الدرس في أبواب السحر والكهانة من كتاب التوحيد 6، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح المقطع تعريف الكاهن شرعاً والفرق بينه وبين الساحر، مبيناً حكم إتيانهم وتصديقهم بالكفر وترك الصلاة أربعين يوماً. كما يفرق بين الكهانة والتنبؤ بالحساب الحسي.
يستعرض المقطع حديث من أتى عرافاً فسأله، موضحاً أن مجرد السؤال حرام ويحرم أجر الصلاة دون وجوب القضاء. يفصل في حكم المصدق للكاهن بأنه يكفر كفراً أكبر، ومن يعتقد استعانته بالشياطين اختلف العلماء والراجح تكفيره.
يوضح المقطع ثلاثة أقسام لإتيان الكهان: تصديقهم بعلم الغيب كفر، إتيانهم مع العلم بالاستعانة بالجن محرم، وإتيانهم للمشاهدة محرم، مع استثناء فضحهم. وينبه إلى دخول الوسائل الحديثة كالهاتف والأبراج في هذه الأحكام.
يعلن المحاضر انتهاء الجزء الحالي من الدرس ويؤكد أن استكمال عرض الأدلة سيتم في الدرس القادم إن شاء الله. ويختم بالتأكيد على أن العلم كله لله تعالى.
الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين. أما بعد، قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى في كتابه "كتاب التوحيد"، باب ما جاء في الكهان ونحوهم: روى مسلم في صحيحه عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أتى عرافا فسأله عن شيء فصدقه لم تقبل له صلاة أربعين يوما». وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أتى كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم»، رواه أبو داود وقال: صحيح على شرطهما. وعن أبي هريرة رضي الله عنه: «من أتى عرافا أو كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد»، ولأبي يعلى بسند جيد عن ابن مسعود مثله موقوفا. هذا بعض ما أورده الشيخ الإمام رحمه الله في هذا الباب، ومناسبة هذا الباب للذي قبله: لأن الكهان والسحرة يجمعهما الاستعانة بالشياطين، يجمعهما الاستعانة بالشياطين، فالساحر يستعين بالشياطين، والكهان كذلك يستعينون بالشياطين. والفرق أن السحر قيام بعمل يؤثر، وأما الكهانة فهي إخبار عن غيب، فهي إخبار عن غيب. فإذا أورد الإمام المجدد رحمه الله هذا الباب في كتاب التوحيد لبيان حكم الكاهن، لبيان حكم الكاهن وحكم الإتيان إليه، للتحذير منهم، للتحذير منهم. وقال في هذا الباب: "باب ما جاء في الكهان ونحوهم". أيش المراد بـ "نحوهم"؟ أي: كالعرافين والرمالين، وكل من يدعي علم الغيب، وكل من يدعي علم الغيب. والكاهن لغة مأخوذ من التكهن، وهو التخمين، مأخوذ من التكهن وهو التخمين والتطلع إلى أمور الغيب، والتطلع إلى أمور الغيب. وأما شرعا فهو من يدعي معرفة الغيب بطرق شيطانية. ضع عليك شيء ما تدري أين هذا الشيء، ومن أخذه فيذهب عند هذا الكاهن فيزعم أنه يعرف مكانه أو يعرف سارقه وآخذه. فهذه الكهانة شرعا: من يدعي معرفة الغيب بطرق شيطانية. نعم، وكيف تعرف أن هذا الشخص كاهن؟ أن يكون الإخبار عن المستقبل باستخدام أمور غير حسية، بأمور غير حسية، بطلاسم أو بأشياء عجيبة غريبة، فهذا هو الكهانة. أما إذا أخبر عن شيء مستقبل باستخدام أمور حسية فلا شيء في ذلك. مثل ماذا؟ الأمور الحسية: يعني مثلا بالاستناد إلى أمور حسابية كما يفعل أهل الفلك، يقول لك مثلا: بعد يوم أو يومين سيكون هناك خسوف للقمر أو خسوف للشمس أو نحو ذلك، بأمور محسوسة مدروكة، فهذا لا يكون كهانة لأنه مستند إلى علم دنيوي، إلى علم دنيوي. وهذه الأشياء كذلك قد توجد كما أخبروا، وقد تتخلف، وقد تتخلف أو تقع على خلاف ما توقع، ما توقع هذا الفلكي صاحب الحساب أو نحو ذلك. ويقول الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى: والشيء الذي يدرك بالحس إنكاره قبيح، إنكاره قبيح، كهذه الأشياء الحسابية. وقد قال السفاريني: "فكل معلوم بحس أو حجاء فنكره جهل قبيح بالهجاء"، فكل معلوم بحس أو حجاء فنكره جهل قبيح بالهجاء. فالذي يعلم بالحس لا يمكن إنكاره، ولو أن أحدا أنكره مستندا بذلك إلى الشرع لكان ذلك طعنا في الشرع، لكان ذلك طعنا في الشرع. