الدرس في ترجمة الشيخ عبدالرحمن بن يحيى المعلمي 1، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
وُلد الشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلمي عام 1312هـ في قرية المحاقرة باليمن، ونشأ في أسرة صالحة وبدأ بحفظ القرآن على والده. ثم سافر إلى الحجرية ودرس النحو والفقه على علماء بارزين وحصل على إجازة عامة في الحديث من الفقيه أحمد بن محمد بن سليمان المعلمي.
تنقل الشيخ أحمد المعلمي في وظائف علمية وقضائية بين اليمن والحجاز وعدن وإندونيسيا والهند، حيث مكث خمساً وعشرين عاماً في دائرة المعارف العثمانية بحيدر أباد محققاً أكثر من أربعين مجلداً. استقر أخيراً في مكة المكرمة أميناً لمكتبة الحرم المكي ومدرساً فيه، واشتهر بتواضعه وخدمة الباحثين بنفسه.
كان الشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلمي نموذجاً في التواضع وأثنى عليه كبار علماء العصر كابن إبراهيم والألباني وبكر أبو زيد، ووصفوه بالعلم والعمل والخبرة بالحديث، وترك تراثاً ضخماً جُمع في 25 مجلداً من أبرزها «التنكيل». توفي في مكتبة الحرم المكي بصبيحة 6 صفر 1386هـ، وصلي عليه في المسجد الحرام ودفن بمكة، واختتم المتحدث بدعاء الله أن يغفر له ويرحمه وجميع العلماء وأن يجمعهم في جنات النعيم مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على خير خلق الله نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ومن والاه. أما بعد، مواصلة أيها الأحبة في الله مع تراجم علمائنا المعاصرين الراحلين الذين كانوا منارات للهدى ومصابيح في الدجا، كانت حياتهم صفحات مضيئة لطلاب العلم، وهكذا للمسلمين على وجه العموم. وبفقدهم تفقد الأمة من خيرة رجالها وفلذات أكبادها. وحين أن يقرأ أو يسمع الواحد منا عن هؤلاء الأعلام والعلماء الأفذاذ، فإنه يشعر أنه يجالسهم ويعيش معهم ويأخذ من علومهم ويستفيد من تجاربهم وخبراتهم. فما أجمل الحديث حول هؤلاء العلماء وهؤلاء الأخيار. آخر ما تحدثنا عنه في الدرس الماضي: تحدثنا حول علم من هذه الأعلام وعالم من هؤلاء العلماء، فمن هو يا أبا طاهر؟ أحسنت: الشيخ محمد بن عبد الوهاب بن مرزوق البنى، رحمه الله تعالى وغفر لنا وله ولعلمائنا أجمعين. ومر معنا في مجلسين بعض الجوانب الهامة وبعض الصفحات المضيئة من حياته، رحمه الله تعالى، كيف قضى الكثير من حياته في الدعوة والعلم والتعليم. وحديثنا في هذه الليلة حول عالم كبير ومحدث نحرير، هو من أبناء هذه البلاد المباركة، من بلاد اليمن، ألا وهو فضيلة الشيخ العلامة المحدث أبو عبد الله عبد الرحمن بن يحيى المعلمي. الشيخ عبد الرحمن بن يحيى بن علي بن محمد المعلمي العتمي اليماني. ولد في أواخر سنة ألف وثلاثمئة واثني عشر من الهجرة في قرية تقع في ضواحي صنعاء اليمن، وهي قريته التي ولد فيها، رحمه الله تعالى، تسمى المحاقرة، وهي من عزلة الطفن في بلاد عتمة. ونشأ، رحمه الله تعالى، نشأ في أسرة صالحة وبيئة طيبة يغلب عليها التديّن ويغلب عليها الصلاح. فبدأ، رحمه الله تعالى، بقراءة القرآن على والده، وهكذا أيضا على بعض المتعلمين من أهل بلدته. ثم سافر بعد ذلك إلى الحجرية، وهي تقع في محافظة تعز، حيث كان أخوه الأكبر محمد بن يحيى المعلمي كاتباً في محكمتها الشرعية. والتحق الشيخ، رحمه الله تعالى، بمكتب من تلك الكتاتيب التي يعلم فيها القرآن والتجويد والحساب واللغة التركية. ثم جاء والده عبد الرحمن المعلمي إلى الحجرية، وسأل ابنه عن دراسته، فأجابه بما سبق. ولما عرف والده أنه لا يدرس النحو، لاحظوا يا إخوان: والده لاحظ أنه لا يدرس النحو، طلب من ابنه الأكبر أن يدرس أخاه النحو، فقام بتدريسه الآجرومية، وكان ذلك في بداية حبه لعلم النحو خاصة وشغفه بهذا العلم. وقدر على الشيخ، رحمه الله تعالى، أن يمرض مرضاً شديداً في الحجرية، فعولج هنالك، وماذا؟ شفي من ذلك المرض الذي أصابه. ثم إن الشيخ، رحمه الله تعالى، سافر مع والده إلى بلاد الريمي، فما أدري: بلاد الريمي هي ريمة أو أنها بلد آخر غيرها؟ رأي أبا أحمد: ذكروا في ترجمته إلى بلاد الريمي المشهورة بريمة، فكأنها هي المعنية. هناك ماذا كان بها من العلماء والمعلمين والمصلحين؟ وجد في بلاد الريمي شيخاً يقال له أحمد بن مصلح الريمي، وصار يتذاكران في النحو وإعرام آيات قرآنية وأبيات شعرية، واستفاد الشيخ، رحمه الله تعالى، في تلك المرحلة من دراسة وقراءة بعض الكتب النحوية. ثم ذهب، رحمه الله تعالى، إلى بلده، ودرس على يد الفقيه أحمد بن محمد بن سليمان المعلمي، وكان هذا الرجل متبحراً في العلم. ومكث الشيخ هناك مدة طويلة، وأخذ عن هذا الشيخ شرح متن أبي شجاع في الفقه الشافعي مع مراجعة حواشي الباجوري عليه، وهكذا المنهاج للنووي وغير ذلك، كما أخذ عنه الفرائض، وقد أجازه إجازة عامة في الحديث وغيره. ثم عاد الشيخ، رحمه الله تعالى، إلى بيت الريمي، وانكب على قراءة كتب فقهية ونحوية وأدبية. فجاء أخوه، جاء أخوه محمد بن يحيى من الحجرية، وكان يريد أن يأخذه، إلا أنه لما وجد الشيخ في جد واجتهاد واستفادة، آثر أن يبقى الشيخ هناك. وبقي الشيخ، رحمه الله تعالى، يأخذ العلم، وهكذا يتلقى الدروس سواء في النحو أو في الفقه أو في غيرها من الأبواب. وبقي هناك مدة، ثم رجع بعد ذلك مرة أخرى إلى عتمة. وذكروا أنه حينها كان القضاء قد صار في ذلك الوقت إلى الزيدية في تلك البلاد. فكان الشيخ، رحمه الله تعالى، بعدها يعمل كاتباً لأحد القضاة هنالك، وهو القاضي محمد بن علي الذاري، فكان الشيخ كاتباً له، وذلك في سنة ألف وثلاثمائة وخمس وثلاثين من الهجرة. ثم رحل الشيخ، رحمه الله تعالى، رحل إلى المدينة النبوية، ومنها إلى مكة المكرمة لأداء فريضة الحج، وعاد إلى المدينة، ثم رحل مرة أخرى في مطلع عام سبع وثلاثين وثلاثمائة وألف إلى مدينة جيزان. وهناك كان يحكمها الأمير محمد الإدريسي، كان أميراً على عسير وما حولها من المناطق. وكان الإدريسي قد كلف الشيخ، رحمه الله تعالى، بأن يقوم بالقضاء ومراقبة القضاء، وكان يخطب بهم في الجمع والأعياد. وكان الإدريسي معجباً بعلم الشيخ حتى أنه كان يلقبه بشيخ الإسلام. فبقي الشيخ، رحمه الله تعالى، بقي إلى أن مات الإدريسي، وتولى ابنه الحكم بعده، فأبعد هذا الابن كبار رجالات والده إلى عدن، وكان منهم العلامة المعلمي، رحمه الله تعالى. فبقي الشيخ، رحمه الله تعالى، بقي في عدن، وكان يشتغل فيها بالتدريس، وهكذا بالوعظ والإرشاد، بقي فيها نحواً من سنتين. ثم رحل الشيخ إلى إندونيسيا، وبقي فيها مدة يسيرة اشتغل فيها بالعلم. ثم في أواخر سنة ألف وثلاثمئة وأربع وأربعين، رحل الشيخ، رحمه الله تعالى، إلى الهند، وعمل في دائرة المعارف العثمانية في حيدر أباد في قسم التصحيح والتحقيق. وكانت، يا إخوان، الهند ولا سيما حيدر أباد، كان بها دعوة سلفية، وكان فيها من علماء الحديث كما سبق معنا في بعض التراجم السابقة، وأن من العلماء من استفاد هنالك أو درس هنالك. فالشيخ، رحمه الله تعالى، استفاد من بقائه في دائرة المعارف العثمانية في حيدر أباد فائدة