الدرس في كتاب الأدب من صحيح البخاري 10، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يستعرض الشيخ باب حسن الخلق والسخاء مستدلاً بأحاديث البخاري التي تصف كرم النبي صلى الله عليه وسلم وجودَه، خاصة في رمضان، وأنه لا يُسأل شيئاً فيقول لا. ويشير إلى أثر القرآن في تهذيب الأخلاق وقوله صلى الله عليه وسلم: إن خياركم أحاسنكم أخلاقاً.
يسرد المقطع حديث البردة الدال على كرم النبي ﷺ وعدم رده للسائل، وحديث أنس بن مالك في حسن خلقه مع خادمه لعشر سنين. كما يذكر حديث أبي هريرة في علامات الساعة من تقارب الزمان وانتشار الشح، مع التعريف بفضله في الرواية.
يستعرض المقطع تواضع النبي صلى الله عليه وسلم وخدمة أهله كقدوة للمسلمين في التعامل المنزلي. ثم يشرح حديث المقهي الذي يبين أن محبة الله للعبد تجلب محبة الملائكة وقبولاً في الأرض، مرجعاً ذلك إلى الإيمان والعمل الصالح.
يختم المتحدث الدرس بالدعاء إلى الله أن يوفق للخير ويرزق العلم النافع والعمل الصالح والخلق الحسن والأدب الجميل. ويصلي على النبي محمد ويختم الجلسة بالحمد لله رب العالمين.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، قال الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري رحمه الله تعالى وغفر لنا وله ولوالدينا أجمعين في كتاب الأدب من صحيحه: قال رحمه الله تعالى: «باب حسن الخلق والسخاء وما يكره من البخل». فجمع رحمه الله تعالى في هذه الترجمة بين هذه الأمور الثلاثة، وذلك لأن السخاء من جملة محاسن الأخلاق، بل هو من أهمها وأجلها، والبخل ضده، البخل يعتبر ضد السخاء. قال رحمه الله تعالى: «وقال ابن عباس: كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وأجود ما يكون في رمضان». وذكر العلماء أن من أسباب هذا الجود هو مدارسة القرآن، فالقرآن يؤثر على أهله فيجعلهم أجواداً كرماً وأسخياء. قال رحمه الله تعالى: «وقال أبو ذر: لما بلغه مبعث النبي صلى الله عليه وسلم قال لأخيه: اركب إلى هذا الوادي»، أي إلى مكة، وادٍ غير ذي زرع، «قال: فاسمع من قوله». فرجع فقال: «رأيته يأمر بمكارم الأخلاق»، يعني النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال رحمه الله تعالى: «حدثنا عمر بن عوف، قال: حدثنا حماد» - هو ابن زيد - «عن ثابت، عن أنس، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم أحسن الناس، وأجود الناس، وأشجع الناس». أحسن الناس، ولقد فزع أهل المدينة ذات ليلة، فانطلق الناس قبل الصوت، فاستقبلهم النبي صلى الله عليه وسلم، قد سبق الناس إلى الصوت، وهو يقول: «لن تراعوا، لن تراعوا». قال: وهو على فرس لأبي طلحة عري، ما عليه سرج، في عنقه سيف، فقال: «لقد وجدته بحراً، أو إنه لبحر»، يعني الفرس الذي كان يعاب بأنه بطيء، قال: وجدته بحراً، أي فرساً سريعاً. وإشهاد من هذا يا إخوان ما جاء في وصف أنس رضي الله تعالى عنه في وصف النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان أحسن الناس وأجود الناس، أجود الناس، فكان عليه الصلاة والسلام جواداً، جواداً، وكما وصفه أصحابه: كان لا يسأل على الإسلام شيئاً فيقول: لا. جاءه رجل فسأله مالاً، فأعطى نبينا صلى الله عليه وسلم لذلكم الرجل غنماً ما بين جبلين، غنماً ما بين جبلين. أنظر إلى هذا السخاء، فذهب الرجل عند قومه يقول: يا قوم، أسلموا، فإن محمداً يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، من لا يخشى الفقر. فما أعظمه من جود ومن كرم وسخاء كان عليه نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال رحمه الله تعالى: «حدثنا محمد بن كثير، قال: أخبرنا سفيان، عن ابن المنكذر، قال: سمعت جابراً رضي الله عنه يقول: ما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن شيء قط فقال: لا». فقال: لا، وهذا يا إخوان من جوده عليه الصلاة والسلام. قال: «حدثنا عمر بن حفص، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا الأعمش». ما اسم الأعمش؟ نعم، سليمان بن مهران، أبو محمد الكوفي، كان يلقب بالمصحف لقوة حفظه، لقوة حفظه. قال: «حدثنا الأعمش، قال: حدثنا شقيق، عن مسروق، قال: كنا جلوساً مع عبد الله بن عمر» - يعني ابن العاص، أبو محمد السهمي القرشي، عابد الصحابة، كان يلقب بعابد الصحابة، كان كثير العبادة رضي الله تعالى عنه، وكان أيضاً كثير الرواية للحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم - «قال: كنا جلوساً مع عبد الله بن عمر يحدثنا، إذ قال: لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم فاحشاً ولا متفحشاً، وإنه كان يقول» - أي النبي صلى الله عليه وسلم -: «إن خياركم أحاسنكم أخلاقاً». إذن التحلي بمكارم الأخلاق يجعل صاحبها من خيار المسلمين وأفاضل الناس عند الله تبارك وتعالى: «إن خياركم أحاسنكم أخلاقاً». قال: «حدثنا سعيد بن أبي مريم، قال: حدثنا أبو غسان، قال: حدثنا أبو حازم، عن سهل بن سعد» - وهو الساعدي، أحد صغار الصحابة وأحد خيارهم وفضلائهم - «قال: جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ببردة، فقال» - فقال سهل للقوم: «أتدرون ما البردة؟» فقال القوم: «هي الشملة، هي الشملة». فقال سهل: «هي شملة منسوجة، فيها حاشيتها، فيها حاشيتها»، يعني على أطرافها نسيج مختلف. «فقالت» - أي تلكم المرأة -: «يا رسول الله، أكسوك هذه». قال: «فأخذها النبي صلى الله عليه وسلم محتاجاً إليها، فلبسها، فرآها عليه رجل من الصحابة، فقال: يا رسول الله، ما أحسن هذه، فأكسنيها»، يعني طلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يكسوه إياها، وقد لبسها النبي صلى الله عليه وسلم محتاجاً إليها، فقال: «نعم». فلما قام النبي صلى الله عليه وسلم لامه أصحابه، أصحابه، يعني لاموا ذلكم الرجل الذي طلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يكسوها إياه، لامه أصحابه، قالوا: «ما أحسنت، حين رأيت النبي صلى الله عليه وسلم أخذها محتاجاً إليها، ثم سألته إياها، وقد عرفت أنه لا يسأل شيئاً فيمنعه». وهذا هو الشاهد يا إخوان، هذا هو الشاهد من إيراد البخاري رحمه الله تعالى لهذا الحديث، أن من صفات النبي صلى الله عليه وسلم الكرم والجود والسخاء، أنه لا يسأل شيئاً فيمنعه. فقال الرجل: «رجوت بركتها حين لبسها النبي صلى الله عليه وسلم، لعلي أكفن فيها». لأجل هذا يا إخوان سأل النبي صلى الله عليه وسلم إياها، يريد أن تكون كفنه. قال رحمه الله تعالى: «حدثنا أبو اليمان، قال: أخبرنا شعيب، عن الزهري»، وهذه سلسلة يا إخوان تكررت معنا كثيراً، «قال: أخبرني حميد بن عبد الرحمن، أن أبا هريرة قال». ما هو المشهور في اسم أبي هريرة؟ ما اسمه؟ عبد الرحمن بن صخر، أحسنت، لله درك، عبد الرحمن بن صخر، أظهر ما قيل في اسمه واسم أبيه، وإلا فالخلاف كثير ومشهور في ذلك، وهو دوسي يماني، يلقب بحافظ الصحابة، والمكثرون في رواية الأثر: أبو هريرة، يليه ابن عمر، وأنس، والحبر، والخدري، وجابر، وزوجة النبي، أي عائشة رضي الله تعالى عنها. قال الذهبي رحمه الله: «قال: والحفاظ درجات، ذروتهم أبو هريرة، تكلم فيه أهل الأهواء والبدع، لماذا؟ لأنه روى أحاديث تهدم بدعهم وتخالفها، تهدم بدعهم وتخالفها». قال: «أن أبا هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يتقارب الزمان، وينقص العمل، ويلقى الشح». والشح يا إخوان هو شدة البخل، شدة البخل، «ويلقى الشح»، أي ينتشر في أوساط الناس، «ويكثر الهرج». قالوا: وما الهرج؟ قال: «القتل، القتل». قال رحمه الله تعالى: «حدثنا موسى بن إسماعيل، قال: سمع سلام بن مسكين، قال: سمعت ثابتاً» - أي البناني، أحد أعلام التابعين كما مر معنا - «يقول: حدثنا أنس رضي الله عنه، قال: خدمت النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين، فما قال لي: أف، ولا لما صنعت: لم صنعت، ولا لشيء لم أصنع: ألا صنعت». أنس رضي الله عنه خدم النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين، ولاحظوا إلى معاملة النبي صلى الله عليه وسلم مع خادمه المطيع، وهذا الصحابي الجليل، عشر سنين، قال: «ما مسست ديباجاً ولا حريراً ألين من كف رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا شممت رائحة أطيب من رائحته صلى الله عليه وسلم، ولقد خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين، عشر سنين، فما قال لي: أف قط». كلمة «أف» يا إخوان التي هي بمعنى التضجر وعدم الرضا، ما قال هال خادمه، ولا قال لشيء فعلته: لم فعلت كذا، ولا لشيء لم أفعله: ألا فعلت كذا. يا إخوان هذه أخلاقه حسنة مع خادمه، مع هذا الصغير في السن، فكيف هو عليه الصلاة والسلام مع أهله، مع أرحامه، مع جيرانه، مع كبار السن وأهل الفضل والخير والعلم؟ لا شك أنه كان عليه الصلاة والسلام عظيماً وحسناً عليه الصلاة والسلام، فهو الأسوة، هو القدوة يا إخوان. كيف نكون نحن فيما بيننا البين؟ كيف نكون نحن مع أهالينا؟ إذا رجعت إلى بيتك مع زوجتك، أو مع أمك وأبيك، أو مع أختك وأخيك، مع جيرانك، أرحامك، مع أستاذك ومعلمك، مع من هو أكبر منك سناً، آداب يا إخوان جميلة وأخلاق عظيمة كان عليه الصلاة والسلام الأسوة والقدوة فيها، صلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله. قال رحمه الله تعالى: «باب كيف يكون الرجل في أهله». قال: «حدثنا حفص بن عمر، قال: حدثنا شعبة، عن الحكم، عن إبراهيم، عن الأسود، قال: سألت عائشة» - عائشة يا إخوان، أم المؤمنين، أم عبد الله، الصديقة بنت الصديق - «قال: سألت عائشة: ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصنع في أهله؟ قالت: كان في مهنة أهله، فإذا حضرت الصلاة قام إلى الصلاة، قام إلى الصلاة». لاحظوا كيف كان، كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم في أهله، قالت: كان في مهنة أهله. مر معنا أنه كان يقوم بإصلاح ما يتعلق بنفسه، كان يخيط ثوبه، تواضع يا إخوان، ويخصف نعله، تواضع، ويكون في خدمة أهله. ماذا يحتاج الأهل؟ يحتاج إلى كنس، تنظيف، يفعل ذلك، إلى تغسيل، يفعل ذلك، إلى مساعدة، يفعل ذلك. وكما سبق يا إخوان، البعض منا اليوم لربما يستنكف عن فعل ذلك، يرى أن ذلك لا يليق به، يرى أن ذلك ينقص من شأنه وقدره. لما تقول له الزوجة: يا زوجنا، يا أبا فلان، ما رأيك تأخذ هذه الملابس وتقوم بتجفيفها على الحبال؟ يقول: مشغول أنا، ما عندي وقت، شوف ما تفعل هذا. أنتم أين الخيرية يا إخوان؟ الرسول صلى الله عليه وسلم يكون في خدمة أهله ومهنة أهله، يعلمنا عليه الصلاة والسلام هذا الأدب وهذا المعروف. قال رحمه الله تعالى: «باب المقهي من الله تعالى». المقهي، ومعنى المقهي هو المحبة يا إخوان، المحبة، ابتداؤها يكون من الله تبارك وتعالى. قال رحمه الله تعالى: «حدثنا عمر بن علي، قال: حدثنا أبو عاصم» - وهو النبيل، أبو عاصم النبيل، وهو يعتبر من كبار مشايخ البخاري، ولربما روى البخاري عنه بواسطة كما جاء في هذا الإسناد - «عن ابن جريج، قال: أخبرني موسى» - قال: أخبرني موسى بن عقبة، عن نافع، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أحب الله عبداً نادى جبريل: إن الله يحب فلاناً فأحبه». قال: «فيحبه جبريل، فينادي جبريل في أهل السماء: إن الله يحب فلاناً فأحبوه». قال: «فيحبه أهل السماء»، يعني من الملائكة، «ثم يوضع له القبول في أهل الأرض». جاء في خارج الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ قوله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَٰنُ وُدًّا﴾ [مريم: 96]، أي محبة في قلوب الناس. وهذه المحبة يا إخوان ما سببها؟ سببها أن الله عز وجل أحب هذا العبد، ولماذا يحب الله عز وجل هذا العبد؟ يحبه لأعماله الطيبة، يحبه لأخلاقه الحسنة، يحبه لعقيدته الصحيحة، وغيرها من أسباب محبة الله عز وجل لهذا العبد، لهذا العبد. وإذا أحب الله العبد فتح عليه يا إخوان أبواب التوفيق، وهكذا وفقه إلى ماذا؟ إلى فعل الخيرات. قال: «فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه». أبواب كتاب الأدب لها تتم، يسر الله إتمامها في مجالس لاحقة. أسأل المولى تبارك وتعالى أن يوفقنا لكل خير، وأن يرزقنا علماً نافعاً وعملاً صالحاً وخلقاً حسناً وأدباً جميلاً جماً، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.