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى بعض الأحاديث التي تبين لنا حكم الكاهن وحكم الإتيان إليه، فقال رحمه الله: روى مسلم في صحيحه عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أتى عرافا فسأله عن شيء فصدقه لم تقبل له صلاة أربعين يوما». قوله: "فصدقه" هذه ليست في صحيح مسلم، هذه ليست في صحيح مسلم، وإنما الذي في صحيح مسلم: «من أتى عرافا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين يوما». وأما زيادة "فصدقه" وبهذا اللفظ جاءت عند الإمام أحمد، ويحسنها بعض أهل العلم، ويحسنها بعض أهل العلم. وقوله: "عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم" هنا لم يذكر اسم هذه الزوجة، وجاء في بعض الروايات أنها حفصة بنت عمر رضي الله تعالى عنهما. وقوله: «لم تقبل له صلاة أربعين يوما» يعني أن هذا الذي يذهب للسؤال فقط وإن لم يصدق هذا الكاهن، وإنما ذهب للسؤال، فهذا يعاقب بأنه يحرم أجر صلاة أربعين يوما، فرضها ونفلها، ونفلها، لأن الحديث عام: «لم تقبل له صلاة»، وصلاة نكرة في سياق النفي فتفيد العموم، فيعاقب هذا السائل فقط دون تصديق لهذا الكاهن، أنه يحرم أجر أربعين صلاة. «لم تقبل له صلاة أربعين يوما»، أربعين يوما. يقول الشيخ صالح آل الشيخ حفظه الله: قال تقع مجزية، يعني إذا صلاها تجزئ عنه في سقوط الواجب، في سقوط واجب هذه الصلاة، فقال: تقع مجزية، لا يجب عليه قضاؤها. ليس معنى أنها لم تقبل يقضيها بعد الانتهاء من الأربعين، لا، لا يجب عليه قضاؤها، ولكن لا ثواب له فيها، لا ثواب له فيها. قال: لأن الذنب والإثم الذي اقترفه حين أتى العرافة فسأله عن شيء يقابل ثواب الصلاة أربعين يوما، أسقط هذا، هذا، أسقط هذا، هذا، يعني أسقط إتيانه للكاهن وسؤاله ثواب هذه الصلاة، ثواب هذه الصلاة. هذا معنى هذا الحديث، هذا معنى هذا الحديث. وفي هذا حكم إتيان الكاهن للسؤال من غير تصديق، فحكمه أنه لا يجوز، حرام، حرام أن تأتي إلى العراف أو الكاهن فتسأله وإن لم تصدقه، وإن لم تصدقه. ودليل التحريم، ودليل التحريم: أن فاعل ذلك عوقب بفقده لأجر الصلاة أربعين يوما، وهذا لا شك يدل على الإثمية، ويدل على الحرمة، ويدل على الحرمة. وهذا يدعونا إلى أن نفصل في مسألة الإتيان إلى الكهان أو العرافين وسؤالهم، فينقسم هذا الأمر إلى عدة أقسام: القسم الأول: أن يذهب إلى الكاهن فيعتقد أنه يعلم الغيب فيصدق هذا الكاهن، فهذا كفر أكبر، لأن تصديقه في علم الغيب تكذيب للقرآن، فالقرآن قال الله عز وجل فيه: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾. وهذا يدل عليه قوله عليه الصلاة والسلام: «من أتى كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد»، رواه أبو داود، وهو حديث صحيح، صححه العلامة الألباني في صحيح أبي داود وفي غيرها من كتبه. إذن الحالة الأولى: أن يذهب إلى الكاهن أو إلى العراف فيسأله ويعتقد أن هذا الكاهن يعلم الغيب، فهذا لا شك أنه كفر أكبر، لأن فيه تكذيبا، لأن فيه تكذيبا للقرآن. الأمر الثاني: أن يعتقد أن هذا الكاهن لا يعلم الغيب ولكن تخدمه الشياطين، الشياطين هي التي تأتي له ببعض الصدق فيما يقول، بعض الصدق فيما يقول. فهذه المسألة وقع فيها خلاف بين أهل العلم: القول الأول: قالوا بكفره، لأنه يعلم أن هذا الكاهن يلجأ ويستعين بالشياطين، والاستعانة بالشياطين كفر، فكأنه رضي بالكفر، فكأنه رضي بالكفر، فيكون كافرا. يقول صاحب "تيسير العزيز الحميد": يكفر متى اعتقد صدقه بأي وجه كان، سواء كان اعتقد أن الكاهن نفسه الذي يعلم الغيب، أو أن الكاهن لا يعلم الغيب ولكن التي تخبره بهذه المغيبات هي الشياطين، فكل ذلك يعد كفرا. قال: يكفر متى اعتقد صدقه بأي وجه