كبيرة، وعرف ثقافات مختلفة، وهناك تفرغ للعلم وانقطع له، كما أنه انشغل بعلم الحديث خاصة، وبقي فيها خمساً وعشرين سنة، بقي في حيدر أباد وفي دائرة المعارف العثمانية في قسم التصحيح والتحقيق مدة خمس وعشرين سنة، أي إلى عام ألف وثلاثمائة وواحد وسبعين. وكان يحقق فيها الكتب، وقد وصلت تحقيقاته أثناء تواجده في الهند لأكثر من أربعين مجلداً. وبعدها سافر، رحمه الله تعالى، إلى أرض الحرمين، ونزل في مدينة جدة، وعين فيها مدرساً بإحدى المدارس فيها. ثم واصل رحلته وأكمل سيره إلى أن وصل إلى مكة المكرمة. وفي مكة، يا إخوان، استقر الشيخ، رحمه الله تعالى، استقر في الحرم المكي، وعين أميناً لمكتبة الحرم المكي الشريف. وكان، مع قيامه بمكتبة الحرم المكي، كان كذلك أيضاً يدرس في الحرم المكي، وكان دروسه بعد صلاة الفجر، وهكذا بعد صلاة العصر في حصوة باب السلام. كان الشيخ، رحمه الله تعالى، يدرس النحو والبلاغة والفقه والفرائض وغيرها من العلوم الأخرى. وكان، رحمه الله تعالى، له دور كبير أيضاً في مكتبة الحرم المكي، كان، رحمه الله تعالى، يعين ويساعد الباحثين في محوثاتهم، وهكذا أيضاً في انتقاء الكتب لهم، وأيضاً إيصالهم إلى الكتب التي يبحثون عنها. ومع هذا كان مكباً على التحقيق والتأليف والتصحيح، رحمه الله تعالى، فكان يصلي في الحرم المكي ويقوم بدروسه ويرجع إلى مكتبة الحرم المكي حيث بها سكنه. وكان الشيخ، رحمه الله تعالى، ذا خلق عظيم جداً، ومن أبرز هذه الأخلاق التي عرف بها التواضع، يا إخوان، التواضع. فكان لا يحب المظاهر، وكان يعامل الناس بأخلاقه العالية التي تربى عليها، فقد كان واسع الصدر، وكان سمح الخلق، وكان وقوراً، لا يبخل بمساعدة الباحثين والمتعلمين. كان يخدم الباحثين، يا إخوان، لربما وهو المسؤول عن المكتبة قد يأتي لبعضهم بماء زمزم لكي يشرب، ويأتي لآخرين بالشاي لكي يشرب. يأتي العلماء من أنحاء وبلدان شتى، فيجلس لربما فترات، فيكرمهم الشيخ بتقديم الشاي أو إعطائهم من ماء زمزم. فبعد أيام يسأل أحدهم: أين الشيخ أحمد بن يحيى المعلمي؟ والشيخ له أيام يخدمه، يقرب له الشاي، يقرب له الماء، فيسأل: أين الشيخ أحمد المعلمي؟ فيقال له: أنت إلى الآن ما تعرف الشيخ أحمد الذي يقدم لك الشاي يومياً؟ هذا هو الشيخ أحمد. فيخجل ذلك الشخص، وقد يكون من كبار العلماء، أن عالماً كبيراً ومحققاً نحريراً خلال هذه الفترات كان يخدم، وكان يقدم لهؤلاء الذين يفدون على مكتبة الحرم المكي. ومر معنا في ترجمة العلامة أحمد شاكر، رحمه الله تعالى، شيئاً من ذلك: أتى من مصر إلى مكة، ويسمع عن عالم كبير ومحدث نحرير اسمه أحمد بن يحيى المعلمي، فأتى إلى مكتبة الحرم المكي واستضافه الشيخ أحمد، وقرب له الشاي. وبعد مدة يسأل: أين الشيخ أحمد بن يحيى المعلمي؟ فيقال له: ذاك الذي قدم لك الشاي هو الشيخ... هو الشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلمي، رحمه الله تعالى. عفواً سبق لسان: فعبد الرحمن بن يحيى المعلمي، رحمه الله تعالى. وهكذا مع غيره. وهذه، يا إخوان، ليست ببعيدة عن أمثال الشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلمي، فهو من بلاد اليمن، وأهل اليمن قد أثنى عليهم النبي صلى الله عليه وسلم بماذا؟ «أرق أفئدة وألين قلوباً، هم أهل السكينة وأهل الوقار وأهل التواضع والخلق الحسن» وغيره. فكان الشيخ، رحمه الله تعالى، عظيماً في التواضع. أثنى عليه العلماء، وممن أثنى عليه: أثنى عليه شيخه محمد بن علي الإدريسي، رحمه الله تعالى، فوصفه بأنه... وصفه بقوله: «محبنا الأجل العالم العامل الأمثل وجيه الإسلام»، هكذا وصفه، رحمه الله تعالى. وممن أثنى عليه: مفتي الديار السعودية العلام محمد بن إبراهيم آل الشيخ، رحمه الله تعالى، فقال عن الشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلمي: قال عنه: «عالم خدم الأحاديث النبوية وما يتعلق بها». وقال عن رسالة الشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلمي التي تتعلق بمقام إبراهيم: له رسالة عظيمة، يا إخوان، حول مقام إبراهيم وجواز تأخيره. فطلع عليها الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ، فقال معلقاً: «قرأت» أو قال: «قُرئت علي هذه الرسالة، فوجدتها رسالة بديعة، وقد أتى فيها بعين الصواب». وهكذا أثنى عليه العلامة المحدث أبي عبد الرحمن، أو أبو عبد الرحمن محمد ناصر الدين الألباني، رحمه الله تعالى، فقال عنه: «العلامة عبد الرحمن اليماني المعلمي، رحمه الله، رجل خبير بهذا العلم الشريف» يعني به علم الحديث، «خبير بهذا العلم الشريف، يعرف قدر كتب السنة وفضلها وتأثيرها في توحيد الأمة إلى ما يصعدها في دنياها وأخراها». وهكذا ممن أثنى عليه: أثنى عليه فضيلة العلامة بكر بن عبد الله أبو زيد، رحمه الله تعالى، فقال عنه: «له جهود في خدمة السنة وعلومها، أبدى يراعة براعة، ودوراً في أصول التخريج وقواعد الجرح والتعديل». وهكذا غيرهم كثير من علماء العصر أثنوا على هذا العلامة وهذا المحدث والمحقق النحرير. والشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلمي له مؤلفات عديدة نافعة، وقد جمعت وحققت في خمسة وعشرين مجلداً تحت اسم «آثار الشيخ العلامة عبد الرحمن المعلمي». وهكذا أيضاً، يعني من أجل وأنفع هذه الكتب: كتابه «التنكيل بما في تأنيب الكوثر من الأباطيل»، وقد طبع وهو في مجلدين، وقد أجاد وأفاد، رحمه الله تعالى. وهكذا له كتاب بعنوان «الأنوار الكاشفة لما في كتاب أضواء على السنة من الزلل والتضليل والمجازفة». وهكذا أيضاً له كتاب بعنوان «عمارة القبور في الإسلام». وهكذا غيرها من الكتب النافعة. وله تحقيقات عظيمة لكتب الحديث، وهكذا غيرها، فمن أهم ذلك: حقق «السنن الكبرى» للبيهقي، وهكذا «مسند أبي عوانة»، و«الكفاية في علم الرواية» للخطيب البغدادي، وهكذا «صفوة الصفوة»، وهكذا «المنتظم» لابن الجوزي، وهكذا «موارد الظمآن إلى زوائد صحيح ابن حبان»، وهكذا «الجواب الباهر في زوري المقابر» لشيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله تعالى، وهكذا غيرها من الأمهات. وشاركه في بعضها بعض زملائه في قسم التحقيق والتصحيح في دار أو دائرة المعارف العثمانية بحيدر أباد. والشيخ، رحمه الله تعالى، بقي في مكتبة الحرم المكي إلى أن توفاه الله عز وجل، وكانت وفاته في صبيحة يوم الخميس السادس من شهر صفر عام ألف وثلاثمئة وست وثمانين من الهجرة. أدى صلاة الفجر في المسجد الحرام، وعاد إلى مكتبته، مكتبة الحرم، حيث كان يقيم بها، وتوفي على سريره، رحمه الله تعالى. وصلي عليه في المسجد الحرام، ودفن بمكة المكرمة. هذه بعض الصفحات وهذه بعض الجوانب من حياة هذا العلامة والمحدث الكبير اليماني العتمي، الشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلمي، رحمه الله تعالى. فأسأل المولى عز وجل أن يغفر له وأن يرحمه وعلماءنا أجمعين، وأن يجمعنا بهم في جنات النعيم مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً. وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.