحور أن الله غفور رحيم لمن يتوب ويستغفر، بينما يعاقب بشدة من يكفر ويستكبر ويعرض عن أمره. ويختتم الدرس بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الشيخ عبد الرزاق البدر حفظه الله في رسالته «مختصر فقه الأسماء الحسنى»: الرحمن الرحيم: أي اسما الله سبحانه وتعالى الرحمن والرحيم. قال: وهما اسمان جليلان، كثر ورودهما في القرآن الكريم، افتتح الله بهما أم القرآن، أي الفاتحة؛ فأول سورة في القرآن هي الفاتحة، وفيها ذكر هذين الاسمين العظيمين: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ﴾. قال: وجعلهما عنوان ما أنزله من الهدى والبيان، يعني القرآن؛ لأن القرآن هداية وكذلك بيان ودلالة: ﴿إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾. قال: وضمنهما الكلمة التي لا يثبت لها شيطان، وافتتح بها كتابه نبي الله سليمان عليه السلام، كما أخبر الله جل وعلا: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ﴾. وكان جبريل ينزل بها على النبي صلى الله عليه وسلم عند افتتاح كل سورة من القرآن في البسملة: «بسم الله الرحمن الرحيم». في البسملة يؤتى بها عند افتتاح كل سورة من سور القرآن، وهي تشتمل على هذين الاسمين العظيمين: الرحمن والرحيم. قال: وهذان الاسمان كل منهما دال على ثبوت الرحمة صفة لله عز وجل؛ فالرحمن: أي الذي الرحمة وصفه، والرحيم: أي الراحم لعباده. إذن الرحمن دال على الصفة المتعلقة بالذات، بذات الله جل وعلا، أنه متصف بصفة الرحمة، والرحيم الصفة المتعدية التي يرحم الله سبحانه وتعالى بها الخلق. قالوا: في هذين الاسمين دلالة على كمال الرحمة التي هي صفة الله وسعتها، كما قال الله جل وعلا: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾. قال: فجميع ما في العالم العلوي والسفلي من حصول المنافع والمحاب والمسار والخيرات من آثار رحمته. كل ما في العالم العلوي من نزول مثلاً الأمطار والغيث هذا من رحمة الله، وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته؛ المطر والغيث رحمة الله. وهكذا أيضاً ما في هذه الأرض من حصول المنافع التي ينتفع بها الناس من المآكل والمشارب والملابس والمساكن والمراكب، كل هذا من رحمة الله، يسرها الله وسخرها الله للعباد لينتفعوا بها. قال: كما أن ما صرف عنهم من المكاره والنقم والمخاوف والأخطار والمضار من آثار رحمته. ما يصرف الله عز وجل عن الناس من المكاره، أي الأشياء التي يكرهونها من المصائب والابتلاءات والأسقام والأمراض، وهكذا النقم والمخاوف، أي الأشياء التي تخيفهم، مثلاً تسلط الأعداء، من الأمراض المهلكة والطاعون، من كذلك أيضاً الخوف من شدة الجوع والمجاعة إلى آخر ذلك. كل هذا صرفه من رحمة الله سبحانه وتعالى؛ فإنه لا يأتي بالحسنات إلا هو، ولا يدفع السيئات إلا هو، وهو أرحم الراحمين. نعم، لا أحد أرحم من الله سبحانه وتعالى. والنبي صلى الله عليه وسلم في حديث عمر في الصحيح، لما رأى امرأة تسعى في السبي حتى أتت صبياً فأخذته فألصقته في حجرها فأرضعته، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أترون هذه واضعة ولدها في النار؟» قالوا: لا يا رسول الله. فقال عليه الصلاة والسلام: «لله أرحم بعباده من هذه بولدها». الله عز وجل أرحم بالعباد من رحمة هذه الأم بولدها. وهذا يدلنا على عظيم رحمة الله سبحانه وتعالى. ومن ذلك أن الله عز وجل خلق مائة رحمة، هذه الرحمة المخلوقة غير الصفة؛ الصفة غير مخلوقة، صفة الرحمة المتعلقة بذات الله سبحانه وتعالى هذه غير مخلوقة، لكن الله عز وجل من رحمته خلق مائة رحمة، أنزل منها في الأرض رحمة واحدة، فبها يتراحم الناس، يرحم بعضهم بعضاً، وترحم الأم ولدها. قال: وأخر تسعة وتسعين رحمة يرحم بها عباده يوم القيامة. هذا من عظيم رحمة الله سبحانه وتعالى. ومن ذلك أيضاً أن الله عز وجل يغفر للعبد مهما عظم الذنوب ومهما كثر الذنوب، فإنه إذا تاب وأناب إلى الله وسعته رحمة الله سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾. وقال جل وعلا: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَىٰ﴾. ولهذا نجد كثيراً من ذكر هذين الاسمين، اسم الغفور أو الرحيم أقصد، في آيات كثيرة: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾، ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾، وكذلك أيضاً: ﴿تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ﴾، وغير ذلك من الآيات الكثيرة التي تدل على عظم رحمة الله جل وعلا. والله عز وجل يحب من عبده أن يتوب إليه حتى يرحمه وحتى يغفر له. قال عليه الصلاة والسلام: «لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم آخرين يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم». هذا من عظيم رحمة الله سبحانه وتعالى، أنه يحب من عبده أن يتوب إليه وأن ينيب إليه حتى يغفر له وأن يرحمه. ومعنى: «لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم آخرين يذنبون» ليس معنى حث على فعل الذنوب، وإنما المراد أن الإنسان لا يسلم من الذنب، أن الإنسان لا يسلم من الذنب لأنه بشر معرض للذنب والزلل، فهو أمر واقع منه لا محالة، لكن الذي ينبغي أنه إذا أذنب أن يعود إلى الله سبحانه وتعالى، وأن يسأل الله عز وجل المغفرة والرحمة حتى تشمله رحمة الله سبحانه وتعالى. ومن عظيم رحمة الله أنه قدم رحمته على غضبه، قدم رحمته على غضبه. في الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إن الله كتب في كتاب فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي تغلب غضبي، إن رحمتي تغلب غضبي». يعني أن رحمة الله جل وعلا تسبق غضبه، فهي مقدمة على غضبه. وهذا من عظيم رحمة الله سبحانه وتعالى. فهذان الاسمان العظيمان يدلان على صفة الرحمة، والله جل وعلا مع كونه رحيماً إلا أنه شديد العقاب لمن عصاه، لمن خالف أمره، وهو القائل عز وجل: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾. فالله عز وجل غفور رحيم لمن طلب المغفرة والرحمة وأناب إلى الله سبحانه وتعالى وأخذ بأسبابها، لكن في المقابل فهو شديد العقاب لمن أبى وأعرض واستكبر، وكذلك كفر وتجبر، فإن عقابه جل وعلا شديد وعذابه سبحانه أليم. طيب، نكتفي بهذا القدر لهنا. صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر