الدرس في التعليق على القواعد الحسان في تفسير القرآن 94، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
تقرر القاعدة ثلاثة أقسام للأجر: من باشر العمل بنفسه فله أجره، ومن شرع في عمل ثم عجز عن إكماله لعذر شرعي كمرض أو موت فله أجره كاملاً، ومن أحدث عملاً له آثار باقية كالتعليم والاقتداء فله أجر تلك الآثار. استدل المحاضر على ذلك بآيات من القرآن الكريم كآية الميراث بالعمل وآية الهجرة المدركة بالموت وآية الدعوة إلى الهدى.
يُكتب للعامل أجر العمل الكامل إذا نوى خيراً وجاهد فيه ثم منعه عذر شرعي كمرض أو سفر أو عجز مالي عن إتمامه. كما تُكتب للإنسان آثار أعماله الصالحة بعد موته كالصدقة الجارية، وأعظمها العلم النافع الذي ينتفع به الناس إلى قيام الساعة.
أوضح المقطع أن آثار العمل نوعان: ما وقع بغير قصد كاقتداء الناس بالمتصدق، وما وقع بقصد كنشر العلم، والأجر في كليهما لكن الثاني أعظم. كما بين أن المؤمن يؤجر على نفع الناس في مهنته الدنيوية إذا نوى وجه الله، مستدلاً بحديث السهم الذي يدخل الجنة صانعه وراميه وممده.
من لم يتعلم العلم بنفسه ولم يبلغه لغيره لكن أعان طلاب العلم بالإنفاق والتشجيع وتسهيل طلبهم، فله أجر عظيم ومشترك في ثمرات علمهم. ويختتم الشارح بشرح هذه القاعدة الجامعة بالثناء على الله وحمده.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. وبعد، فهذه القاعدة عبارة عن ثلاثة أمور: الأمر الأول: من باشر العمل، ومعنى باشر العمل أي قام به بنفسه وأكمل هذا العمل، فهذا يكتب له ما باشره من عمل. الأمر الثاني في هذه القاعدة: من باشر عملاً لكن عجز عن تكميله، عجز عن تكميله، وكان هذا العجز ليس عن عمد وإنما عن عدم استطاعة. مثاله: إنسان دخل في الصيام، فلما كان وسط النهار مرض فاضطر إلى الإفطار، فيكتب له ما صامه وما لم يصمه، لأن المانع له من عدم الإكمال والإتمام عذر المرض. عذر المرض. كذلك من يريد الجهاد لكن لا يجد قدرة، كما وصف الله عز وجل أهل الإخلاص: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾ [التوبة: 92]. هؤلاء يكتب لهم، ولذلك جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن أناساً في المدينة ما سرتم مسيراً ولا قطعتم وادياً إلا شركوكم في الأجر، حبسهم العذر»، وفي رواية: «حبسهم المرض». فمن أراد أن يعمل عملاً أو شرع في عمل لكن عجز عن إكماله وإتمامه، فيكتب له كأنه عمل هذا العمل كاملاً، يكمل له هذا العمل، وهذا من فضل الله ورحمته بعباده، ورحمته بعباده. هذا الأمر الثاني. الأمر الثالث: يكتب له ما نشأ عن عمله. إيش الذي ينشأ عن العمل؟ يعني بمعنى الآثار. أنت الآن دخلت في عبادة الصيام فأنت صائم، فعلم الناس أنك صائم، فاقتدوا بك فصاموا مثلك، فلك أجر غير أجر الصيام، غير أجر الصيام. وإذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ومن سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها»، هذا باشر العمل، وأجر من عمل بها هذا شيء ثاني، هذا أجر آخر غير أجر العمل، غير أجر العمل. هذه هي آثار العمل. علمت أناساً، فقد يجري لك أجر هذا التعليم بعد موتك، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً». هذا من آثار تعليمك العلم، من آثار تعليمك العلم، فهذا أثر الطاعة. فإذن، انظر من رحمة الله عز وجل أنك إذا باشرت عملاً أجرت عليه، وإذا كان هذا العمل متعدياً وله ثمار، آجرك الله عز وجل على ثماره وآثاره كما تقدم، وإن عملت عملاً ولم تكمله عجزاً منك، أجرت كأنك قمت بهذا العمل كاملاً، كاملاً. فانظروا إلى فضل الله ورحمته. فقال: فهذه الأمور الثلاثة وردت في القرآن. الآن المقام مقام قواعد في القرآن، فأراد أن يدلل على هذه القواعد أو هذه القاعدة وهذه الأمور الثلاثة، فذكر أدلة لها. قال: أما الأعمال