الدرس في أبواب السحر والكهانة من كتاب التوحيد 12، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح المحور معنى الاستسقاء بالأنواء وهو نسبة المطر إلى منازل النجوم، ويبين أن حكمه شرك أكبر في الربوبية إذا اعتقد تأثير النجوم المستقل، أو في الألوهية إذا دُعيت للسقيا، مع التمثيل بالاستغاثة بالموتى.
يفصل المحور نوعي الشرك: الأكبر بدعاء غير الله للمطر، والأصغر بنسبة السبب إلى الأنواء لفظاً، ويفرق بين التعبير الجائز والمحرم بحرف الجر، مستدلاً بآية ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ﴾ وأحاديث النهي عن أعمال الجاهلية.
يفسر المحور حديث النبي ﷺ في نزول المطر محذراً من نسبة المطر للنجوم بوصفه كفراً أصغر، ويرشد للسنة في القول: مطرنا بفضل الله، ويوضح وجهين لتفسير ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ المراد بهما مواضع نزول القرآن.
يختتم المتحدث الدرس بدعاء يسأل الله تعالى أن ينفعه بما علمه وأن يعلمه ما ينفعه معترفاً بقدرة الله، ويختم بالحمد لله رب العالمين.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى في كتابه "كتاب التوحيد"، باب ما جاء في الاستسقاء بالأنواء، وقول الله تعالى: ﴿ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ ﴾. وعن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة». وقال: «إن نائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب». رواه مسلم. ولهما عن زيد بن خالد رضي الله عنه قال: صلى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح بالحديبية على إثر سماء كانت من الليل، فلما انصرف أقبل على الناس فقال: «هل تدرون ماذا قال ربكم؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب». ولهما من حديث ابن عباس معناه، وفيه قال بعضهم: لقد صدق نوء كذا وكذا، فأنزل الله هذه الآية: ﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ ﴾ إلى قوله: ﴿ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ ﴾. أورد المؤلف هذا الباب بعد باب التنجيم، فهذا من علاقة الخاص بالعام؛ فالاستسقاء بالأنواء نوع خاص من التنجيم. والفرق بينه وبين التنجيم: أن التنجيم فيه بيان حكم نسبة الحوادث عموماً للنجوم، سواء كان الاستسقاء أو غيره، وهذا الباب خاص بنسبة الأمطار لهما، فهو تنجيم خاص يتعلق بنسبة الأمطار إلى النجوم. أراد المؤلف من هذا الباب أن يبين حكم الاستسقاء بالأنواء. ومعنى الاستسقاء: نسبة إلى السقيا، أو طلب السقيا. فمعنى الاستسقاء بالأنواء: أي نسبة السقيا إلى منازل النجوم، والأنواء جمع نَوء، وهي منازل النجوم. فمعنى الاستسقاء بالأنواء: أي نسبة السقيا إلى منازل النجوم، وتشمل طلب السقيا من النجم؛ لأن الألف والسين والتاء تدل على الطلب، فيشمل هذا الباب أن ينسب المطر الذي هو السقيا إلى النجم، أو يطلب من النجم هذه السقيا، فهذا هو المراد بالاستسقاء. وأما حكم الاستسقاء بالأنواء، فكما تقدم معنا في التنجيم ينقسم إلى قسمين: منهما شرك أكبر. الاستسقاء بالأنواء منهما شرك أكبر متى يكون كذلك؟ يكون كذلك إذا اعتقد من فعل هذا أن هذه الأنواء هي التي تنزل المطر، هي التي تنزل المطر، فلا شك أن هذا شرك في الربوبية؛ لأن هذا من فعل الله عز وجل وليس من فعل المخلوق، فيعد ذلك شركاً بالله سبحانه وتعالى إذا اعتقد أن هذه الأنواء هي التي تنزل المطر. والنوع الثاني من أنواع الشرك الأكبر: شرك في الألوهية، وذلك إذا استغاث بهذه الأنواء، إذا استغاث بهذه الأنواء ودعا هذه الأنواء أن تنزل المطر، كأن يقول: يا نوء كذا اسقنا. وهذا مثل ما يدعو الإنسان كذلك السقيا للخلق للبشر، يقول مثلاً: يا الولي الفلاني اسقنا. فهذا من الشرك الأكبر. ومما ابتليت به البلاد الإسلامية وبعض القرى أنهم يستسقون بالموتى، يستسقون بالموتى، وقد سمعت ذلك بأذني في بعض القرى في وادي دوعا، يخرج الناس ويقولون: يا بحر النور نريد سيل الليلة، يا بحر النور نريد سيل الليلة، أو باللهجة العامية هم يقولون: بغينا سيل الليلة يا بحر النور، بغينا سيل الليلة. وهذا لا شك أنه استغاثة بهذا المقبور، بحر النور، يزعمون أنه ولي من أوليائهم، أنه ولي من أوليائهم. وهكذا من استغاث بالنجم: يا نجم كذا اسقنا، أو نريد مطراً، يدعوه ويستغيث به من دون الله عز وجل، فهذا لا شك أنه شرك في الألوهية؛ لأن هذا من الدعاء، والدعاء عبادة، ولا يصرف إلا لله سبحانه وتعالى. إذن هذا النوع الأول الذي هو شرك أكبر: إما أن يكون شركاً في الربوبية، وإما أن يكون شركاً في الألوهية. وأما القسم الثاني من أنواع الاستسقاء فهو شرك أصغر، فهو شرك أصغر، وذلك إذا اعتقد فاعله أنها سبب لنزول المطر، أن هذه الأنواء هذه النجوم سبب لنزول المطر، ولا شك أن هذه النجوم ليست سبباً؛ لأن الشرع لم يجعلها سبباً في نزول المطر، فيكون من الشرك الأصغر، من الشرك الأصغر. فإذن كيف صورة الشرك الأصغر؟ أن يقول: مطرنا بنوء كذا، لأن الباء هنا للسببية، يعني: مطرنا بسبب هذا النجم، بسبب هذا النجم. أما إذا قال المسلم: مطرنا في وقت كذا، بالفاء أو بـ "في"، ليس بالباء: مطرنا في نجم كذا، فهذا جائز؛ لأنه ليس من باب نسبة المطر إلى هذا النجم، وإنما هو من باب بيان الوقت، فليس فيه اعتقاد تأثير، أو ليس فيه كذلك سببية، بخلاف من يقول: مطرنا بوقت كذا، لأن الباء هنا للسببية، وهذا الذي جاء النهي عنه كما سيأتي معنا في الأحاديث. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى قول الله عز وجل: ﴿ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ ﴾. معنى الآية: أن الله سبحانه وتعالى ذم الكافرين بأنهم ينسبون نعمة المطر لغير الله. وأين ذكر المطر في هذه الآية؟ القرآن وتفسيره يفهم من كلام السلف، من كلام المفسرين، من كلام الصحابة، من كلام التابعين. فقد جاء عن جمهور المفسرين أن معنى قول الله عز وجل: ﴿ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ ﴾ أي: شكركم هو تكذيبكم، تجعلون شكركم هو تكذيبكم، وذلك بنسبة المطر إلى غير الله، وذلك بنسبة المطر إلى غير الله. فإذا يكون معنى الآية: وتجعلون شكركم هو تكذيبكم أنكم تكذبون، وذلك ما هو هذا التكذيب؟ هذا التكذيب أن تنسبوا المطر إلى النجم، أن تنسبوا المطر إلى النجم، وهذا فيه نسبة المطر إلى غير الله، فيه نسبة المطر إلى غير الله. ومنهم من قال في تفسير الآية غير ذلك، لكن أورد المؤلف هذه الآية على قول جمهور المفسرين، على قول جمهور المفسرين. ثم ذكر حديث أبي مالك الأشعري: أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن»، أي: من أعمال أهل الجاهلية التي نهى عنها الإسلام، فإن الإسلام نهى عن كل عمل من أعمال الجاهلية، ومن ذلك الاستسقاء بالنجوم، هذا هو وجه الشاهد من هذا الحديث، ومن أجله أورده المؤلف: من أمر الجاهلية الاستسقاء بالنجوم، ففي ذلك أن الاستسقاء بالنجوم من أمر الجاهلية، فدل ذلك على تحريمه، فدل ذلك على تحريمه. هذا هو وجه الشاهد من هذا الحديث. وكذلك أورد حديث زيد بن خالد الجهني رضي الله تعالى عنه: صلى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة، أو صلاة الصبح بالحديبية في السنة السادسة، لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم يريد مكة للعمرة، فمنعه المشركون، ففي هذا الموضع الذي كان فيه التفاوض مع قريش صلى النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه صلاة الصبح على إثر سماء، ومعنى "على إثر سماء": يعني عقبي مطر، على عقبي مطر، يعني جاءت مطر ثم صلى عليه الصلاة والسلام، وأطلق على المطر "سماء" لكونه ينزل من جهة السماء، لكونه ينزل من جهة السماء، ومنه قوله عز وجل: ﴿ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا ﴾، أي: يرسل المطر. لماذا هنا نسبها إلى السماء؟ لأن المطر ينزل من السماء. وأما قوله: «هل تدرون؟» هذا استفهام للتنبيه، هذا استفهام للتنبيه، وهو أسلوب من أساليب التعليم أن يوضع العلم على صورة السؤال، فهذا أدعى لانتباه الطالب، بخلاف لو أنك أعطيت الطالب هذه الفائدة أو هذا العلم دون سؤال، لربما يكون منشغلاً، يكون شارد الذهن، فلما تورد الفائدة والمسألة على صورة السؤال ينتبه الطالب، ينتبه الطالب، ثم يلقى عليه الجواب فيحفظ هذا الجواب وينتبه لهذا الجواب. فقوله: «هل تدرون؟» هذا استفهام للتنبيه. وأما قوله: «ألم تسمعوا ما قال ربكم؟» أي: مما أوحى إلي، مما أوحى إلي. ثم قال: «أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر». المراد بالكفر هنا الكفر الأصغر؛ لأن فيه نسبة المطر إلى النجم، وهذا كما تقدم معنا أنه من الشرك الأصغر، ومن الكفر الأصغر؛ لأن فيه نسبة المطر إلى غير الله. وقوله: «مطرنا بنوء كذا» أي: بواسطة أو بسبب هذا النجم، بسبب هذا النجم. ولذلك ذكر أهل العلم أن من السنة بعد نزول المطر أن يقول المسلم: مطرنا بفضل الله وبرحمته، لأنه جاء في هذا الحديث: «ومن قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب». ثم أورد حديث ابن عباس في معنى حديث زيد بن خالد، وفيه قال بعضهم: لقد صدق نوء كذا، فأنزل الله: ﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ ﴾، لأن هذا القول فيه معنى نسبة المطر إلى هذا النجم، إلى هذا النجم. والحديث في صحيح مسلم، وليس فيهما، أما حديث زيد بن خالد الجهني فهو في الصحيحين. نعم. وقوله: ﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ ﴾، ما معنى "فلا أقسم بمواقع النجوم"؟ لا أقسم بيوم القيامة، لا أقسم بالنفس اللوامة. قيل فيها توجيهان: التوجيه الأول: أن "لا" هنا لمجرد التوكيد، وليست نافية، فالمعنى: فأقسم بمواقع النجوم، لأن التوكيدية هي بمعنى الزائدة في اللفظ، هي بمعنى الزائدة في اللفظ، فيكون المعنى: لا أقسم بمواقع النجوم، لا أقسم بمواقع النجوم، يعني: أقسم بمواقع النجوم، فلا هنا زيدت لمجرد التوكيد، وهو معنى بلاغي معروف في اللغة العربية. هذا قول. والقول الآخر: "فلا أقسم" أي: فليس الأمر كما تقولون، فلا يعني: ليس الأمر كما تقولون، ثم استؤنف الكلام بالقسم، ثم استؤنف الكلام بالقسم، فقال: ﴿ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ ﴾، أقسم بمواقع النجوم، فلا هنا بعدها كلام محذوف، بعدها كلام محذوف، والتقدير كما تقدم: فلا، أي: ليس الأمر كما تقولون من التكذيب، ومن كذلك الكفر بالله سبحانه وتعالى، ونحو ذلك مما ورد من كفر ومن جحد أهل الكفر. فهذان قولان جاءت في معنى هذه اللام. وقوله: "مواقع النجوم" يعني: نجوم القرآن، مواقع النجوم يعني: نجوم القرآن، لأن القرآن نزل منجماً، ومعنى "نزل منجماً": أي على حسب الحوادث مفرقاً، ليس جملة واحدة. قال ذلك ابن عباس: قال: نزل القرآن في ليلة القدر من السماء العليا إلى السماء الدنيا جملة واحدة، إلى السماء الدنيا جملة واحدة، ثم فرق في السنين بعد، فينزل على حسب الحوادث، وعلى حسب الأحوال كما هو معلوم، فهناك آيات مكية ناسب أن تنزل في المرحلة المكية، وهناك آيات مدنية ناسب أن تنزل في المرحلة المدنية، وهناك مواقف وغزوات وقعت في سنين معينة، فينزل القرآن ببيان بعض حوادثها، وهكذا. فإذا "مواقع النجوم" فسر بهذا، والله تعالى أعلم. وبهذا نكون قد انتهينا من المراد من هذه الدروس التي قررت في هذه الدورة العلمية المباركة. فالحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. فنسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا بما علمنا، وأن يعلمنا ما ينفعنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله رب العالمين.