كان، لاعتقاده أنه يعلم الغيب، وسواء كان ذلك من قبل الشياطين أو من قبل الإلهام، لا سيما وغالب الكهان في وقت النبوة إنما كانوا يأخذون عن الشياطين. هذا هو القول الأول، وهو قول جمهور العلماء. القول الثاني: أنه محرم، من يأتي الكاهن وهو يعلم أن الكاهن لا يعلم الغيب لكن الشياطين هي التي تطلعه على بعض المغيبات، فهذا عند بعض أهل العلم إتيانه محرم ولا يصل إلى حد الكفر. واستدلوا بالحديث المتقدم: «من أتى عرافا فصدقه بما يقول لم تقبل له صلاة أربعين يوما»، فحملوا التصديق في هذه الرواية التي عند الإمام أحمد على أنه صدق الكاهن في استعانته بالجن، لا في كون الكاهن، لا في كون الكاهن نفسه هو الذي يعلم الغيب، هو الذي يعلم الغيب. نعم، والإنسان يبتعد عن هذا، سواء كان يصل إلى حد الكفر أو لا يصل، فالأمر خطير، فالأمر خطير، دائر بين كفر وبين تحريم، وبين تحريم. الأمر الثالث من أقسام إتيان الكهان: أن يأتيه للمشاهدة فقط، لماذا تذهب وتسأله وأنت لا تصدقه ولا تصدق الشياطين؟ يقول: بس هكذا فضول، بعض الناس مثلا عنده فضول أو عنده حب المعرفة والاطلاع والتجربة، يريد يجرب هذا، نعم، فهذا محرم، هذا محرم. لحديث معاوية بن الحكم السلمي قال: قلت يا رسول الله، أمورا كنا نصنعها في الجاهلية، كنا نأتي الكهان، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «فلا تأتوا الكهان». لفظ عام، «فلا تأتوا الكهان»، سواء كان للفضول أو للتجربة أو نحو ذلك، فكل هذا لا يجوز. إلا في حالة واحدة أجاز العلماء للشخص أن يذهب إلى الكهان، ما هي هذه الحالة؟ أن يأتي الكهان ليفضح أمرهم، ليفضح أمرهم، وليبين عوارهم، وليظهر كذبهم على الناس، فهذا لا بأس به. وقد سأل النبي صلى الله عليه وسلم ابن صياد ليفضح أمره، فاستدل العلماء بذلك على جواز الذهاب للكاهن من أجل فضح أمره وكشف عواره وبيان كذبه على الناس، وبيان كذبه على الناس. نعم، ويدخل في القسم الثالث أن يأتيه للمشاهدة فقط، أو القسم المحرم ما يفعله البعض من الاطلاع. هذه مسألة مهمة جدا ينبغي أن يتنبه لها المسلم، فلربما في هذا الزمان ما يذهب الإنسان إلى الكاهن مباشرة، وإنما عن طريق الوسائل الحديثة، عن طريق مثلا القنوات، فهناك قنوات للكهان والعرافين، فلربما العبد يسأل هذا الكاهن أو العراف عن طريق الجوال، فهذا يدخل في التحريم. وفي هذا التفصيل: فإن سأله وهو مصدق له فهذا كفر بالله سبحانه وتعالى، وإن سأله إنما أراد أن يختبرها أو أراد أن يعرف صدقه من كذبه فهذا محرم ولا يجوز، هذا محرم ولا يجوز، فينتبه لهذا. ومن هذا ما يذكر في الصحف، يقول صاحب التمهيد: وإذا قرأ هذه الصفحة وهي صفحة الأبراج، وهو يعلم برجه الذي ولد فيه أو يعلم البرج الذي يناسبه، وقرأ ما فيه، فكأنه سأل كاهنا وما ذهب إليه، لكن صدق بهذه الخرافات، فيدخل في عموم هذه الأحاديث، فلا تقبل له صلاة أربعين يوما، فإن صدق بما في تلك البروج فقد كفر بما أنزل على محمد، فينبغي للمسلم أن يحذر من هذه الوسائل ومن هذه الأمور. وأما حديث أبي هريرة: «من أتى كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد»، هذا فيه حكم من أتى الكاهن فصدقه، بأنه كافر، بأنه كافر، والحديث صححه العلامة الألباني في صحيح الجامع. ولماذا كفر بما أنزل على محمد؟ لأن الذي أنزل على محمد قوله سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾. وهكذا الرواية الأخرى: «من أتى عرافا وكاهنا»، وأوردها المؤلف هنا لأن هذا الحديث جمع بين العراف والكاهن، العراف والكاهن، وأيضا أوردها لأن كثرة الأدلة مما يقوي المدلول، وإلا فمعناهما متقارب، الكاهن الذي يخمن والعراف الذي يدعي معرفة الغيب، الذي يدعي معرفة الغيب، فيجتمع الاثنان في ادعاء علم الغيب، في ادعاء علم الغيب. نكتفي بهذا، ونكمل بقية الأدلة إن شاء الله في الدرس القادم. إلى هنا والله تعالى أعلم.