التي باشرها العبد فأكثر من أن تحصى النصوص الدالة عليها، كقوله: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: 32]، يعني قال الله عز وجل: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف: 72]، إذن بمعناها: بما باشرتم من عمل. وقال: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: 286]، يعني أن الإنسان له ما كسب، أي ما عمل وما باشر من عمل. وقال: ﴿لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ﴾ [يونس: 41]، أي ما باشرتموه من عملكم، كما أنني ما باشرت من عملي. والآيات في هذا كثيرة التي تدل على مباشرة العبد للعمل. وأما تكميل العمل، فقالوا: أما الأعمال التي شرع العبد فيها ولم يكملها، فقد دل عليها قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء: 100]. وهذا له سبب نزول، لذاك الشيخ الكبير، لما قال: يا أولادي، أنا أريد الهجرة، قالوا: أنت مريض كبير لا تطيق ذلك، فقال: ولا أطيق البقاء بين ظهراني المشركين، فخرج، فلما كان في الطريق اشتد به المرض فمات، فكتب الله له أجر الهجرة كاملاً، ونزلت هذه الآية. هو ما أكمل الهجرة، ما وصل الآن إلى أرض الهجرة، ما وصل إلى المدينة، ما زال في الطريق، ومع هذا كتب له أجر الهجرة كاملاً. هذا دليل واضح في هذه المسألة. ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾، أي شيء الذي منعه من إكمال هجرته؟ الموت. ومن مات انقطع عن العمل، إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث. فإذن قال: ﴿فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾، يعني قد آجره الله عز وجل أجراً تاماً كاملاً على عمله ذلك. قال: فهذا خرج للهجرة وأدركه الأجل قبل تكميل عمله، فأخبر تعالى أنه وقع أجره على الله. فكل من شرع في عمل من أعمال الخير ثم عجز عن إتمامه بموت، كان صائماً فمات بعد صيامه بساعة، صام الساعة الرابعة فجراً، مات الساعة الخامسة أو السادسة صباحاً، فيكتب له صيام يوم كامل، وهكذا قس في غيرها من الأعمال. هذا معنى: قبل بموت أو عجز بدني. عجز بدني يعني مرض، صام فمرض فاضطر إلى الإفطار، فكتب له صيام يوم. طيب، وقد ورد في هذا أدلة من السنة، جاء في صحيح البخاري قال عليه الصلاة والسلام: «من سافر أو مرض كتب له ما كان يعمل صحيحاً مقيماً». صحيحاً مقيماً. أنت لما تسافر تكون مشغولاً بالسفر، لا تصلي النوافل، وهذه السنة إلا الوتر وركعتين بعد الفجر، هذا من هدي النبي صلى الله عليه وسلم. فإذا كنت مواظباً على هذه الصلاة في حال الحضر، فستكتب لك أجر صلاتها وأنت في السفر، وإن لم تصلها، أن منعك منها عجز بدني وهو السفر. طيب، أو عجز مالي. عجز مالي يعني: أنت خارج للعمرة، ضاعت عليك النفقة، ما تستطيع تواصل، فرجعت، ما عليك حرج، واضح ما عليك حرج. أو أردت طلب العلم لمدة سنة، فقصرت بك النفقة فرجعت، فما حرج عليك لأنك ما تستطيع المواصلة لعجز مالي. أو مانع داخلي أو خارجي، يعني أي مانع من الموانع، ظروف أسرية، وفاة أب، وفاة أم، حادث مرور، أو نحو ذلك، حال بينك وبين إتمام هذا العمل، بين إتمام هذا العمل، وكان من نيتك لولا المانع لأتمه، فقد وقع أجره على الله. فإنما الأعمال بالنيات، والله أعلم بما في الصدور وما في القلوب، الله أعلم بما في الصدور وما في القلوب. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: 69]. هم جاهدوا، فالمجاهد قد يدرك العمل الذي جاهد فيه، وقد لا يدرك، فيكتب له كأنه أدرك هذا العمل. ولذلك قال: فكل من اجتهد في الخير، هداه الله الطريق الموصل إليه، سواء أكمل ذلك العمل أو حصل له عائق عنه. أنت اجتهدت تريد مثلاً حفظ القرآن، اجتهدت وسهرت وكذا، ثم حصل لك عائق، فإن شاء الله يقع لك أجر من حفظ القرآن. طيب، أنت اجتهدت في قيام الليل، عملت الأسباب وكذا، وجاهدت نفسك ونمت مبكراً، ثم غفلت، فيكتب لك كأنك قمت الليل، لأنك اجتهدت وجاهدت، وأنت تقوم في غير هذه الليلة، لكن هذه الليلة غفلت، فيكتب لك كأنك قمت هذه الليلة. ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾، سواء كان أكملوا هذا العمل ووفقوا لإتمامه، أو حال بينهم وبين إتمامه حائل أو عائق. والأمثلة على ذلك كثيرة، الأمثلة على ذلك كثيرة. قال: وأما آثار أعمال العبد، فقد قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ [يس: 12]. أي باشروا عملهم، هذا دليل على الأمر الأول، مباشرة العمل. ﴿وَآثَارَهُمْ﴾، هذا هو موطن الشاهد، ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾، والعطف يفيد المغايرة، فدل ذلك على أن ما قدموا هو غير الآثار. الآثار هو ما يخلفه هذا العمل من خير، ومن صدقة جارية لهذا العامل، فهذا هو الآثار. وقال: التي ترتبت على أعمالهم من خير وشر. يعني كما أن العمل الصالح له آثار صالحة، فالعمل السيء له آثار سيئة. مثال ذلك: إنسان حفر بئراً، يؤجره الله عز وجل على مباشرته لهذا العمل، وما استفاد منه الناس من هذا البئر من شرب وسقي ونحو ذلك، هذا أثر يبقى له حتى بعد موته، هو من الصدقة الجارية. أيضاً الولد الصالح من الصدقة الجارية. جاءك ولد فربيته وعلمته وخلقته بالأخلاق الفاضلة، فهذا من الصدقة الجارية. باشرت هذا العمل بالزواج والمعاشرة مع أهلك والصبر على تربية هذا الولد، هذا مباشرة العمل، ثم ما بقي من آثار هذا العمل من عمل هذا الولد الصالح، من دعائه، من استغفاره، من هذا يرجع إليك أثره، يرجع إليك. قال عليه الصلاة والسلام: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية...» الصدقة الجارية كل ما هو يعني مستمر نفعه للناس: حفر بئر، بناء مسجد، بناء دور للطلاب العلم، بناء دور للأيتام والمساكين، غرس الأشجار، شق الأنهار، وحفر الآبار، كل هذه من الصدقات الجارية، من الصدقات الجارية، يبقى أثرها، يبقى أثرها. فهذا هو معنى قوله: ﴿وَآثَارَهُمْ﴾، أي ما بقي من نفع لهذا العمل الذي قاموا به. وأعظم صدقة جارية يقدمها الإنسان لنفسه، ما هي؟ أعظم صدقة جارية ما هي؟ ها، لا، لأن الولد قد يموت وينتهي. ها، العلم، العلم يبقى. لو بنيت مسجد، مئة سنة، مئتين سنة، يهدم. لكن الآن الإمام البخاري، كم سنين بيننا وبينه؟ مئات السنين، ويمكن في القرن الثالث أو الرابع، نحن الآن في القرن الرابع عشر، كم قرون، كم مئات السنين، وما زال علمه بين أيدينا، وما زال أجر هذا العلم يجري عليه. لكن إنسان بنى مسجد، يجلس قرن، قرنين، ثلاثة قرون، ثم يذهب، خلاص يتكسر. صح، فيأتي آخر ويبني، يحصل أجر آخر. صح. الولد يموت، طيب، خلاص يذهب هذه الصدقة الجارية. أيش؟ كل شيء، النهر ربما يندثر، البئر ربما يدفن. لكن الولد الصالح، العلم النافع، ما يعني ينقطع إلا إذا قامت الساعة. صح، إلا إذا قامت الساعة. فأعظم صدقة جارية هي ماذا؟ العلم النافع. يوم تؤلف وتدرس، ينتفع الناس بعلمه. إذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً». سبحان الله، يعني تعلم إنسان، لك أجر هذا الإنسان، يعلم آخر، له أجر، ولك أجر مثل هذا، لأنك أنت الذي علمته. ألفت والناس انتفعوا من تأليفاتك، درست والناس انتفعوا من دروسك، أجرك يمضي ويمشي، كل من انتفع بعلمك. هذا أعظم صدقة جارية يقدمها العبد لنفسه في دنياه. ثم ذكر الآية الأخرى، وقال في المجاهدين: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكَافِرِينَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [التوبة: 120]. قلنا: هذا في المجاهدين الذين لم يستطيعوا الجهاد لعذر نزل بهم، فالله عز وجل بين أن الله كتب لهم به عملاً صالحاً، وهم لم يعملوا هذا العمل الصالح، لأن نيتهم الجهاد في سبيل الله. فكل هذه الأمور من آثار عملهم، كما ذكر. ثم ذكر تنبيهاً: أن الأعمال التي هي من آثار عمله نوعان. أحدهما: أن تقع بغير قصد من الإنسان. نبه على هذا لأنه قد يقول قائل: قد الإنسان يعمل عملاً وما نية أن هذا العمل يكون له أثر، لكن صار لهذا العمل أثر، هل له أجر؟ نعم، له أجر هذا الأثر، وإن لم ينو. مثلاً: إنسان صام، فعلم الناس بصومه، فصاموا اقتداء به، وما نوى أن الناس يقتدون به، وما نوى أن يظهر عمله هذا، لكن أظهر هذا العمل بأي سبب من الأسباب، فهل نقول هذا ليس له أجر لأنه ما نوى الأثر؟ لا. هذه المسألة الأولى: أحدهما أن تقع بغير قصد من الإنسان، كأن يعمل أعمالاً صالحة خيرية، فيقتدي به غيره في هذا الخير. خيرية مثل الصدقة، يتصدق، يراه الناس، كما ورد في حديث يعني العرنيين الذين جاءوا وهم فقراء متقلدي السيوف، فرق النبي صلى الله عليه وسلم لهم، فحث على الصدقة، فجاء رجل بصرة كادت يده أن تعجز عن حملها، فلما رآه الناس تتابعوا، فقال: «من سن في الإسلام سنة حسنة...». هل نوى هذا الرجل أن يقتدى به؟ الله أعلم، نوى أو ما نوى، له أجر، لكن يختلف الأجران. فمن عمل عملاً من الأعمال الصالحة وما نوى به أن يقتدى به، فهو يجد من آثار هذا العمل، فإن ذلك من آثار عمله. وكمن يتزوج بغير نية حصول الأولاد الصالحين، تزوج فقط من أجل شهوته، من أجل أن يأتي شهوة بالحلال، ما فكر أن يكون له أولاد صالحون، وأن يربيهم على الصلاح، فطلع هؤلاء الأولاد صالحين، هل نقول للرجل: أنت ما نويت الأولاد الصالحين، ليس لك أجر؟ لا، له أجر، له أثر، هؤلاء الأولاد الصالحون، واضح. نعم، الأمر الثاني، وهو أشرف النوعين: أن يقع ذلك بقصده، كمن علم علماً نافعاً، فنفس تعليمه وبشرته له من أجل الأعمال، ثم ما حصل من العلم والخير المترتب على ذلك، فأنه من آثار عمله. علم بنية أن ينفع الناس، طيب، فهذا لا شك أن أجره أعظم من الأول، لأنه نوى وقصد هذه النية الحسنة. طيب، وكذلك كمن يفعل الخير ليقتدي به الناس، صدقة من أجل أن يقتدي به الناس، كأن يكون محل قدوة. طيب، أو حفر بئر من أجل أن يقتدي به التجار، فاقتدوا به، فلا شك أن هذا أعظم. وكذلك من يزرع زرعاً ويغرس غرساً، ويباشر صناعة مما ينتفع بها الناس في أمور دينهم ودنياهم، وقد قصد بذلك حصول النفع. وهذا فيه أن المؤمن حتى في أمور الدنيا ينوي النية الصالحة. أنت مدرس في المدرسة الحكومية، تتقاضى راتباً، فانُُ بهذا التدريس الدعوة إلى الله، وأن تنفع الناس، وأن تنفع الناس، وأن تنفع الطلاب. طيب، فهذا لا شك أن نية طيبة. أنت تزرع، تنوي بهذا الزرع أن تحصل على المال، وأن يأكل الطير، ويأكل الفقير والمسكين، فهذا أيضاً أجر. هذا ماذا؟ أجر. نعم. أنت موظف في كهرباء، أو في نفط، أو في طب، أو في... لا تكون نيتك فقط المال، لا تكون نيتك أيضاً نفع الناس ومساعدة الضعيف، وكذلك إسعاد الناس. إذا كانت النية هذه النية الطيبة، تؤجر عليها. ولذلك قال هنا: فإن الله يدخل بالسهم الواحد الجنة ثلاثة: صانعه، يعني الذي باشر هذا العمل، وراميه. أنت صنعت فقط، ثم أعطيته الفارس، رمى به، يدخل الله الجنة هذا الرامي، وممده، أو الممد له. معنى الممد له: يعني الذي هو واسطة بين الصانع وبين الرامي. أنت ما صنعت، وأنت ما رميت به، لكن أتيت به من الصانع وأعطيته الرامي، فأنت الممد له، أو الذي تشتري للرامي هذا السهم. هذا رامي، اشتريت له سلاحاً، أنت ما صنعت السلاح، وأنت كذلك ما رميت بهذا السلاح، لكن أنك هيأت هذا السلاح لهذا الرامي. وكذلك في العلم: أنت ما تعلمت العلم، طيب، طيب، ما تعلمت العلم، طيب، وما بلغته عن غيرك، لكن أعنت طلاب العلم، وأنفقت عليهم، وشجعتهم، وكذلك هيأت لهم طلب العلم، فأيضاً لك أجر، لك أجر. هذا معنى كلام المؤلف رحمه الله تعالى. وبهذا نكون قد انتهينا هذه القاعدة إلى هنا، والله تعالى أعلم. شكراً.