الدرس في التعليق على الشمائل المحمدية للإمام الترمذي 11، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يستهل الشارح بشرح كتاب الشمائل المحمدية للإمام الترمذي معرفاً الشمائل بأوصاف النبي الخلقية والخُلقية وأهميتها في التقرب إلى الله. يلخص البابين الأولين المتعلقين بخلق النبي صلى الله عليه وسلم وخاتم النبوة مستعرضاً أوصافه ومكانته واختلاف العلماء في وقت ظهور الخاتم.
يبين المقطع أن خاتم النبوة لم يكن موجوداً عند الولادة وأن إطالة الشعر من سنن العادات لا العبادات. كان النبي صلى الله عليه وسلم يطيل شعره ويحلقه اتباعاً للعرف مع التوسط في العناية به وحث على إكرامه بالغسل والدهن والترجيل.
يوضح كيفية عناية النبي صلى الله عليه وسلم بشعره بنفسه أو بأهله وميله للتيامن في الترجل مع النهي عن الترجل المستمر. يؤكد المقطع على وسطية الإسلام في زينة الرجل محذراً من التشبه بالنساء في التزيين المبالغ فيه.
يختتم المتحدث المجلس بالدعاء إلى الله أن ينفع الحاضرين بما سمعوا ويرزقهم علماً نافعاً وعملاً صالحاً. يختم بالحمد لله رب العالمين داعياً للقرب من الله تعالى.
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم ومن والاه. أما بعد، مواصلة أيها الأحبة في الله مع هذا الكتاب القيم النافع المفيد المسمى بالشمائل المحمدية والخصائل المصطفوية، وهو كتاب عظيم للإمام الحافظ أبي عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي رحمه الله تعالى، المتوفى في سنة 279 للهجرة. ومر معنا الكلام حول ترجمة مختصرة للإمام أبي عيسى الترمذي رحمه الله تعالى، وهكذا أيضًا مر معنا الكلام حول الشمائل، وأن الشمائل جمع شِمال، والشمال له معاني كثيرة، والمراد به هاهنا الطبع والخلق والسجية. والشمائل تتناول أمرين: الأمر الأول الخلق بفتح الخاء وسكون اللام، والأمر الثاني الخلق بضم الخاء واللام. أما الخلق فالمراد به صورة الإنسان الظاهرة كبياضه وطوله وشعره وغيرها، والمراد بالخلق هو صورة الإنسان الباطنة كصبره وشجاعته وعلمه ورحمته وكرمه وحلمه إلى غيرها. وهذه الشمائل معرفتها من الأهمية بمكان، فيتقرب العبد منا إلى ربه عز وجل بأن يتعرف على شمائل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وبمعرفة شمائله عليه الصلاة والسلام، والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قد أكرمه ربه عز وجل بأكمل وأجمل الصفات سواء الصفات الخلقية أو الصفات الخلقية. ولهذا مر معنا ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في كتابه القيم "الجواب الصحيح" وهو يتحدث عن آيات نبوته صلى الله عليه وسلم، قال رحمه الله تعالى: «وكان خلقه صلى الله عليه وسلم وصورته من أكمل الصور وأتمها وأجملها للمحاسن الدالة على كماله» انتهى كلامه رحمه الله تعالى. مر معنا أول أبواب هذا الكتاب، ألا وهو باب ما جاء في خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعني صورته وشكله. وذكر رحمه الله تعالى في هذا الباب عددًا من الأحاديث النبوية التي فيها بيان لشمائله الخلقية، ذكر نحوًا من خمسة عشر حديثًا. ثم ذكر الباب الثاني الذي هو باب ما جاء في خاتم النبوة. ما هو المقصود بخاتم النبوة؟ أمن ذهب أو فضة؟ ليس ذهبًا ولا فضة. طيب، أحسن، علامة أين تقع؟ هذا واحد وهذا ثاني، بين. أحسنت، بين كتفيه صلى الله عليه وسلم، وهو أقرب إلى أي جانب، اليمين أم اليسار؟ يا حذيفة، اليمين أو اليسار؟ هو بين الكتفين الأيسر. أحسنت. فما هو خاتم النبوة يا أبا مريم؟ عبارة عن ماذا؟ لحمة حجمها مثل... نعم، مثل بيض الحمام، مثل زر الحجلة، وفي بعضها كبيض الحمام، عليه شعيرات. هذا يسمى بخاتم النبوة. مر معنا حديث السائب بن يزيد رضي الله تعالى عنه، وهكذا حديث جابر بن سمرة رضي الله تعالى عنه، وهكذا غيرها من الأحاديث في هذا الباب التي فيها إثبات هذه العلامة. وكان أهل الكتاب يعلمون ذلك من كتبهم، كما في قصة بحيرا الراهب وهي قصة مشهورة، كما في حديث أبي موسى، وهكذا أيضًا في قصة إسلام سلمان الفارسي، وهكذا أيضًا كما جاء في الأحاديث الأخرى التي سبق الإشارة إلى بعضها. ولون هذه اللحمة، خاتم النبوة، هي كلون جسده عليه الصلاة والسلام، عليها شيء من الاحمرار، يعني بياض مشوب بحمرة. ولهذا وصفها بعضهم بأنها غدة حمراء، غدة حمراء،كذا وصفها بعض من رآها من الصحابة رضي الله تعالى عنهم. ومر معنا أن أهل العلم اختلفوا: هل ولد النبي صلى الله عليه وسلم وهي عليه، أم أنها كانت بعد ذلك؟ متى بعد ذلك؟ قال بعضهم بعد حادثة شق صدره، وقال بعضهم بعد بعثته. قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في كتابه القيم "فتح الباري": «ومقتضى هذه الأحاديث أن الخاتم لم يكن موجودًا حين ولادته»، ففيه تعقيب على من زعم أنه ولد به، يعني يرجح أنها كانت بعد ذلك. وذكر بعضهم أن خاتم النبوة رفع بعد وفاته عليه الصلاة والسلام، وهذا لا يصح، فالذي ورد بهذا إسناده ضعيف. وإلى غيرها من المسائل التي مرت معنا في هذا الباب. أيضًا تكلمنا حول باب ما جاء في شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم، في شعر يقال بإسكان العين، وهكذا يجوز فتحها: شعر وشعر، وكلاهما لغة صحيحة. والمقصود بهذا ما يتعلق بشعره صلى الله عليه وسلم من حيث طول الشعر، وهكذا من حيث تسريح الشعر والعناية به. والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان لربما ترك شعره حتى أصبح كثيفًا وطويلًا. ذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى قال: «وما دل عليه الحديث من كون شعره صلى الله عليه وسلم كان إلى قرب منكبيه، كان غالب أحواله، وكان ربما... قال حتى يصير دُؤابة، ويتخذ منه عقائص وضفائر». وذكر حديث أم هانئ رضي الله تعالى عنها الذي سبق معنا الكلام عنه، ألا وهي قولها: «قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة، قدمة مكة، قالوا: لعلها تريد عام الفتح، فتح مكة، قالت: وله أربع غدائر». والغدائر جمع غديرة، وهي ماذا؟ المقصود بها الضفائر، التي تعمل عند إطالة الشعر. وسبق معنا أن إطالة شعر الرأس أصله مباح، وليس من سنن العبادات التي يثاب عليها المسلم على فعلها لذاتها، لكن إذا نوى الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم وحبًا له عليه الصلاة والسلام فإنه قد يؤجر على هذه النية وعلى هذه المحبة. وسبق معنا أن إطالة الشعر من سنن العادات، وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يطيل شعره أحيانًا ويحلقه في أحيان أخرى. والعلماء رحمهم الله يقولون: إذا كان إطالة الشعر مظهرًا غير لائق أو يتنافى مع المروءة في ذلكم البلد، يقولون الأولى تركه. وفي بعض الأحيان أو بعض الأماكن قد يكون شعارًا للخوارج. النبي صلى الله عليه وسلم أطال شعره، لماذا؟ قالوا: لأن المجتمع الذي كان يعيش فيه كان أهله يطيلون الشعور، وليس من باب السنة أو من باب التعبد، وإنما هو من باب اتباع العرف والعادة. فإطالة الشعر من المسائل المباحة التي تخضع لأعراف الناس وعاداتهم.كذا ذكر العلماء رحمة الله عليهم. وتكلمنا كذلك أيضًا حول باب ما جاء في ترجل رسول الله صلى الله عليه وسلم. والترجل المقصود به تسريح الشعر وتنظيفه والعناية به. وكان هديه صلى الله عليه وسلم في هذا الباب، باب الترجل والعناية بشعره، بل وسائر الأبواب، هو التوسط. فليس حاله كحال من همته في شعره، فتجده لربما يقضي الأوقات الطويلة في تسريح الشعر وإصلاحه، وأحيانًا أمام المرآة يقضي أوقاتًا طويلة، هذا ليس عليه هدي النبي صلى الله عليه وسلم. وهكذا ليس كحال من يهمل شعره ولا يعتني به أصلًا، وإنما كان وسطًا، دون إفراط أو تفريط. والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يحث على إكرام الشعر، كما جاء في حديث أبي هريرة عند الإمام أبي داود وغيره، وحسنه الحافظ ابن حجر، وهكذا العلامة الألباني رحمه الله تعالى في سلسلته الصحيحة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من كان له شعر فليكرمه». ويكون الإكرام يا إخوان بماذا؟ بغسله، يكون الإكرام بغسل الشعر، وهكذا بدهنه، وهكذا أيضًا بترجيله وتسريحه. فبهذا يكون الإكرام لهذا الشعر. وكان النبي صلى الله عليه وسلم لربما قام بتسريح وترجيل شعره بنفسه، ولربما قام به بعض أهله. عائشة أمنا رضي الله تعالى عنها تقول: «كنت أرجل رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا حائض»، فكانت تقوم بترجيل رأس النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وكان عليه الصلاة والسلام أيضًا كما تقول أمنا الصديقة بنت الصديق رضي الله تعالى عنهما: «إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليحب التيامن في طهوره إذا تطهر، وفي ترجله إذا ترجل، وفي انتعاله إذا انتعل». وأكد كان عليه الصلاة والسلام، وختم رحمه الله تعالى هذا الباب بحديثين، قال رحمه الله تعالى: «حدثنا محمد بن بشار، قال حدثنا يحيى بن سعيد، عن هشام بن حسان، عن الحسن، عن عبد الله بن مغفل، قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الترجل إلا غبًا». وهذا الحديث، حديث عبد الله بن مغفل، تكلم في إسناده من تكلم من أهل العلم، الحسن هنا مدلس، واخد عن "عن"، وهكذا ذكروا غيرها، إلا أن الحديث له شاهدان يتقوى بهما، كحديث ابن عمر رضي الله عنهما، ولهذا صححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى كما في صحيح الترمذي، وهكذا أيضًا في سلسلة الأحاديث الصحيحة. وماذا وقوله: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الترجل إلا غبًا»؟ ومعنى الغب: أي يومًا بعد يوم، أي وقتًا بعد وقت آخر، وليس على سبيل الدوام والاستمرار. قال: «حدثنا الحسن بن عرفة، قال حدثنا عبد السلام بن حرب، عن يزيد بن أبي خالد، عن أبي العلاء الأودي، عن حميد بن عبد الرحمن، عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يترجل غبًا». وهذا الحديث تكلم العلماء في إسناده، ففي إسناده أبو خالد الدالاني الأسدي الكوفي، واسمه يزيد بن عبد الرحمن، قالوا عنه: صدوق يخطئ كثيرًا، وكان يدلس. ولهذا ضعفه العلامة الألباني رحمه الله تعالى كما في كتابه "مختصر الشمائل". وبعض أهل العلم يحسن هذا الحديث بشواهده كما فعل الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى، كما فعل الحافظ العراقي رحمه الله تعالى في تخريجه لأحاديث "إحياء علوم الدين". وآد فيه كما سبق أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتني بشعره إلا أنه لم يكن يبالغ في ذلك، فكان يرجل شعره لكنه غبًا، يعني أحيانًا، وأحيانًا أخرى يتركه. الرجل كما سبق معنا، الرجل يا إخوان زينته فيه، ما يحتاج أن يلبس الحلي لكي يكون جميلًا، ولا يحتاج أن يستخدم المساحيق والألوان التي تجعله جميلًا، لكن المرأة ناقصة وتحتاج إلى شيء من ذلك، أو من ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين. فالرجل نقص في حقه أن يبالغ في التزيين والتجمل، وهكذا العناية بالشعر، وهكذا استخدامه لأدوات التجميل. بعضهم يعمل سنفر على وجهه ويبالغ في ذلك، بعضهم يضع مواد في شعره ويبالغ في ذلك، وهكذا غيرها مما لا يليق بالرجال، وإن كان حسنًا في حق النساء. وقد نهي الرجال أن يتشبهوا بالنساء، بل لعن النبي صلى الله عليه وسلم من فعل ذلك. إذن هدي النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب وفي غيره من الأبواب الأخرى كان وسطًا، لا إفراط ولا تفريط، يعتني بشعره لكن لم يكن يبالغ عليه الصلاة والسلام في ذلك. وبهذا نكون قد انتهينا من هذا الباب الرابع، ويأتي معنا الباب الذي يليه، ألا وهو باب ما جاء في شيب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهكذا يتبعه أبواب أخرى تتعلق بشمائله عليه الصلاة والسلام. أسأل المولى عز وجل أن ينفعنا جميعًا بما نقول أو نسمع، وأن يرزقنا علمًا نافعًا وعملًا صالحًا يقربنا إليه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.